لم يبق لقب في لغة إلا وأطلق على ميسي، بل عجز البعض عن إيجاد صفة يستحقها هذا "البرغوث،" بل ذهب آخرون يقنعون الجماهير بأنه موهبة خارج حدود المعقول داخل كوننا الفسيح .
يأتي هذا الكتاب "ميسي . . قصة الفتى الذي أصبح أسطورة"، ليدخل بنا إلى أماكن ظلت مغلقة أمام محبي ميسي، متنقلاً بهم في جميع جوانب حياته ماراً بعائلته وأصدقائه ومدربيه والمقربين منه، في محاولة منه لرسم خريطة دورة الحياة التي مر بها الساحر الأرجنتيني بين مسقط رأسه روزاريو المصطبغة بمرضه وفقره وبرشلونة، حيث الملايين والشهرة والكرات الذهبية الأربع .
الكتاب من تأليف لوكا كايولي، الصحفي المشهور الذي عمل في كبرى الصحف الرياضية في إيطاليا وفي محطات تلفزيونية في لندن وفرنسا، استقر في إسبانيا منذ 8 سنوات بعد أن عاش في إيطاليا وفرنسا، وسبق أن كتب سيراً ذاتية للعديد من نجوم كرة القدم العالمية مثل رونالدينيو، زيدان، كريستيانو رونالدو وفيرناندو توريس .
ميسي ولد قيصرياً بالأرجنتين وسط أصوات القنابل
يبدأ الكتاب باستعراض وصفة طبخ بصورة مفصلة تقريباً حتى تشم رائحة قطع لحم البقر والصلصة بالبصل المقلي وشرائح الجبنة عليها، وكأننا نتصفح كتاب طهي، ولكن يتبين لاحقاً أن الواقفة في المطبخ هي أم ميسي، سيليا، تعد الوجبة المفضلة لابنها التي تقول: إنها تضطر لعملها مرتين أو ثلاث أسبوعياً عند ذهابها إلى برشلونة، وتقول مداعبة إن هذه الوجبة وشراب "ماتا" أو "المتة"، الشاي التقليدي الأرجنتيني، هما اللذان يحفزان ميسي لتسجيل الأهداف .
وتكشف الأم أن ميسي يحب لحم البقر والدجاج ولا يتناول لحم الخنزير أو الحصان، كما أنه لا يعير انتباهاً للوجبات الراقية التي يعدها أخوه الطاهي رودريغو الذي يحلم أن يفتتح يوماً ما مطعمه الخاص . وتكشف الأم أن ميسي يحب الشوكولاته كثيراً خاصة واحدة منها تقليدية تدعى بالأرجنتيني "الفاغورس"، وهي بالكراميل، حيث إنها تضطر إلى حمل الكثير من العلب معها عند السفر إلى برشلونة .
وتقول الأم أيضاً إن ميسي في صغره كان يعده مدربه بهذه الشوكولاته إذا ما سجل أهدافاً، فيدخل إلى المباراة ليضع ثمانية في الشباك ويخرج راكضاً نحو المدرب ماداً يده .
تسترسل الأم في الحديث عن بعض أسرار طفولة ميسي، وتعرج على جدته التي يكن لها ميسي حباً جماً، وهو الذي يرفع يديه لها بعد كل هدف يسجله، فالجدة هي الوحيدة تقريباً التي كانت مؤمنة كثيراً بقدرات ميسي وموهبته رغم قصر قامته وضعف بنيته، بحيث كانت تصرخ على اللاعبين بأن يمرروا الكرة له لأنه الوحيد القادر على تسجيل الأهداف والجدة هي التي ألحت على عائلته بأن يشتروا له حذاء للعب الكرة .
وتتذكر سيليا كيف كان ميسي لا يكل ولا يمل من لعب الكرة في الشارع وإذا كان لوحده يتدرب بضرب الباب بالكرة، بحيث إن الجيران يصرخون عليه للتخفيف من ضرباته، وإذا ما أرادوا فرض عقوبة عليه فيكفي منعه من الخروج للعب الكرة ليشرع في التوسل وتقديم الوعود بعدم تكرار ذنبه . تواضع ميسي لا يزال على حاله وكذلك خجله، وحتى يومنا الحاضر يرفض أن يمنعه أحد من التجول في بلدته روزاريو رغم تكالب الناس عليه .
