متابعة:معن خليل

يعد منتخب بلجيكا من المرشحين على الورق لإحراز كأس العالم 2018 الذي ينطلق في روسيا في 14 يونيو/ حزيران الحالي، ذلك أن الفريق المعروف باسم «الشياطين الحمر» يضم أبرز وأمهر اللاعبين في العالم في كل المراكز، لذلك عرف هؤلاء بأفراد الجيل الذهبي والذي إن فشل في مونديال 2014 وفي كأس أوروبا «يورو 2016» في تحقيق الآمال المعقودة عليه في البطولتين، إلا أن التشكيلة الحالية للمدرب الإسباني روبرتو مارتينيز يمكن الرهان عليها للذهاب بعيداً في النسخة الروسية للحدث الكروي الكبير.
لكن السؤال الذي يطرح، كيف وصلت بلجيكا لتكون القوة الأوروبية والعالمية التي يحسب لها ألف حساب بعد أن غابت عن الساحة الكروية على مدى 12 عاماً؟
كانت بلجيكا شاركت لآخر مرة في كأس العالم عام 2002، ثم فشلت بعد ذلك في التأهل حتى 2014، والأمر نفسه ينطبق على كأس أوروبا للأمم حيث فشلت في المشاركة من عام 2000 حتى 2016.
أجابت صحيفة «سكاي سبورتس» على هذا السؤال في تحقيق طويل لها عن البلد الأوروبي الذي يبلغ عدد سكانه 11 مليون نسمة، والذي استطاع أن يفرض نفسه كروياً، حيث يحتل منتخبها حالياً المركز الثالث في تصنيف الاتحاد الدولي «فيفا» بعد ألمانيا والبرازيل، علماً أن تصنيفه في عام 2007 وصل إلى 71 على العالم.
ما حدث للمنتخب الأوروبي لم يكن مجرد ضربة حظ أبداً، بل نتيجة تخطيط ومشروع واعد للمواهب ظهر عام 2000، وكان من ثماره التأهل لمونديال 2018 مع مرتبة الشرف، حيث كانت بلجيكا أول دولة أوروبية تتأهل من التصفيات وحققت تسعة انتصارات من عشر مباريات ضمن منافسات المجموعة الثامنة، وعادلت الرقم القياسي في تسجيل الأهداف والبالغ 43 هدفاً.
ويرى آدم بيت الصحفي في «سكاي سبورتس» أن بلجيكا بفضل مشروعها الواعد نجحت في صناعة ماهو أكثر من جيل ذهبي، وقد كان هناك أسباب فنية وراء إنتاج البلد الأوروبي لعدد كبير من اللاعبين النجوم المميزين، وهو ما يؤكد عليه بوب برويز المدير الفني في الاتحاد البلجيكي لكرة القدم والذي سبق أن درب منتخب الشباب، والباحث الإنجليزي ستيف لورانس صاحب نظرية «الانحياز النسبي للعمر».
وبرأي التقرير أن بلجيكا ستبقى قوة كروية واعدة حتى في السنوات المقبلة، لأنها تملك أجيالاً جديدة من الموهوبين، والدليل تصدر منتخب بلجيكا تحت 21 سنة لمجموعته في تصفيات كأس أوروبا لهذه الفئة، كما حقق نتائج لافتة في فئة 17 سنة، ووصل إلى نصف نهائي البطولة الأوروبية التي أقيمت في إنجلترا.
ويتابع التقرير أن بلجيكا تملك لاعبيْن يُعدان من المواهب الكروية النادرة حاليا هما أدوين هازارد (نجم تشيلسي) وكيفن دي بروين (نجم مانشستر سيتي)، لكن في المقابل يملك البلد أيضاً عمقاً مستمراً من المواهب، وكل ذلك نتيجة التحول الذي طرأ بفضل «مشروع عام 2000»، الذي أعاد هيكلة كرة القدم البلجيكية بالكامل بدءاً من مرحلة الشباب.
ولعب بوب برويز الذي كان سابقاً حارساً للمرمى ويبلغ حالياً 48 سنة من عمره، دوراً مهماً في هذا التحول الذي حقق نتائج مذهلة، ويؤكد أن «ما تملكه بلجيكا حالياً من مواهب ليس مجرد صدفة». وقاد برويز منتخب بلجيكا للفوز بالمركز الثالث في مونديال الشباب 2015 الذي أقيم في تشيلي، وهو يرى بعين خبيرة» بالطبع، هناك بعض اللاعبين الموهوبين بالفطرة الذين لا يمكنك إنتاجهم بمجرد وجود نظام وخطة فنية، مثل هازارد ودي بروين، ولكن عندما تنظر إلى الكرة البلجيكية حالياً وعدد اللاعبين الجيدين، فمن الواضح أنها لاتقوم فقط على ال23 الذين سيشاركون في مونديال روسيا».
