الكثير من قرّاء الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف، وهم بالملايين، يعتبرون كتابه "داغستان بلدي" دليلاً جمالياً ووطنياً لبلادهم المولودة من الجبال وعيون الخيول وصدور الفرسان، وقد لا تكون مبالغاً إذا قلت إن الجبلي الداغستاني يرى في حمزاتوف والده، وأنه ضمير داغستان وحارسها الشاب حتى عندما كان في قمة شيخوخته . شاعر بعشرة شعراء ورجل بملايين الرجال . اشتق شعره ونثره من قلوب الناس وقلوب الجبال وكان يكتب كما يتحدث، وضع كتاب "داغستان بلدي" فأصبح كتاباً من الشعوب والأوطان، ولهذا المعنى أصبحت داغستان ليست بلده وحده وبمعنى إنساني رفيع هي بلاد قرائه الذين لم يخسروا الكثير من وهج الكتاب ومتعته على رغم ترجمته من اللغة الآفارية المحلية إلى العربية بلغة صافية، ولم تكن الترجمة صافية إلا لأن اللغة الأم التي كتب بها حمزاتوف أكثر صفاء وأكثر أصالة، ومن هذه النقطة بالذات يكتسب هذا الكاتب الجبلي عالميته . لقد جعل من داغستان مركزاً لأشواقه وأشواق أهل بلاده الذين كانوا يحبونه بأكاليل من الورد وأغمار القمح .
"أبو طالب" إحدى شخصيات حمزاتوف، رجل من لحم ودم ودموع، على رغم أن روحه لا تعرف الدموع، فالدموع لليائسين والمحبطين، وما من يائس أو محبط في الجغرافيا النفسية لحمزاتوف .
تقرأ أيضاً لكتّاب في مثل قامة الجبلي الآفاري حمزاتوف، وتعتقد أن بلدانهم لا تخصهم وحدهم لقد حولوا أوطانهم إلى أوطان إنسانية كونية، هؤلاء كتّاب فتوحات بلا حروب لو كانوا جنرالات بنياشين من الذهب والفضة لندموا على أنهم جنرالات، فالمدن التي يجتاحها جنرال بدبابات وصواريخ، مصيرها ذات يوم أن تعود إلى تاريخ الشعب الذي ينتمي لهذه المدن، ما من طغيان أو استعمار أو هيمنة تدوم إلى الأبد لكن إلى الأبد تبقى الروح الأدبية الإنسانية الصافية .
هل تعتقد أنت أيها القارئ العربي أنك لا تمتلك شاعراً مثل لوركا أو أراغون أو ناظم حكمت أو طاغور أو شكسبير أو عزراباوند وغيرهم وغيرهم ممن أصبحت بلدانهم ليست لهم وحدهم عن طريق الآداب والفنون؟

يوسف أبولوز
[email protected]