وتضيف الأم سيليا أنها فخورة جداً لما وصل إليه ميسي ويحز في نفسها كثيراً قراءة وسماع الافتراءات التي يتحدثون بها عنه، ولكنه في المقابل لا يقرأها ولا يعير لها أهمية إذا ما سمعها، ومع ذلك عندما يمر بمثل هذه الأزمة أو يتعرض لإصابة تعرف أن ميسي يكبت في نفسه الألم، لأنه معتاد على ذلك فتحزم حقائبها لتتوجه إلى برشلونة على الفور لتكون إلى جواره . وتصف الأم ميسي بصاحب القلب الكبير الذي يسأل عن الجميع في عائلته ومحيطها ويفكر فيهم على الدوام .
قصة حياة
يصل بنا الكاتب إلى الفصل الثاني لنجده داخل مستشفى روزاريو واصفاً إياها بالتاريخية، حيث بنيت عام 1892 من قبل الإيطاليين وأصبحت اليوم أفضل مستشفى أطفال في المدينة . ويعود بنا الكاتب إلى ولادة ميسي في هذه المستشفى الساعة السادسة من صباح يوم شتوي لأب اسمه خورخي، وكان يبلغ من العمر 29 عاماً يعمل رئيس قسم في شركة لتصنيع الفولاذ والأم سيليا (27 عاماً)، وتعمل في ورشة معادن والاثنان من أصول أرجنتينية وإيطالية واختارا اسم "ميسي" لابنهما على اسم بلدة إيطالية هاجر منها الجد أنجيلو ميسي إلى أمريكا في القرن التاسع عشر بحثاً عن حياة جديدة .
ويتحدث الكاتب بإسهاب عن مدينة روزاريو وشوارعها وناسها وكيف التقى والدا ميسي وتزوجا، رزق الاثنان بولدين هما رودريغو مارتين (1980)، وماتياس هوراسيو (1982) وهي السنة التي شهدت الحقبة السوداء للأرجنتين، كما يصفها الكاتب، حيث خسارة حرب (فوكلاند) مع بريطانيا والحالة النفسية السيئة التي عمت البلاد وأهلها .
وفي عام 1987 كانت سيليا حاملاً بابنها الثالث عندما ضربت البلاد موجة اضطراب سياسي جعلتها على مشارف حرب أهلية، ولكن عادت الأمور إلى نصابها الطبيعي في 23 يونيو/حزيران عام 1987 باتفاق بين أطراف النزاع، وهو اليوم نفسه الذي توجهت فيه سيليا إلى مستشفى روزاريو لتضع مولودها . كان الأب يرغب ببنت بعد الولدين، ولكن شاءت الأقدار أن يرزق بولد ثالث، تعرضت الأم لمشكلات عند الولادة فاضطر الأطباء إلى سرعة توليدها بعملية قيصرية خوفاً على حياة الجنين .
يتذكر الأب مشاعر الرعب التي عاشها حتى جاء ميسي، وكان وزنه آنذاك ثلاثة كيلوغرامات وطوله 47 سنتيمتراً ولكنه بصحة جيدة، أما خارج المستشفى فكانت تسمع أصوات القنابل بعد أن انقسمت البلاد بين معسكرين وأصبحت الأحوال الاقتصادية صعبة جداً، ولكن والد ميسي خورخي كان قد تكفل ببناء منزل من طابقين وحديقة خلفية لأولاده .
كبر ميسي بصورة طبيعية داخل العائلة وعند بلوغه الشهر العاشر تعرض لأول حادث في حياته، حيث خرج وراء إخوته ليلعب معهم فصدمته دراجة هوائية، ظل يبكي بحرقة الى أن نقلوه إلى المستشفى ليتبين أنه مصاب بكسر في ذراعه .
