مهما تكن الانتقادات التي وُجِّهتْ ولا تزال تُوَجَّهُ إلى جائزة نوبل، فإنّ مكانتها العالمية لا جدالَ فيها. وإذا كانت هذه الجائزة تُمنَحُ في عدّة فروع ٍ أو مجالات، فإنها في مجال الأدب لا تزال الأولى بين الجوائز، إذْ تُعَدّ تكريماً ليس للشخص الذي يفوزُ بها فحسب، وإنما أيضاً للبلد وللّغة اللتيْن ينتمي إليهما.
على مدى أكثر من قرْن، تصدّرتْ جائزة نوبل للأدب مشهدَ المنافسات الأدبية في العالم، ولم يخْلُ الأمرُ من انتكاسات تعرّضتْ لها، إذْ رفضَها بعضُ الأدباء، كالروسي باسترناك والفرنسي جان بول سارتر، تشكيكاً في آلياتها أو في مراميها. إلا أنها ظلّتْ محورَ اهتمام لا يُجارى، وظلَّتْ قادرةً على إثارة الأسئلة والإشكاليات والسجالات والاتهامات... على أنواعها. ولكنّ الفضيلةَ الأولى لهذه الجائزة، وكلّ جائزة لها فضائلُها العديدة، تتمثّلُ في نظري بكونها قادرةً على الاستمرار في تحريك الجدال حول ماهية الجائزة (أيّ جائزة) وكيفية منْحها ومصداقيتها وما يُلْحَقُ بها من إيجابيات أو سلبيات. ولهذا أصداء أو انعكاسات أو تأثيرات في مختلف المؤسسات التي تمنح الجوائز على نطاق العالم. والجوائز العربية ليست في منأى عن هذا الحقل من التأثيرات أو الانعكاسات أو الأصداء، ومنها على وجه الخصوص بعضُ الجوائز العربية التي باتتْ لها سمعةٌ عالمية، وتعملُ بدأب على ترسيخ مصداقيتها وتعزيز مكانتها في المستويين العربي والعالمي.

لن تكون هنالك جائزةٌ أدبيةٌ قادرةٌ على الالتزام بقواعدَ صارمة ونهائية في تقويم الأعمال الأدبية التي تُقدَّمُ إليها وتسْعى إلى نيْلها. فلِجانُ التحكيم في كلِّ جائزة أدبية تتكوّنُ من أمزجة متعدِّدة، تعدّدَ الأشخاص الذين تتكوَّنُ منهم تلك اللجان. وهذا التعدّد يتناسبُ مع طبيعة الأدب. فالإجماعُ على عمل أدبيّ أو على ظاهرة أدبية هو أمر في غاية الصعوبة، خصوصاً إذا كان المرادُ اختيارُ الأفضل من بين أعمال أو ظواهرَ متقاربة في مستوياتها الفنية. ولذا يوجدُ دائماً، عند منْح الجوائز الأدبية، من يرْضى ومن يعترض أو يسخط أو ينتقد.

وليس غريباً أنْ تتعرَّضَ المؤسساتُ القائمةُ على منْح جوائز الأدب لتدخّلات متنوِّعة، وبالأخصّ السياسية منها. وهنا ينبغي لهذه المؤسسات أنْ تتحمَّلَ مسؤولياتها في استبعاد كلِّ تدخّل يسيءُ لمعاييرها الفنية أو يُضْعِفُ منها. وجائزةُ نوبل هي في رأس الجوائز التي كثيراً ما تُتَّهَمُ بالانحياز أو الممالأة أو الخضوع للضغوطات. وهي في رأس الجوائز التي ينبغي لها أنْ تُقاومَ ضدَّ كلِّ ما يطعنُ في نزاهتها، أو تجرّدها، أو التزامها بالمعايير الفنية دون غيرها.

في علاقتنا - نحن العرب - بجائزة نوبل للآداب، ماذا يمكنُنا القول؟ هل نقولُ إنّ هذه الجائزة قد أنصفتْ أدبنا العربي؟ وهي التي لم تُمنَحْ منذ تأسيسها إلا لأديب عربيّ واحد هو نجيب محفوظ. طبعاً لا يمكننا القولُ إنّ جائزة نوبل قد أوْلَت الأدبَ العربيَّ ما يستحقّهُ من الاهتمام. وتالياً يمكننا القولُ إنها لم تُقدِّرْهُ حقَّ قدْرِه.

من دواعي الاعتزاز أن يحصلَ نجيب محفوظ على الجائزة. ففي ذلك تكريمٌ للأدب العربيّ، وللرواية العربية خصوصاً. إلا أنّ المكانة العالمية للأدب العربي تتعدّى جانبَهُ الروائيّ، نظراً إلى أنّ جانبَهُ الشعريّ هو الأكثر رسوخاً وامتداداً في الزمن، وهو - في نظَري - المعبرُ الأوّلُ عن الشخصية الحضارية للعرب على مدى تاريخهم. وفي نظَري أيضاً أنّ كلَّ جائزة عالمية تتوخّى النزاهةَ والموضوعيةَ لا يمكنها أن تتجاهلَ الأدبَ العربيَّ بعامة، والشعرَ العربيَّ بخاصة.

جودت فخر الدين

[email protected]