الشارقة: «الخليج»

من ميزات المسرح قدرته على محاكاة أكثر الأسئلة تعقيداً في الحياة، ولأنه «أبو الفنون» فقد كان حاضراً دائماً بموازاة كل الهواجس والنوازع البشرية، من تلك الأسئلة البسيطة والفطرية، حتى أقصاها حيرة وقلقاً، أو نزوعاً إلى الشك.

نحن هنا، نتحدث عن منتصف القرن العشرين، وتحديداً الثالث من يناير/ كانون الثاني سنة 1953، اليوم الذي شهد ولادة أكثر أنواع المسرح جدلاً حتى اليوم، وهو «مسرح العبث»، حيث عرضت مسرحية «في انتظار جودو» لصموئيل بيكيت.

غير أن البحث في جذور مسرح العبث، لا يقف عند هذا الحد، فثمة مؤشرات كثيرة تعود إلى البدايات، وتحديداً التراجيديا الإغريقية من خلال أسماء ثلاثة من كتاب المسرح المعروفين، وهم: ايسخيلوس، سوفوكليس، ويوربيديس، هؤلاء كانت أعمالهم تدور انعكاساً لموقف عبثي، يعبر عنه من خلال رؤية ميتافيزيقية للكون والإنسان عند كل منهم، ما يعني أن ثمة تأثيرات كبيرة في مسرح العبث المعاصر بذورها تعود إلى التراجيديا الإغريقية.

لكن، ماذا عن القرن العشرين الذي وثق في سجله تاريخاً دموياً من الحروب والكوارث التي خاضتها البشرية، فخلفت وراءها أوبئة، ومجاعات، وأوجاعاً نفسية لا حصر لها؟ لعل الوقوف عند الحربين العالميتين الأولى والثانية، وولادة المذاهب والتيارات الفلسفية المعروفة كالسيريالية، والوجودية، هو الذي أسهم في تكريس مسرح العبث، على النحو الذي صار معه مدرسة مؤثرة في كثير من الأعمال المسرحية التي عرضت في أرجاء العالم.

كانت كتابات كافكا، وديستوفسكي، وسترندبيرج، وألبير كامو، وغيرهم تحمل بذور العبث، وتطرح أسئلة الإنسان في واقع مأزوم حتى النخاع، والتقط الفن المسرحي هذه الكتابات، وترجمها إلى عروض كبيرة على خشبات المسرح العالمي، ولنتأمل كامو في كتابه «أسطورة سيزيف» الذي عبر عن عبثية وضع الإنسان في الكون، هذا الكتاب بحسب الناقد «مارتن أسلن» هو البذرة الحقيقية لمسرح العبث في القرن العشرين، حيث إن كلمة عبث، أو «absurd» في اللغتين اللاتينية واليونانية تعني الشيء الذي يزعج الأذن، ويجرح المشاعر، الصوت الذي لا لحن له، القاسي الأجش، وتعني مجازاً، غير معقول، فوضوي، عاجز، مضحك، مرتبك، منقسم على نفسه، متنافر، غير متحضر.

وكل تلك المعاني نجد أصداء لها في التراجيديات الإغريقية، ومسرح العبث المعاصر، وعلى ذلك إن كانت أسطورة سيزيف، كما صورها لنا ألبير كامو في كتابه، تعكس تلك المعاني التي كان لها تأثير كبير في كتاب مسرح العبث، فقد كان لها التأثير نفسه في كتّاب التراجيديا الإغريقية (ايسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس) بجانب الأساطير الأخرى الزاخرة بها أعمالهم.

فالأسطورة ما هي إلا رؤية متوارثة لوضع الإنسان العبثي في الكون منذ نشأته، وعذابه غير المفهوم، وغير المعقول، وصراعه، وتحديه لقدره ذاك مع نفسه، ومع الأقوياء الذين يمثلون الأغلبية أحياناً، وإن كان ذلك الصراع ينتهي بموت الإنسان، ما يزيد شعوره بالارتباك والفوضوية، وكذلك معاناته، مع انعدام حريته، وعدم شعوره بالعدالة، إلا أنه على الرغم من ذلك يجاهد من أجل إيجاد هدف له في الحياة.

تقول د. نادية البنهاوي في كتابها «بذور العبث في التراجيديا الإغريقية»: «إذا أمعنا النظر إلى ذلك المصدر الأساسي الذي استقى منه كتاب مسرح العبث فلسفتهم -أي أسطورة سيزيف لكامو- نجد أنه ربما يكون المصدر الأساسي نفسه الذي استقى منه أيضاً كتاّب التراجيديا اليونانية -أي الأسطورة في ثوبها الإغريقي- رؤيتهم لوضع الإنسان في الكون، وهي رؤية توحي بالشعور بالعبث الحقيقي لكن من دون الوعي الكامل به، والتعبير الصريح عنه ككتّاب مسرح العبث المعاصر. ومن المرجح إن ذلك يرجع إلى أسباب سياسية واجتماعية ودينية عند اليونان قديماً».

أياً كان الأمر، فقد صار العبث مفهوماً وتياراً ومدرسة تود أن تطرح حلولاً خيالية، وربما فلسفية لعوارض الوجود، وانعدام القيم، وتحاول أن تبحث عن أجوبة لتلك التشوهات التي تنال من فكرة الجمال. قد تكون الصورة مغرقة في التشاؤم واغتراب الإنسان، وانعدام أفق الأمل، لكنه المسرح، يظل فناً أثيراً يغوص في الواقع، وفي الأبعاد النفسية للشخصيات، باحثاً عن الجدوى في اللاجدوى، مختبراً مساحة الأمل، ويصل البشر من خلال هذه الفسحة الضيقة، ولكنها «شاسعة» بحجم ما فيه -أي في المسرح- من نبل، وحجم ما يطرح من أسئلة ملحة، رغم جنون ما في العالم من عبث، ومقت، وفوضى تحاصر الإنسان المعاصر.