ترجمة وعرض: ضمياء فالح
لم يسبق للاعب كرة قدم أن كان محط جدل، بل وحتى خلاف كما حدث مع البرازيلي نيمار دا سيلفا سانتوس مهاجم برشلونة، ولم يحدث أن دار الحديث في العالم عن لاعب لا يتجاوز عمره 20 عاماً فتحت من أجله أعرق الأندية خزائنها، ونصبت لعيونه حلبات ملاكمة تصارع فيها الكبار للظفر بمواهبه، بل لا يزال القضاء ينظر حتى اليوم في صفقة شراء برشلونة له من سانتوس . وأصر الكاتب لوكا كايولي بعد أن أصدر كتابين عن ميسي ورونالدو، على التوغل في أبسط وأدق تفاصيل حياة نيمار، لينقل لنا صوراً وأحداثاً ومواقف وشهادات البعض منها شيق والآخر مفاجئ، وضعها في كتاب يصدر للمرة الأولى باللغة الإنجليزية . يتحدث الكاتب في الفصل الأول بإسهاب عن براخا شارلز ميلر أب كرة القدم في البرازيل، أول من أدخل كرة القدم، رغم أنه كان لأب اسكتلندي يعمل في أمريكا الجنوبية أرسل ابنه في عام 1883 لإنجلترا للدراسة وبقي فيها عشر سنوات، في الوقت الذي كانت كرة القدم قد اخترعت وكتبت لوائحها وأنظمتها هناك . برعت موهبته كمهاجم في فريق المدرسة ثم انتقل إلى ناد في لندن وأنهى دراسته وقفل عائداً إلى البرازيل حاملا معه كرتي قدم ومنفاخ . عندما نزل من السفينة استقبله والده وسأله: "ما الذي حصلت عليه هناك يا شارلز ؟"، أجابه: "شهادتي، ابنك تخرج بامتياز بكرة القدم" . في 1895 نجح هذا الشاب في إقامة أول مباراة جمعت برازيليين وإنجليز معاً، وبعد ست سنوات تشكل أول اتحاد برازيلي لكرة القدم أعقبه بسنة واحدة إقامة أول دوري بكرة القدم .
في الفصل الثاني يحاور الكاتب خوزيه ميغيل ويسنيك، أشهر الموسيقيين في البرازيل الذي قال عن الكرة يوماً: "كرة القدم لغة بشعرها ونثرها" .
ويضيف: "نيمار وريث مجموعة من اللاعبين الذين كانوا يعزفون سيمفونيات لحن جميل فوق المستطيل الأخضر، كان أحدهم يقتبس من الآخر نوتاته بحيث يظهر في كل مرحلة لاعب يتلاعب بالكرة، وكأنه يعزف أو يلقي قصيدة شعرية، حتى وصلنا اليوم الى نيمار" .
يصف هذا الموسيقي نيمار بأنه شخص مختلف عمن سبقه بكونه يجمع عدة صفات في آن واحد، مهارة غير عادية في لعب الكرة، كاريزما طبيعية، قدرة غير طبيعية على التلاعب بصورته عند الجمهور وكأنه نجم غنائي، دخوله العجيب إلى قلوب الشباب، اعتراف مشجعي جميع الأندية الأخرى به وكذلك اعتراف أعظم اللاعبين القدامى . لقد اكتسحت صورة نيمار، كما لم يحدث من قبل، جدران المدن البرازيلية وأصبح محط أنظار وتقليد الفتيان في قصة شعره ورفع ياقة قميصه .
يأخذنا الكاتب في الفصل الثالث حيث ولد نيمار، موجي داس كروزس، الواقعة إلى الشرق من ساوباولو المعروفة باكتظاظها وزحمة شوارعها . وفي هذا المكان أيضاً كان والد نيمار يلعب كرة القدم في نادي يونياو بلونيه الأحمر والأبيض وهو أحد أعرق الأندية الذي تخرج فيه كبار اللاعبين . ويتذكر بينتادو، مدرب الفريق حالياً، كيف أن والد نيمار كان يصطحب ابنه معه إلى الملعب فأصبح تعويذة الفريق . ويضيف أن والد نيمار كان مهاجماً سريعاً يملك مهارات في التلاعب بالكرة ولكن ابنه، نيمار جونيور، أفضل بكثير واخف وأسرع وأكثر إبداعاً . عندما أوشك والد نيمار على مغادرة فريق يونياو بسبب تلقيه عرضاً مالياً محسناً، وكان حينها يحلم بشراء منزل لعائلته، دفع تسعة مشجعين المال من جيبهم الخاص لتمويل بقائه فاشترى المنزل ومعه سيارة .
