بالعودة إلى الأصول اللغوية الدينية، نجدُ في معجم «محيط المحيط» ما يأتي: استُشْهِدَ فلان: قُتِلَ في سبيل الله. والشهيد: الشاهدُ الأمين في شهادته... والقتيل في سبيل الله، والاسم الشهادة. وقيل سُمِّيَ القتيلُ في سبيل الله شهيداً لأن ملائكة الرحمة تشهَدُهُ، أو لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له في الجنة، أو لأنه ممن يُسْتَشْهَدُ يومَ القيامة على الأمم الخالية، أو لسقوطه على الشاهدة أي الأرض، أو لأنه حيٌّ عند ربِّه حاضر، أو لأنه يشْهَدُ ملكوتَ الله وملكَه. والشهيد في الأصل من الشهود أي الحضور.
في الأدب، صار للشهادة أو الاستشهاد معنى الموت في سبيل قضية ٍ من القضايا السامية. قد تكون قضيةً عقائديةً أو سياسيةً أو وطنيةً... أو غير ذلك، وهي ساميةٌ في نظَر ِالقائلين بها أو المقبِلين عليها أو المستعدّين للتضحية في سبيلها. والاستشهادُ هنا ينطوي على منتهى التفاني والإخلاص، كما هو الأمر بالنسبة إلى الاستشهاد في سبيل الله.
ما أشرْنا إليه من تطوُّر في معنى الاستشهاد، من الحقل اللغوي الديني إلى الحقل الأدبي، نجدُهُ واضحاً في تعليق البرقوقي على بيت للمتنبي. والبرقوقي هو واحدٌ من شرّاح ديوان المتنبي، وشرُحُهُ يُعَدُّ من أوفى الشروح وأكثرها تفصيلاً.
يبدأ المتنبي إحدى قصائده بهذا المطلع الغزليّ:
كم قتيل كما قُتِلْتُ شهيد ِ
ببياض ِالطُّلى وورْد ِالخدود ِ
يشرحُ البرقوقي قائلاً: الطُّلى الأعناق، وشهيد صفةٌ لقتيل. وأصْلُ الشهيد:
مَن قُتِلَ مجاهداً في سبيل الله، ثم تُوُسِّعَ فيه فأُطْلِقَ على من مات غرقاً أو حرْقاً وما إليهما. وجعل المتنبي من قتَلَهُ الحبُّ شهيداً، وقد روَوْا في ذلك قولَه صلى الله عليه وسلّم «من عشقَ فعفَّ ثم ماتَ ماتَ شهيداً».
يمكننا القول إنّ الشعرَ العربيَّ تغنّى بالشهادة قديماً وحديثاً. وربطَها بمعاني التفاني والإقدام والتضحية في سبيل قضية عامة أو خاصة. كذلك تفنَّنَ الشعراء العرب في تصوير مواقف الشهادة، وجعْلها أعراساً للبطولة والفرح. وهذا شائعٌ جدّاً في شعرنا الحديث. وقد شاعَ خصوصاً في تناول الشعراء للقضية الفلسطينية، التي لم تزلْ قضية العرب الأولى، مهما تكنْ تداعياتُها وتشعُّباتُها وآثارُها في داخل البلدان العربية أو فيما بينها.
يقول الشاعر محمود درويش في إحدى قصائده: «هذا هو العرْسُ الفلسطينيُّ، لا يصِلُ الحبيبُ إلى الحبيبْ... إلا شهيداً أو شريدْ». إنه عرْسُ الشهادة الذي
ينبثقُ من جحيم المعاناة القاسية، هكذا تصبحُ الشهادةُ عرْساً عندما تكون سبيلاً وحيداً للخلاص.
أوضاعنا العربية اليوم بلغتْ حدوداً قصوى من التدهور والتعقيد. والصراعاتُ القائمة تنهشُ الواقعَ العربيَّ وتمزِّقُهُ. وإزاء ذلك، يسودُ التشوُّشُ ليطغى على مختلف الرؤى والمفاهيم والمواقف.
جودت فخر الدين