الحي الشعبي
ويتجول بنا الكاتب في الفصل الثالث داخل الحي الذي عاش فيه ميسي، حي شعبي للغاية فيه كل صور الحياة البسيطة ومع ذلك هناك مركز التدريب البدني الذي يعمل فيه "اباريشيو"، أول مدرب لميسي الذي كان يبلغ من العمر 78 عاماً وهو أب لأربعة أبناء وجد لثمانية .
لعب المدرب اباريشيو في شبابه لأحد الأندية المحلية وكرس بقية حياته لتدريب آلاف الصغار، ومنهم أخوي ميسي رودريغو الذي كان قوياً وسريعاً ويلعب وسط متقدم، وماتياس الذي لعب في الدفاع .
كانت الجدة تصطحب شقيقي ميسي كل ثلاثاء وخميس إلى المركز للتدريب قبل أن تضم ميسي معهما في أحد أيام الصيف بعد الظهر، لا يزال المدرب أباريشيو يتذكر تلك الفترة ولقائه ميسي قائلاً: "كنت بحاجة إلى لاعب إضافي لتكملة فريق مواليد ،1986 وبقيت أنتظر وأنا ممسك بالقميص الرياضي الذي سيرتديه هذا اللاعب، بينما كان الآخرون يجرون تمارين الإحماء، ولكن لم يظهر هذا اللاعب ورأيت ولداً صغيراً يركل الكرة وقلت لنفسي اللعنة لا أعرف إذا كان يعرف يلعب أصلاً، ذهبت الى الجدة لأتحدث معها، وكانت مولعة حقاً بكرة القدم، وطلبت منها أن تعيرني إياه فلطالما أرادت الجدة أن ترى هذا الطفل على العشب الأخضر وسألتني مراراً وتكراراً أن أسمح له بالتجربة وأخبرتني بمواهب هذا القصير، ولكن كانت هناك امرأة أخرى ربما خالته أو أمه لا أذكر كانت تخاف عليه كثيراً لأنه قصير وضعيف البنية فطمأنتها وقلت لها إني سأكون حاضراً، وإذا ما هجم عليه الآخرون سأوقف المباراة وأخرجه" . ولكن القصة التي ترويها عائلة ميسي عن هذا اللقاء مع أول مدرب مختلفة بعض الشيء، إذ تقول العائلة أن جدة ميسي هي التي أجبرت المدرب على إشراكه لأنه كان ينقصه لاعب، وقالت له تحديداً "أشركه وسترى كيف سيلعب هذا الصغير"، فوافق المدرب بشرط قائلاً "حسناً ولكنه سأضعه بجوار الخط الجانبي، بحيث إنه عندما يبكي تأخذيه وتغادرين" .
مباراة أولى
ويواصل المدرب رواية قصته إلى مؤلف الكتاب قائلاً "ألبسته القميص وأرسلته إلى الملعب . مع أول كرة وصلت إليه نظر إليه، ولا شيء، نهضت من الكرسي متعجباً ولكني عرفت أنه يركل بالقدم اليسرى لذلك لم يركل الكرة . وصلت إليه الكرة مرة ثانية وهذه المرة إلى قدمه اليسرى ثبتها بقدمه وبدأ يهرول، عبر اللاعب الأول ثم الثاني والثالث، وكنت أصرخ عليه (أركل الكرة، أركل الكرة) كان مرعوباً من أن يؤذيه أحد اللاعبين، ولكنه ظل يهرول بالكرة لا أتذكر فيما إذا سجل هدفاً حينها، ولكني متأكد من أني لم أشاهد مثل هذا المنظر في حياتي، فقلت لنفسي هذا لاعب لا يخرج أبداً من مباراة . وبالفعل لم أخرجه من الملعب أبداً" . وسحب المدرب صورة من ألبوم قديم يظهر فيها ميسي مع رفاقه الصغار في الملعب يرتدون قمصاناً حمراء، كان سروال ميسي يصل تقريباً إلى إبطه وقميصه كبيراً جداً عليه والجدية تعلو وجهه، كان يبدو كالطائر الصغير أو البرغوث كما يطلق عليه أخوه رودريغو، كان من مواليد 1987 ولكنه يلعب لفريق مواليد 1986 .
