«المكتبة الوطنية الفرنسية» رمز ثقافي وحضاري، يستعيد مناخات فرنسا الملكية، في العصور الوسطى، ويرتحل بنا إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ونحو سبعة قرون تحمل في ثناياها عدة مراحل من التأسيس، منذ بدأ شارل الخامس بتأسيس مكتبته الخاصة في اللوفر في 1368، التي كانت تضم 917 مخطوطاً، مروراً بملكية لويس الحادي عشر الذي يعتبر المؤسس الفعلي للمكتبة، وهو الذي دمج مكتبات ملكية كانت قائمة، خاصة في القرن السادس عشر بالمكتبة، مروراً بعهد فرانسوا الأول نحو 1537 حين ظهر فرمان مونبلييه، الذي قضى أن تودع نسخة لكل تصنيف يطبع في البلاد في المكتبة.
أما في عام 1622 فقسمت المكتبة إلى قسمين، واحد يتعلق بالمخطوطات، والثاني بالكتب، كما صدرت الفهارس في عشرة مجلدات مرتبة ترتيباً هجائياً، وأربعة حسب موضوعاتها.
وإبان الثورة الفرنسية تغير اسم المكتبة الملكية إلى المكتبة الوطنية، فصارت تحتضن آلاف المجلدات، وخلال الحرب العالمية الأولى نمت المكتبة لتضم نحو 5 ملايين مجلد مطبوع، وبعد الحرب نقلت محتوياتها إلى الريف للحفاظ عليها من الدمار.
وتزامن ذلك كله مع توسعات لمقر المكتبة، وأقسامها.
وتم بناء مقر جديد للمكتبة في عهد فرانسوا ميتران، في الدائرة 13 لباريس، حيث انطلقت أعمال تطويرها عام 1990، وفي 1994 صدر أمر إنشاء مكتبة فرنسا الوطنية وضمت المكتبة القديمة، ومكتبة فرنسا، وهذا دشن واحدة من أكبر المكتبات في العالم، وأحدثها، واكتمل بناؤها في عام 1995، وأخذت رسمياً تسمية المكتبة الوطنية للجمهورية الفرنسية.
وها هي اليوم تفتح خدماتها الثقافية أمام الباحثين، والطلبة، والجمهور العريض، وتقف كصرح ثقافي على ضفة نهر السين.
إبداع معماري
تتكوّن المكتبة من 4 أبراج عالية على شاكلة «4 كتب مفتوحة»، من تصميم الفرنسي دومينيك بيرّو، الذي فاز بمسابقة دولية شارك فيها مئات المهندسين المعماريين عام 1989، وتستند الأبراج على قاعدة مسطّحة ضخمة تضم مخازن الكتب التي يمكن الوصول إليها بواسطة مدرّجات ضخمة على نهر السين. هذه الكتلة الضخمة تحتضن الأبراج الأربعة وتتسم بقدر كبير من التناظر، وبساطة المظهر.
وتشتمل المكتبة على مجموعة فريدة من نوعها، تضم 14 مليون كتاب ومطبوعة، و360 ألف عنوان دورية، ونحو 150 ألف وثيقة، ونحو 800 ألف خريطة، ومخطط، كما تضم مليوني قطعة موسيقية، ومليون وثيقة صوتية، وعشرات الآلاف من الفيديوهات، والصور، والوسائط المتعددة، و530 ألفاً من العملات، والميداليات.
مبانٍ وأقسام
يعد الجزء الأكبر من المكتبة الواقع على ضفاف نهر السين، والمعروف باسم (مكتبة فرانسوا ميتران)، نواة المكتبة، التي تبهر الزائرين بتصميمها المعماري بأبراجه الأربعة، على شكل كتاب مفتوح، وتحاط بمجموعة من الحدائق على شكل غابة حقيقية.
يضم البرج الأول أقسام التاريخ والجغرافيا، والثاني، كتب السياسة والقانون والاقتصاد، ويضم الثالث العلوم والتقنيات، أما الرابع فيحتضن الفنون والآداب، ويضم أربع قاعات كبرى تضيء على تاريخ صناعة الكتاب والقراءة والصحافة بجميع اللغات الحية، والكلاسيكية.
وقسم الكتب النادرة، ويضم نحو 200 ألف مجلد، تراعي مختلف الحقب الحضارية.
مخطوطات
تحوي المكتبة كمّاً هائلاً من الكتب والمخطوطات العربية والإسلامية، وتعتبر مرجعاً مهماً للباحثين والمؤلفين، من بينها ما يوصف بأمهات الكتب التي جمعت خلال أربعة قرون، منذ القرن السادس عشر، وحتى نهاية القرن التاسع عشر.
ومن بين ال 250 ألف مخطوطة التي تضمها المكتبة، يقدر الباحثون نحو 125 ألفاً و45 ألف كتاب، وأكثر من 3 آلاف عنوان لدورية، تعود إلى العالم العربي والإسلامي.
وجمعت هذه المخطوطات والكتب عن طريق الرحالة والمستشرقين، وتعود أوائلها إلى عهد فرانسوا الأول الذي كان مهتماً باقتناء الكتب، والمخطوطات من كل دول العالم، بينها 630 مخطوطاً مشرقياً، وهناك مجموعة من كتب التراث العربي النفيس، منها على سبيل المثال ثلاث مخطوطات لمقامات الحريري، بما فيها من منمنمات لافتة.
وهناك أول كتاب عربي مطبوع في العالم، وهو كتاب (صلاة السواعي) المطبوع بمدينة فانو بإيطاليا عام 1514 وأول مطبوع عربي ظهر في ألمانيا عام 1583 وهو «رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطة»، وأول كتاب طبعته لبنان في دير يوحنا الصابغ بالشوير عام 1734 وهو «ميزان الزمن وقسطاس أبدية الإنسان».
ومن بين هذه المخطوطات «مخطوطة معراج نامة» و«ثلاث مخطوطات من مقامات الحريري».
أربعة مواقع رئيسية
يتبع المكتبة عدة مواقع مهمة: موقع فرانسوا ميتران: وهي مكتبة دراسية وبحثية، وتقام فيها المعارض والندوات، وهناك موقع ريشليو لوفوا ويشتمل على أغلب المجموعات المتخصصة، كالخرائط والصور، والمخطوطات الشرقية، والعملات، والميداليات، وأيضاً موقع مكتبة الترسانة في حي الباستيل، وأنشئ في القرن السابع عشر، وأصبح مكتبة عمومية في 1797، ثم ألحق بالمكتبة الوطنية في عام 1934، وهناك مكتبة متحف الأوبرا، وتضم نماذج من الديكور والملابس والأرشيف المتعلق بالعروض التي نظمت منذ ثلاثة قرون.