وبرأي برويز، فإنه كان لدى الإسباني روبرتو مارتينيز مدرب منتخب إسبانيا، مهمة صعبة للغاية لاختيار تشكيلته التي ستشارك في مونديال 2018، حيث إن هناك أيضاً لاعبين مميزين لن يتواجدوا في كأس العالم».
ويقول برويز عن مستقبل الكرة البلجيكية «انظروا إلى فريق تحت 17 سنة الذي حقق أداءً جيدًا في بطولة أوروبا التي أقيمت بإنجلترا، كما أنه لدينا مجموعة جيدة تحت 16 سنة أيضًا، وهذا لم يأت من قبيل الصدفة، بل بسبب أنه لدينا نظام ولدينا رؤية».
وليس من باب الصدف أن منتخبات بلجيكا تقدم كرة جميلة، فبرويز منظر «مشروع 2000»، هو عضو منظمة كرويف لكرة القدم، التي تعمل على نشر رؤية النجم الهولندي السابق حول العالم، كما استفادت بلجيكا أيضا من أفكار الإنجليزي ستيف لورانس، والذي رفع الوعي حول مفهوم «الانحياز النسبي للعمر»، حيث يرى أن اللاعبين الأكبر سنًا يتمتعون بميزة يجب الاستفادة منها.
ويملك لورانس فكرة أن أولئك الذين ولدوا في الجزء الأول من السنة هم أكثر احتمالاً، وأكدت دراسات في بلجيكا عن أن أكثر من 40 في المئة من اللاعبين الشباب النخبة ولدوا في الأشهر الثلاثة الأولى من العام.
ويقول لورانس: «أظهرت الدراسة التي قدمتها أن الفريق الأكبر سناً سيتغلب على الفريق الأصغر سنًا بمجموعة كبيرة من المباريات، وهي تعادل ميزة اللعب على أرضك».
ويتابع: «تقام الدوريات الكروية بنظام الذهاب والإياب، لكن مع نظام الانحياز النسبي للعمر لا يمكنك إيجاد ميزة إعطاء الفرص المتساوية، لذلك إذا ذهبت إلى المنافسة على أعلى مستوى، عليك أن تضع الفريق الأقدم على أرض الملعب».
وأمن بوب برويز بفكرة لورانس القائمة على الانحياز النسبي للعمر، ومعرفة كيفية تدريب اللاعبين حسب أعمارهم، فأصبح هناك فريق لكل سنة عمرية، وأسس لفرق متوازية في مختلف الفئات العمرية، بمعنى وضع اللاعبين المتقاربين سناً في مجموعة واحدة. وكذلك حافظ على اللاعبين الذين لا يحصلون على فرصة. ويقول برويز «أنا مقتنع أنه بالنسبة لبلد صغير مثل بلجيكا، يجب رعاية كل المواهب، وأنا مقتنع أنه إذا لم نهتم باللاعبين المتأخرين، فسينتهي الأمر بخسارة ربما 25 في المئة من المواهب».
وتأكد أن برويز على حق، فهناك بعض اللاعبين تأخروا في الظهور على الساحة الكروية، لكنهم أصبحوا الآن نجوماً في أنديتهم وفي المنتخب مثل لاعب الوسط يانيك كاراسكو وحارس المرمى الرائع تيبو كورتوا، الذي لم يكن حارس المرمى الأول في فرق 15 و16 و17 سنة، حيث تواجد كوين كاستيليز لكن كورتوا هو من يتفوق عليه الآن.
ويقول برويز» نعمل مع النوادي في برنامج تحديد المواهب ونشهد بعض التحسينات، ولكن المشكلة هي أن المدربين الشباب يركزون بشدة على الفوز في الفئات العمرية بدلاً من تطوير اللاعبين، وهذا مفهوم يجب أن يتغير».
على الرغم من أكثر من عقد من العمل المميز في هذا الموضوع وقصص النجاح التي لا حصر لها، فإن التحدي مستمر، وما يزيده أملاً أن بلجيكا شاركت مؤخراً في بطولة الدول الأربع تحت 15 سنة مع السويد والدنمارك وجمهورية التشيك، وهي بطولة كانت موجهة بشكل خاص للاعبين المتأخرين.