صديقة الطفولة
يصل الكاتب في الفصل الرابع إلى صديقة الطفولة سينتيا أريلانو التي لازمت ميسي منذ نعومة أظفاره، حيث تصف والدتها بأنها شقيقة لأم ميسي، فالاثنتان حملتا في الوقت نفسه وظلتا تلازمان بعضهما ليلاً ونهاراً .
تقول سينتيا أنها ارتادت المدرسة الابتدائية والثانوية مع ميسي وكانت تذهب وتعود معه وتحضر الحفلات والمباريات معه، تصف ميسي في المدرسة بالخجول جداً وقليل الكلام ولكنه مع كرة القدم منفتح جداً .
وتتذكر أن المشكلات كانت تحدث في ساحة المدرسة بسبب ميسي، فكل فريق يريد ميسي معه لأنه يسجل العديد من الأهداف، فمعه يكون الفوز مضموناً، كانوا يطلقون عليه في المدرسة لقب "بيكي"، لأنه الأنحف بين الجميع، لم يكن يحب اللغات أو الرياضيات، ولكنه جيد في الدروس البدنية والفن .
تعترف سينتيا للكاتب أنها كانت تغشش ميسي، حيث يجلس وراءها في الامتحانات وتمرر له الإجابة بعض الأحيان على ممحاة أو مسطرة .
وتتذكر سينتيا بألم لحظة مغادرته إلى برشلونة قائلة "بكينا جميعاً في ذلك اليوم عندما غادر مع عائلته إلى إسبانيا، لم أصدق ذلك، فقدت أعز صديق . وتتابع: حديثنا على الهاتف كان أمراً مؤثراً على الدوام، وبدا لي أن الحياة في أوروبا كانت صعبة عليه . ولكن عندما عاد اكتشفت أنها مفيدة له جداً لأنها جعلته أكثر نضجاً" .
وعندما سألها الكاتب فيما إذا كان ميسي قد تغير عن ذاك الولد الصغير الذي عرفته، تجيب سينتيا "كلا، لا يزال على الدوام ميسي الخجول والهادئ الذي تربيت معه، الشيء الوحيد الذي تغير أنه كان عندما يأتي إلى البلدة يأخذ دراجته ويلف بها في الشارع، ولكنه اليوم يستخدم السيارة لأن الناس لا تتركه بحاله، لا يصدق ما يجري هنا معه، الجيران مولعون بالتقاط الصور معه والبنات يقفن عند بابه بانتظار السلام عليه والأولاد جميعهم يودون أن يكونوا مثله . بالنسبة لي لا يزال ميسي شخصاً متواضعاً، صديق العمر ولا يعير أهمية لكونه بات مشهوراً جداً" .
"الظاهرة" يسبق عمره ويصيب المدربين بالذهول
الكشافة نقلوا ميسي إلى أولد بويز بعد إلحاح من شقيقيه
يذكر الكتاب حلم ليونيل ميسي الذي لا ينفك يذكره في كل مناسبة إعلامية، إنه العودة إلى الأرجنتين وإنهاء مسيرته الكروية في اللعب مع ناديه الأول أولد بويز وارتداء قميصه الأسود والأحمر .
يتحدث الفصل الخامس من الكتاب عن هذا النادي وعراقته داخل بلدة روزاريو المنقسمة بين أولد بويز وناديه المنافس أتلتيكو روزاريو سنترال . تأسس أولد بويز عام ،1903 ولعب له العديد من الأسماء الشهيرة في عالم كرة القدم مثل دييغو مارادونا، باتيستوتا، خورخي فالدانو وغيرهم .
وصل ميسي إلى نادي أولد بويز عام 1994 قادماً من نادي أقل شهرة هو غراندولي بعد أن عرف الكشافة بشأنه وطلبوا من شقيقيه المجيء به إلى النادي ليثبتوا أنه استثنائي كما يدعون .