ولد نيمار في 5 فبراير/شباط 1992 الساعة 15:2 صباحاً ولادة طبيعية، وكان وزنه حينها 78 .3 كيلوجرام . في البداية أرادت والدته نادين تسميته ماتيوس ووافق والده على هذا الاسم وظلوا ينادونه به لمدة أسبوع . ولكن عند التسجيل غيّر والده رأيه وأطلق عليه اسمه مع إضافة جونيور، أي الابن، فأصبح نيمار جونيور ولكن داخل جدران المنزل كان معروفاً باسم جونينيو .
كان والده يقسم أمام جميع الفريق أن ابنه سيكون أعظم لاعب في العالم فتنهال عليه الضحكات والسباب .
ويروي لنا الكاتب في نهاية الفصل قصة الحادثة التي كادت تودي بحياة نيمار . كان عمره أربعة اشهر فقط وكان جالساً على المقعد الخلفي للسيارة ووالده يقودها، وإلى جانبه زوجته متوجهين جميعاً لزيارة عائلة الأب . الطريق يلفه الضباب والشارع زلق فجاءت سيارة مسرعة لم يسيطر عليها صاحبها فاصطدمت بسيارة عائلة نيمار، وكانت النتيجة إصابة الأب بخلع الحوض وجروح للأم ووقوف السيارة على حافة منحدر نحو النهر . نظر الأب والأم إلى الخلف فلم يجدا نيمار وتصورا أن قوة الاصطدام قذفته الى الخارج ومات، إلى أن جاء رجال الإسعاف ليكتشفوا وجود نيمار تحت المقعد الخلفي غارقا بالدماء .
تحدثنا والدة نيمار نادين عن تفاصيل مثيرة بخصوص الولع غير الطبيعي لطفلها بكرة القدم . وتقول في الفصل الرابع كيف أنها كانت في السوق يوماً ما وكان عمر نيمار حينها سنتين فقط، فعبر الشارع وحده لالتقاط كرة صغيرة صفراء . كان ينام وهو يحتضن الكرة وجمع في غرفته نحو 54 كرة فلم تعد غرفة نوم، بل مخزن كرات بحيث إن نيمار كان يضطر لحشر نفسه في زاوية السرير .
في بيت جديه كان نيمار يستغل نوم عائلته كلها في غرفة واحدة فيصف الفراش على الأرض، ويصنع ممراً بينها ليتدرب على المراوغة ودحرجة الكرة والدفاع القوي والسقوط، وأخيراً عندما يتعب يقنع أخته رافائيلا التي ولدت عام ،1996 وابنة عمه جينيفر بالوقوف كقائمي مرمى كي يتدرب على الركلات الحرة . ويلتقي الكاتب في هذا الفصل أيضاً روبرتو انتونيو المعروف ب"بتينيو" الذي كان يعمل كشافاً مع فريق سانتوس ويجوب البرازيل والعالم بحثاً عن المواهب، وهو الشخص الذي اكتشف روبينيو، وفي عام 1998 كان يشاهد مباراة للصغار فصعق لرؤية نيمار وهو يلعب لأول فريق له ساو فيسنت، فسارع للطلب من والده ضمه لفريقه . يقول عن نيمار: "ولد بعمر ست سنوات فقط، ويعرف كيف يبني أسلوبه الخاص، هذا أمر نادر فعلاً . كان يحب المراوغة ويجد الحل من لا شيء ولا يهاب الخصم، ولو وضعته بين 200 طفل لعرف كيف يخرج من بينهم" .
برايا غراند هو اسم المجمع الرياضي المتكامل الذي بنته مؤسسة نيمار لاحقاً في مدينة غارديم غلوريا والتي انتقل إليها نيمار مع عائلته بسن السابعة وبقي فيها حتى الرابعة عشرة . يتحدث الكاتب عن هذا المجمع في الفصل الخامس ثم يلتقي في الفصل السادس أحد رجال الدين المقربين من النجم الذي قال: "نيمار طيب القلب ومتواضع ويحرص على تحية الجميع حتى بعد أن بات مشهوراً . أراد نيمار أن يرد الدين إلى الفقراء في هذه المدينة التي لا ينسى أبداً كيف كان يلعب كرة القدم في شوارعها" .
