زرع الله في دواخلنا نباتاً طيباً، إن أحسنا سُقياه لن يزهر إلا خيراً، وعلينا أن نستغل بذور الخير هذه في مساعدة الآخرين والسعي في نفعهم وقضاء حوائجهم، حتى يغمرنا الرضا الروحي والنفسي عندما يرضى عنا الله عز وجل، وهنيئاً لمن اختاره الله وسخره لأن يسلك طريقاً فيه خير ومنفعة للآخرين، وسط هذه المشقات والصعوبات التي تقف عقبة في حياة بعض من الناس.. هنيئاً لذاك الذي يكون جداراً صلباً يستند إليه المحتاجون ليقفوا من جديد، بعدما أثقلتهم الهموم وتقاعدوا عن الأحلام.
ما أسعده هذا الذي يبادر ليُخرج المحتاج من كربته، أو يخفف عنه قساوة الشعور بالاحتياج والضيق، وكأنه مصباح ينير له عتمة الفرص الضائعة والأحلام المتآكلة التي أوشكت على انتهاء صلاحيتها، وما أعظم من تطوع لخدمة الآخرين ومساعدتهم بلا مقابل ولا إكراه. تطوع لمساعدة أبناء وطنه باعتباره واجباً وطنياً ولزاماً عليه أن يؤديه، لأن التطوع أحد أسباب تطور الأمة وتماسك المجتمع، ففيه يعمل أبناء الوطن على قلب رجل واحد، وهو مطلب ضروري من مطالب الحياة، حتى يستشعر المحتاج بأن هناك من يتلمس حاجته، وبأن هناك من سيمد له يد العون ويخرجه من عنق الزجاجة إلى رحابة الكون.
أتذكر ذات نهار عندما كنت أشرح درساً عن العمل التطوعي، وقبل أن أتطرق إلى تعريفه استوقفني طالب قام برفع يده قائلاً: العمل التطوعي هو عمل الخير، وفيه الإنسان لن يأخذ أموالاً بل يأخذ حسنات ليدخل الجنة.. فوجئت من المعنى الدقيق المحفور بعمق في ذهن طفل الأعوام الثمانية، وكنت وقتها ممتنة جداً لمن زرع في هذا الصبي مفهوم التطوع، وبعدها توالت قصص الطلاب عن انخراطهم في العمل التطوعي، فمنهم من يدخر من دراهمه المعدودة في الحصالة المخصصة لجمعيات الخير، ومنهم من يساعد أمه في تحضير بعض من الطعام ويخرج ووالده ليقوما بتوزيعه على المحتاجين، ومنهم من أخبرني بأنه يشتري زجاجات المياه أو العصير الباردة، ويقوم بتوزيعها على عمال النظافة أثناء عملهم وقت الظهيرة برفقة أخيه الكبير، وهذه الفتاة التي كانت تجلس في زاوية الصف لم أستبعدها من المشاركة في الحديث، فقد أخبرتني بأنها قبل أن يهل العيد تشتري فستاناً جديداً برفقة أمها وتهديه لابنة جارتها اليتيمة، كما أنها تعطيها من ملابسها الزائدة على حاجتها.
طربت لسماع قصصهم ومشاركاتهم التي تبدو بسيطة وفعالة في آنٍ واحد، وأيقنت وقتها أن الأسرة هي التي تغرس بذور الخير هذه في قلوب أطفالنا، فتنمو معهم كلما نمت أعمارهم. وللعمل التطوعي فوائد كثيرة منها ما يخص الفرد، ومنها ما يخص المجتمع ومن الفوائد التي يجنيها المتطوع لنفسه: كسب الأجر والثواب وكسب محبة الناس وإنشاء صداقات كثيرة قائمة على حبِّ الخير، وإضافة خبرات ومهارات جديدة أيضاً أمر يفيد العمل التطوعي في ملء وقت الفراغ واستغلاله في الأعمال المفيدة، وهو سبب رئيسي في تعزيز الثقة في النفس لدى المتطوع، أما بالنسبة للمجتمع فيعمل التطوع على تحقيق التماسك والتعاون وتعميق الروابط بين الأفراد، فعلينا أن نعزز مفهوم هذه الفكرة الأخلاقية وأن نغرس ثقافة التطوع في نفوس الأبناء، لإنشاء جيل قادر على دعم العمل التطوعي.

رشا رمضان إسماعيل