عندما شاهده مدربو أولد بويز عرفوا أنه ظاهرة فريدة، وأوصوا على الفور بضمه إلى اللاعبين الشباب رغم أن عمره كان آنذاك سبع سنوات فقط .
ويشير الكاتب هنا إلى معلومة لا يعرفها الكثيرون عن ميسي، ففي عام 1996 شعر ميسي بسعادة بالغة لحصوله على جائزة عبارة عن دولفين لتألقه وفوز فريقه أولد بويز ببطولة دولية أقيمت في "ليما" عاصمة بيرو، وشارك فيها 25 فريقاً من الأرجنتين، تشيلي، الأكوادور وكولومبيا .
جذب الإعلام
جذب ميسي اهتمام وسائل الإعلام حينها ليس فقط لمهاراته ومراوغاته وأهدافه، ولكن أيضاً بسبب حركته مع الكرة، فأثناء التدريب وقبل كل مباراة كان ميسي يستمتع بتقديم استعراض بحركات بهلوانية مع الكرة، وجذب انتباه واستحسان كبار المديرين في النادي، بحيث طلبوا منه في عدة مناسبات القيام بهذه الحركات لإمتاع الجمهور الحاضر في المدرجات في استراحة ما بين الشوطين لمباريات الفريق الأول، وكان المذيع الداخلي للملعب يصيح باسم ميسي ليظهر البرغوث ويتوجه نحو وسط الملعب لأداء حركاته العجيبة مع الكرة .
أهمية العائلة
يورد لنا الكاتب في الفصل السادس بالذات قصة لها معنى ومغزى تتعلقان بمدى أهمية العائلة لكل لاعب ، هذه القصة عن شخص مجهول كان لاعبا مع ميسي، وقال عنه من شاهده إنه يمتلك مهارات استثنائية وتوقعوا له مستقبلاً واعداً، إنه غوستافو اريل روداس الملقب ب"بيلي" .
لعب بيلي مع ميسي في أولد بويز، وكان الاثنان يحدثان فوضى عارمة في أي دفاع، بحيث إن منافسيهما فقدوا الأمل، وأصبحوا يشعرون بالملل من الهزيمة . ويقول الكاتب إن بيلي خير مثال على أن الموهبة الطبيعية لا تضمن لصاحبها النجاح من دون دعم، فقد لعب بيلي في مركز الوسط في فريق مواليد ،1986 وأظهر قدرات استثنائية، وصعد إلى الفريق الأول وهو بعمر 16 عاماً فقط، وتوقع الكل أنه سيكون صاروخاً خارقاً للعادة في عالم كرة القدم، ولكن أين بيلي اليوم؟ عمره 22 عاماً، أب لطفلين ويقبع في خانة النسيان المظلم .
يشرح بيلي السبب قائلاً: "هذا ما يحدث للكثير من اللاعبين القادمين من العشوائيات والفقر، كرة القدم تساعدهم على التغلب على واقعهم المزري، ولكن إذا لم تناسبهم فيما بعد فسيعودون إلى العشوائيات ويقعون ضحية الكحول والمخدرات وخيبة الأمل، التعليم هو وحده ما يحدث الفارق هنا، في حالة ميسي، كان له أب وأم وقفا إلى جانبه، وساعداه على أن يصبح ما هو عليه اليوم، أنا أؤمن بقوة أن العائلة هي أحد عوامل النجاح في كرة القدم" .
كما يعرج بنا الكاتب في هذا الفصل للقاء بآخر مدرب لعب معه ميسي في أولد بويز وفي فريق مواليد 1987 بالتحديد، وكان ذلك عام 2000 عندما كان يبلغ من العمر 13 عاماً فقط، هذا المدرب هو أدريان كوريا .
يقول المدرب كوريا: "في ذلك الوقت كان الجميع يتحدث عن لياندرو ديبتريس الصغير الأشقر الذي ذهب للعب مع نادي ميلان وهو بعمر 11 عاماً، وظل أدريان يردد على مسامعهم جميعاً أن ليو ميسي سيكون أفضل منه بعشر مرات، وأنه سيكون يوماً ما أفضل حتى من مارادونا رغم أنه من أشد المعجبين بمارادونا" .