يسع المجمع في مرحلته الأولى 300 طفل فقير ليضم في المرحلة الثانية 10 آلاف . ويتذكر نيمار كيف أن عائلته كانت تعاني مشكلات مادية صعبة، وكيف عاش وسط الفقر رغم محاولة والديه تلبية مطالبه كي يستمر بلعب الكرة . عمل والده مساعد بناء ثم ميكانيكي سيارات وانتهى به الأمر رئيس قسم تصليح دراجات الشرطة . لم يكن راتبه يكفي العائلة فعمل أيضاً في بيع المياه وفي نهاية الأسبوع يحمل البضائع بسيارته القديمة .
في عام 2009 تفرغ لإدارة أعمال ابنه نيمار، أما الأخير فكان في صغره يقسم الوقت بين المدرسة والكرة . كان يتدرب في المنزل على كل شيء، الجدران والأبواب والأثاث ويضع الكرة بين ساقي الكرسي فيصرخ هدف، ويقلب الأريكة فيصرخ ضربة جزاء، ويتخيل نصف النهائي والنهائي . عندما يلعب في الشارع كان الفريقان يتفقان على أن نيمار يسجل 3 أهداف مع فريق ثم ينتقل إلى الفريق الآخر كي تتحقق العدالة ولا يظل في فريق واحد فتكون فضيحة للفريق الآخر . في أحد الأيام لعب مع أصدقائه في حديقة منزله الخلفية الجميلة التي يفتخر بها والده كثيراً وظلوا يلعبون حتى قضوا على العشب تماماً . ظل نيمار يدعي أنه نائم طوال أسبوعين كي لا يراه والده ويؤنبه .
ينقلنا الكاتب في الفصل ال7 إلى المدرسة التي كان يدرس فيها نيمار وهو صغير وتستقبله لافتة تفتخر من خلالها مدرسة ليسو ساو باولو الخاصة بأن نيمار كان أحد طلبتها . ماذا يقول مدرسوه عنه؟ "طالب متوسط الذكاء، يحب التاريخ والتربية البدنية ويعاني الرياضيات التي لا يطيقها، لم يكن كسولاً أو فوضوياً، بل يدرس بجد، مؤدب ويحترم مدرسيه واجتماعي مع زملائه في الصف والمدرسة، ولم يفوت أي درس ولم يسبب أي مشكلة . كان يلتف على قرار منع لعب الكرة أثناء الاستراحة ويجمع الأولاد بطريقة ما ويلعبون . يذهب إلى المدير ويتوسل إليه كي يعطيه الكرة ليلعب بها قليلاً . عندما يدخل إلى قاعة الرياضة ينزل شبكة كرة الطائرة ويحول القاعة إلى ساحة كرة قدم، وعندما تصرخ عليه الفتيات اللواتي يردن لعب كرة الطائرة يدعي هو وزملاؤه أنهم لا يسمعون ما يقلن . لمع اسم نيمار واشتهر أثناء لعبه لفريق المدرسة الذي اكتسح جميع الفرق الأخرى، حتى أن البعض اتهم المدرسة بأنها استقطبت نيمار فقط للعب الكرة وليس للدراسة، فاخرج لهم المدير وثائق وسجل نيمار الدراسي . كان الجميع يتمنى أن يكون نيمار في فريقه . في 2013 انتقل نيمار إلى فريق الشباب في نادي سانتوس، كما انتقل للدراسة في معهد "لوب بيكاسو" القريب من ملعب النادي .
كان لا بد للكاتب أن يلتقي بصديق طفولة وزميل لنيمار، وهذا ما وجده في لاعب أتلتيكو مدريد بابتيستاو الذي تحدث في الفصل ال8 عن ذكرياته مع نيمار داخل الملعب وخارجه . في أغسطس/آب 2013 نشر نيمار على موقعه في الانستغرام رسالة جاء فيها "لم نكن نتخيل أن أحلامنا ستتحقق، أتمنى لك الأفضل في حياتك، أنا معك ليو بابتيستاو"، وأرفق معها صورة له تجمعه به . علاقة بابتيستاو بنيمار كانت وثيقة للغاية، صديقين مقربين ولاعبين كبيرين التقيا في عدة منافسات كخصمين وأحياناً كلاعبين في الفريق نفسه . لعبا سوية في فريق الصالات وهما بعمر 12 عاماً، ويقول بابتيستاو إنهما كانا متفاهمين لدرجة أن أحدهما يمرر الكرة إلى الآخر من دون أن يراه، لأنه يعرف أنه موجود في هذا المكان بالتحديد . كما يعترف بأن نيمار بزغ نجمه وهو صغير فكان الأفضل في أي فريق بحيث إن تكتيك المدرب يتمثل دوماً في محاولة تمرير الكرة الى نيمار بأي وسيلة وترك الباقي عليه . ويشهد صديق طفولته أن نيمار كان على الدوام متواضعا رغم معرفته بقيمته للفريق ولم يقل على الإطلاق انه أفضل من غيره، كل ما يريده هو لعب الكرة والتمرن وإذا انتقده شخص على سلوك ما يعتذر للجميع .
