في مرحلة ازدهار النقد، وبالأخصّ في القرْنيْن الرابع والخامس الهجرييْن، ظلَّ الشعراء يلعبون دوراً أساسياً في نقد الشعر، وإنْ كان ذلك على نحْو ٍغير مباشر.
فالشعراء في هذه المرحلة لم يكتبوا في النقد، أو بالأحرى لم يضعوا المؤلفات النقدية، وإنما كانتْ لهم آراؤهم وأحكامُهم التي عبّروا عنها بطريقة ٍ أو بأخرى.
فالكثير منهم عبّروا عن آرائهم في الشعر، من خلال قصائدهم، أي من خلال الشعر نفسه. ويأتي في طليعة هؤلاء أبو تمام والبحتري، اللذان بثّا في قصائدهما الكثيرَ من الأبيات التي تنطوي على رؤىً في الشعر وعن الشعر. نكتفي هنا بإيراد هذا البيت للبحتري:
والشعرُ لَمْحٌ تكفي إشارتُهُ وليس بالهذْر طُوِّلَتْ خُطَبُهْ
وكثير من الشعراء أيضاً، عبّروا عن توجّهاتهم النقدية، من خلال انتقائهم ما يعجبُهم من شعر، أي بإعدادهم مختارات ٍشعرية. والشاعرُ الرائدُ في هذا المجال هو أبو تمام، صاحب كتاب «ديوان الحماسة»، الذي اشتُهر الناقدُ المرزوقي بشرْحه، في كتابه «شرْح ديوان الحماسة». وقد كان لأهمية الاختيار الذي قام به أبو تمام ورهافته، أنْ تبِعَهُ في ذلك آخرون، شعراء وغير شعراء، وقد بلغ الأمر في هذا المجال، أنْ سُمِّيتْ كُتُبُ المختارات التي ظهرتْ بعد «حماسة» أبي تمام، ب«الحماسات»، من ذلك مثلاً «حماسة البحتري» و«حماسة الشجري».. الخ.
ومن الشعراء من عبّر عن توجُّهه النقديّ، من خلال التأليف في البلاغة، كما فعل ابن المعتزّ، صاحب كتاب «البديع»، ومنهم من عبّرَ عن آرائه النقدية بشرْحهِ ديوانَ شاعر ٍآخَر، كما فعل المعرّي عندما وضع كتابَهُ المشهور «مُعْجِز أحمد»، شارحاً فيه ديوانَ المتنبّي.
لقد أسهم الشعراء إسهاماً فعّالاً في الحركة النقدية، دون أنْ يكتبوا في النقد، وذلك في مرحلة ازدهار النقد العربي في بعض العصور العباسية، حيث برزَ نُقّادٌ مختصّون، تضافرتْ جهودُهم في وضْع نظرية عامة في الشعر، عُرِفَتْ باسم «عمود الشعر».
لم تكنْ إسهامات الشعراء النقدية بأقلّ من إسهامات النُقّاد المختصّين، بل الأرجح أنها كانت أهمَّ وأعمقَ وأغنى. فإذْ كان النُقّادُ يسعَوْن إلى تحديد الشعر وتقييده بالمقاييس والمعايير، كان الشعراء يعملون على تحريره وإطْلاقه في آفاق ٍجديدة.
هذا في القديم. أما اليوم، أو لنقُلْ في مرحلة الشعر العربي الحديث، كيف هي علاقة الشعراء بالحالة النقدية التي واكبتْهم أو واكبوها؟
ليس لكُتّاب الشعر أنْ يُلقوا المسؤوليةَ عن تقهقر النقد على المختصّين به أو المنصرفين إليه. فمسؤوليتهم كبيرةٌ في العمل على خلْق حركة ٍنقدية ٍفاعلة، ومن شروط ذلك أن يتحلّوْا بالتجرُّد والموضوعية، وأنْ ينبذوا المجاملة والممالأة وتبادل المنافع الإعلامية، والشعراء الذين تنطبقُ عليهم مثلُ هذه المواصفات هم اليومَ وللأسف قليلٌ جدّاً، بل نادرون.
جودت فخر الدين