ويكشف برويز أن هناك «توجهات بوضع كرة القدم الخماسية في خطط تنمية الشباب، نريد أن نشجع الفرق على لعب الخماسية، لأنها تعلم اللاعبين الكثير». ويتطلع برويز إلى ما بعد كأس العالم وحتى«يورو 2020»لضمان أن بلجيكا يمكن أن تحافظ على نجاحها بمجرد اعتزال النجوم الحاليين، وهو يدرك الانحدار الذي عانت منه فرنسا بعد نجاحها في عامي 1998 و2000 بنيل كأس العالم ثم كأس أوروبا.
ويختتم برويز:«بدأنا في عام 2000 برؤية ركزت على التطوير الفردي للاعبين، ولكن لم نتخيل أبداً أن بلجيكا ستكون في المركز الثاني أو الثالث في تصنيف «فيفا»، علينا أن نبقى متواضعين ونواصل العمل بجد، علينا أن نحافظ على تحسين نظامنا لأنني مقتنع بأننا مازلنا قادرين على فعل الأشياء بشكل أفضل».
دريس مارتينيز مثال حي للاعبين المتأخرين
يعد جناح نادي نابولي الإيطالي ومنتخب بلجيكا دريس مارتينيز مثالاً حياً على مدى أهمية التجربة البلجيكية، بعدما تم الاستفادة من جهوده متأخراً، علماً أن ذلك تطلب منه من اللعب في الدرجة الثالثة حتى يتطور.
ويقول برويز عن مسيرة مارتينيز «هذا يدل على أنك تحتاج أحياناً إلى قليل من الحظ وإلى مدربين مستعدين للعمل مع اللاعبين المتأخرين في وقت متأخر، عندما تكون الأندية ليست مستعدة لفعل ذلك فإن الأمر يصبح أكثر صعوبة، لذلك حاولنا تغيير الثقافة في أكاديمياتنا».
لعب مارتينيز البالغ حالياً 31 عاماً بالمراحل السنية لفريق أندرلخت البلجيكي العريق، ولكنه لم يصل إلى الفريق الأول، وانتقل إلى نادي جينت، ومن ثم تمت إعارته في عام 2005 إلى نادي أنترخت ألاست في الدرجة الثالثة، وقد تألق ومنحته الجماهير لقب لاعب الموسم، ثم انتقل إلى نادي أبيلدورن الألماني غير المعروف، وأصبح مارتينيز من أهم لاعبيه، ثم أصبح كابتنه، وفي موسم 2008-2009 منح لقب أفضل موهبة بالموسم، وفي 2009 قرر الرحيل لنادي أوتريخت الهولندي، ثم إيندهوفن، وفي 2013 انتقل إلى نابولي.
تحدي اختيار التشكيلة
سبق لروبرتو مارتينيز مدرب بلجيكا أن أكد صحة ما ذهب إليه برويز عن المواهب الكثيرة في بلجيكا ؛ حيث كشف قبل إعلان تشكيلة مونديال 2018 أنه سيواجه تحدياً لاختيار 23 لاعباً في النهائيات؛ لأنه سيكون مضطراً لاستبعاد بعض المواهب.
وقال مارتينيز: «لدينا الكثير من الخيارات في كل المراكز، سيكون من الصعب اختيار التشكيلة النهائية من 23 لاعباً؛ بسبب مساهمات العديد من اللاعبين وأحقيتهم في دخول التشكيلة».
جيل جديد والحصاد
عند التمعن في صحيفة بلجيكية صدرت في عام 2002 نجد أنها تنبأت بنجومية للاعبين واعدين صغار في ذلك الوقت، أصبحوا حالياً عماد المنتخب الأول؛ مثل: هازارد - كيفين دي بروين- لوكاكو - كريستيان بنتيكي - فينسينت كومباني - دريس مرتينير.
وبدأ الحصاد؛ نتيجة الاهتمام بالشباب عندما تأهل منتخب بلجيكا تحت 23 سنة إلى أوليمبياد 2008 في بكين، وقد نال المنتخب وقتها المركز الرابع وكان يضم حينها لاعبين؛ أمثال: توماس فيرمايلين - كيفين ميرالاس - مروان فيلايني - فينسينت كومباني - يان فيرتونين.
ويعد المنتخب الحالي خليطاً من التطور بين أفضل اللاعبين، الذين حققوا الإنجاز الأولمبي في كرة القدم والجيل الشاب الذين وضعوا تحت منظار الاتحاد البلجيكي.