من منا لا يعرف سانتوس، بفضل نيمار بات اسم نادي سانتوس على كل لسان، وبالتالي أصبحت مدينة سانتوس واحدة من أشهر المدن بالبرازيل . هذا ما يشير إليه الكاتب في الفصل التاسع الذي يصف المدينة بأنها عبارة عن ميناء، مقاهي القهوة، شواطئ وكرة قدم، كما أنها خير من يعبر عن التناقض في البرازيل بين الأغنياء والفقراء . أينما وليت وجهك ترى الرمال البيضاء الناعمة على طول شواطئها الممتدة على 7 كيلومترات التي تتحول نهاية كل أسبوع إلى ملعب كرة قدم شاطئية .
أما نادي سانتوس فعراقته تمتد إلى مئة عام وتخرج فيه لاعبون كبار على رأسهم بيليه . كان كلما يلعب فريق النادي في ساوباولو يصيح عليه مشجعو الفريق المنافس "السمك النتن" حتى ضاق اللاعبون ذرعاً وأعلنوا أنهم فخورون بكونهم بائعي سمك فبات لقب نادي سانتوس "السمكة"، وأصبح القرش القاتل تعويذته . لم يحصل النادي سوى على بطولة واحدة حتى انضم إليه بيليه عام 1956 فبدأت مواسم حصد الجوائز والبطولات وبرز نجم النادي في سماء عالم كرة القدم .
يهتم الكاتب في الفصل ال10 على نحو خاص باسمين فقط هما زيتو وليما كونهما الأيقونتين الكبيرتين لنادي سانتوس . يقال إن زيتو كان الشخص الوحيد الذي يتجرأ على الصراخ على بيليه، أما ليما فيلقب بالجوكر لقدرته الهائلة على اللعب في أي مكان . أثر الاثنان بحياة نيمار، الأول قدمه إلى نادي سانتوس والثاني دربه . يبلغ (زيتو) حاليا 81 عاماً، ويتذكر انه رأى نيمار للمرة الأولى عام ،2003 وانبهر للغاية بمهاراته التي لا تزال نفسها اليوم وتوجه على الفور الى مدير النادي وطلب منه التعاقد مباشرة مع هذا الصبي وربطه بالنادي لمدة طويلة . وهكذا وقع نيمار أول عقد رسمي في حياته في 10 مايو/أيار 2004 مع نادي سانتوس لمدة خمس سنوات وبراتب 450 ريالاً برازيلياً (نحو 243 دولاراً) شهرياً . بدأ نيمار اللعب مع فريق الصالات، لأن النادي لم يكن لديه فريق تحت 13 عاماً، وعندما شاهده (ليما) وهو يلعب قرر فوراً ضمه الى الفريق الذي يدربه من اللاعبين بعمر 15 عاماً، رغم أن عمره آنذاك كان 12 عاماً فقط .
عندما طلب منه المدرب التلاعب بالكرة ودحرجتها وتخطي اللاعبين ثم تمريرها إلى مهاجم بكى نيمار، وقال له: "كلا، أنت تريد أن تبعدني ولا تدعني أسجل"، ولكنه طمأنه بأنه يريد حمايته من اللاعبين الطوال والمشاغبين . كان كلما يريد المدرب إنهاء التمرين ويتوجه اللاعبون الى غرفة الملابس يتوسل إليه نيمار كي يبقى قليلاً: "أرجوك فقط خمس تسديدات . . أرجوك فقط هذه الضربة الحرة" . كان يكره ركل الكرة بالقدم اليسرى فأصر ليما أن يتعلم ذلك وكره نيمار ذلك، ولكن عندما سجل هدفاً باليسرى في إحدى المرات أرسل إليه المدرب رسالة نصية قائلاً: "ليس سيئاً للاعب كان يكره الركل باليسرى"، ليصبح بعدها نيمار أفضل من يسدد بالقدم اليسرى .