سائق فيراري
ويعترف هذا المدرب أنه عندما رأى ميسي أول مرة قال في نفسه إن هذا الصغير لا يستطيع لعب الكرة فهو قصير وهزيل جداً، ولكنه سرعان ما غير وجهة نظره عندما شاهد ظاهرة كروية، كان مهيمناً على المستطيل الأخضر بشكل لم يره في حياته، مثل سيارة الفورمولا أو الفيراري يسهم في كل خطوة، يتحرك في كل اتجاه ويترك جميع اللاعبين الأكبر منه والأضخم وراءه . ويتابع كوريا كان طول ميسي 2 .1 متر ويواجه مدافعين طول البعض منهم 8 .1 متر، ولكنه كان يصر على الفوز ولا يستسلم أبداً، كان يلعب، كما هو اليوم، خلف المهاجمين بحرية كبيرة ويتجمع حوله المدافعون يضربونه من كل جهة على أمل إيقافه ولكن لا شيء يؤثر فيه، ولا يشتكي أبداً، تجده في لمح البصر أمام الشباك يرسل الكرة نحوها ويفوز بالمباريات لوحده بحيث إن الجميع كانوا يقولون للمدرب ادريان أنه لا داعي لقيادة الفريق ما دام ميسي على أرض الملعب" .
يشير المدرب كوريا أن ميسي بقي محتفظاً بتواضعه، ولم يقل يوماً أنا الأفضل، ولكن عيبه الوحيد أنه لم يكن يحب التمارين كان يحب أن يكون مع الكرة دوماً .
يتذكر هذا المدرب كيف أنه في أحد الأيام نادى على ميسي لينضم للتدريب مع زملائه ولكنه ادعى عدم سماعه، وظل يركل الكرة فاستدعاه وأخذ منه الكرة وأمره أن يترك الملعب ويرتدي ملابسه ويذهب إلى المنزل، وبعد عشر دقائق شاهده المدرب والحقيبة على ظهره ملتصقاً بالسياج المعدني ينظر إلى الملعب فشعر بالحزن عليه وناداه .
وينتهي المدرب أدريان إلى نفس رأي الآخرين عن ميسي بأنه شخص لم يغيره المال والشهرة، وأنه نفسه الطفل الصغير الذي كان يدربه، ويبرهن على ذلك أنه شاهده في الآونة الأخيرة يتدرب، وعندما انتبه إليه ميسي ترك التدريب وتوجه نحوه وسلم عليه وأهداه قميصه .
مشكلة صحية
الفصل السابع طبي بامتياز، حيث التقى الكاتب بالطبيب الذي وقف للمرة الأولى على مشكلة ميسي الصحية في طفولته وكادت تقضي على مستقبله الرياضي .
ويستحضر الدكتور دييغو شوارستين تاريخ 31 يناير/كانون الثاني، وهو اليوم الذي كان ميسي يبلغ من العمر تسع سنوات ونصف واصطحبه والداه إلى عيادته المتخصصة بالغدد والطب الباطني في شارع قرطبة لاستشارته بعد القلق من قصر قامته، ورغم أن الجميع في العالم أصبح اليوم يعرف قصة ميسي مع مرضه المتمثل باضطراب الغدد المؤدي إلى توقف النمو أو تأخره، إلا أن الكاتب آثر إلا أن يقدم لنا صورة مفصلة وطبية عما أصاب ميسي .
حسب التقرير فقد توقف نمو ميسي حينها عند 27 .1 متر، وكان حينها مجرد صبي صغير قصير القامة يلعب الكرة ولا يعرفه أحد، انجذب الدكتور دييغو نحوه وتمكن من كسر خجله لأنه هو أيضاً كان مشجعاً لفريق أولد بويز، وبعد الكثير من الفحوص والاختبارات تبين أن ميسي مصاب بخلل في غدد النمو، وهي حالة نادرة تصيب طفلاً من بين 20 مليوناً، وليست وراثية حيث إن إخوة ميسي لا يشكون من أي مشكلة قصر .
من خلال حديث الكاتب مع هذا الطبيب أراد أن يضرب عصفورين بحجر، فمن جهة يسلط الضوء على ما حصل لميسي بالضبط، ومن جهة أخرى يجعل جهة علمية وطبية تكذب ما دأب البعض على ترديده من أن ميسي كان فأر مختبر تم تجربة العلاج بهرمونات النمو عليه أو أن هذه الهرمونات هي التي ساعدته للوصول إلى المهارة والقوة البدنية التي يتمتع بها اليوم .
يؤكد الدكتور أن العلاج بهرمونات النمو موجود ويستخدم في مثل حالة ميسي منذ أكثر من 30 عاماً وأنهم عالجوا الكثيرين بواسطته، والأمر الآخر أن هذه الهرمونات إذا ما أعطيت لشخص بالغ لا يعاني من خلل في هرمونات النمو فستكون بمثابة ستيرويد أبتنائي لتضخيم العضلات وتقليل أنسجة الدهون ولكن مع مخاطر جمة .
الأمر الآخر الذي يركز عليه الكاتب في هذا الفصل ويفاجئنا به هو الخلاف بين الطبيب وأهل ميسي حول سبب سفرهم الى برشلونة، فكلنا نعرف أن علاج ميسي كان مكلفاً، وهو عبارة عن حقن يومية لعدة سنوات .
تقول عائلة ميسي إن التكلفة العالية لهذا العلاج هي التي دفعتهم للتوجه نحو نادي برشلونة الذي تكفل بدفع قيمتها كاملة، أما الدكتور دييغو فيقول إن هذا السبب غير واقعي، لأن المركز الاجتماعي لوالد ميسي كان يتيح له دفع قيمة هذه الحقن، علاوة على تمتعهم بضمان اجتماعي وتأمين طبي، وإذا لم يحدث ذلك فهناك أيضاً لجنة خاصة بالأطفال ذوي اضطرابات النمو تتكفل بالعلاج مجاناً منذ عام 1991 .
ولكن والد ميسي يرد أن الضمان والتأمين توقفا عن تكاليف العلاج بعد مرور سنتين، ثم وافق مسؤولو نادي أولد بويز، بعدما رأوا مهارة ميسي ومستقبله الواعد، على تغطية جزء من الفواتير ولكن الدفعات بدأت تتأخر وشعرت العائلة بالحرج من طلبها في كل مرة، وفي ذلك الوقت فتح نادي ريفربيلت مكتباً في بوينس آيريس فكانت فرصة أمام ميسي، وكذلك أمام والده الذي أراد الضغط على إدارة النادي، وتوجه هناك لاختبار ميسي، ومن أول مباراة أعجب المسؤولون في ريفر بميسي كثيراً وقالوا لوالده "نريده معنا"، ولكن بشرط الحصول على موافقة أولد بويز تجنباً للمشاكل معهم . رفض النادي التخلي عن ميسي ووعدوا أباه بتلبية مطالبه، وهنا دخل برشلونة على الخط .
المدرب الأول: مدمر ولا أحد يستطيع إيقافه
يقول المدرب اباريشيو عن ميسي إنه "كان مميزاً رغم الأذى الذي يتسبب به له اللاعبون الأكبر منه سناً وبنية، كانت موهبته خارقة، ولد ليلعب كرة القدم، عندما تكون الكرة بين قدميه يدمرها، لا أحد يتمكن من إيقافه ويسجل أربعة أو خمسة أهداف في المباراة الواحدة . أسلوبه في اللعب؟ كما هو الآن، حر، كان صغيراً وتجده على الدوام هادئاً لا يشكو أبداً، وإذا ما آذاه أحد ربما يبكي بعض الأحيان ولكنه ينهض بعدها ويركض، لهذا السبب اختلف مع أي شخص يقول عنه إنه يحب اللعب بمفرده أو إنه عادي أو إنه أناني، عندما رأيته يسجل لأول مرة مع برشلونة بكيت" .