عادي

مشروع الشارقة الثقافي جوهره سلطان

انطلق في سبعينات القرن الماضي
01:18 صباحا
قراءة 6 دقيقة
الشارقة: يوسف أبولوز

تعود بنية مشروع الشارقة الثقافي إلى السبعينات من القرن العشرين، على مستوى التأسيس والتأطير الإداري أو المؤسسي، ثم التطبيق والتنفيذ، فالتجديد والتطوير ضمن فترات زمنية ليست متباعدة، ففي بعض مراحل هذا المشروع التنويري بالدرجة الأولى يلاحظ المهتمّون بالعمل الثقافي في الإمارات، ومنصّته الأولى الشارقة أن التطوير بشكل خاص في هيكلية هذا المشروع كان يجري من عام إلى آخر بخاصة في السنوات العشر الأخيرة، وقبل ذلك، وبحكم مرحلة التأسيس الأولية كان التطوير في الرؤى والإدارة والتنظيم يجري من أعوام إلى أعوام.. كل خمسة أعوام أو ثلاثة مثلاً، كنّا نلاحظ أن هيكلية هذا المشروع قد تغيّرت إلى الأفضل، وإلى الأكثر تنوّعاً، والأكثر تجديداً إلى أن وصل مشروع الشارقة الثقافي إلى عمقين مرئيين تماماً: العمق العربي، والعمق العالمي، وبالطبع انطلاقاً من محلّية هذا المشروع الإماراتية، فهو مشروع ثقافي بأبعاد أو أعماق ثلاثة: إماراتي، عربي، عالمي.

من المهم هنا قبل التوسع في قراءة خريطة مشروع الشارقة الثقافي أن نشير إلى جذور هذا المشروع الذي بُني على ذاكرة ثقافية شارقية تعود إلى الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن العشرين؛ بل وقبل ذلك إذا عدنا مثلاً إلى بعض المدوّنات التاريخية التي تحفظ جانباً من سيرة التعليم غير النظامي، وتعليم «المطاوعة»، ثم التعليم النظامي في بداياته، ودور إعلام ورجالات الشارقة الأوائل في بناء منظومة تعليمية ثقافية مبكرة في الإمارة.

لا ننسى أيضاً الجذر الثقافي المهم في الشارقة والمتمثل في جماعة الحيرة الأدبية الشعرية، وبعض رجالات هذه الجماعة هم تجّار دعموا مبكراً التعليم والثقافة، وكتبوا الشعر، وكانت لهم علاقات ثقافية وشخصية مع أعلام الأدب في الخليج العربي، والعراق، بل، كانت للبعض منهم علاقات ثقافية مع أعلام الأدب في لبنان، ومصر، وسوريا.. وهذه نقطة مهمّة لناحية أن تلك الكوكبة المخلصة لبلادها من روّاد التعليم والثقافة في الشارقة هي فعلاً جذر من جذور مشروع الشارقة الثقافي.. هذه نقطة أشرنا إليها باختصار فقد نشرت الكثير من الكتابات التاريخية والتراثية والثقافية حول تلك الفترة الريادية سواءً في بحوث متخصصة أو في أعداد خاصّة لملاحق ثقافية اهتمت بالتدوين التاريخي لتلك المرحلة «الجذورية» أو الجذرية، والتي نعود إليها من وقت إلى آخر من باب الحنين بل ومن باب العرفان لأولئك الرواد، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر: سالم بن علي العويس، وخلفان بن مصبح، وسلطان بن علي العويس، مبارك بن سيف الناخي، محمد بن علي المحمود، إبراهيم بن محمد المدفع، عبدالله النومان، وعبدالله المطوّع، وغيرهم من الأعلام والرواد في التعليم أو في الثقافة.

سلطان بوصلة

هذه جزئية مكثّفة ممّا سميته «جذورية» مشروع الشارقة الثقافي ذي الأبعاد الثلاثة: المحلية، والعربية، والعالمية، ولكن.. من وراء كل هذا العمل؟ ومن ضمير كل هذا التاريخ؟ ومن مُحرّك كل هذه الطاقة المعرفية الفكرية الثقافية؟ ومن حارس كل هذا التراث الثقافي؟.. إنه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وبالمناسبة، أعتز بعنوان صحفي كان قبل سنوات على صدر الملحق الثقافي لجريدة الخليج وهو «صاحب السموّ الثقافي» استلهمته من ضميرية صاحب السمو حاكم الشارقة.. مؤسّس التنمية الثقافية في الشارقة بعنوان مُتداوَل اليوم عالمياً وهو «مشروع الشارقة الثقافي».

صاحب السمو حاكم الشارقة شريك فاعل ومنتظم في هذا المشروع، ففضلاً عن قيادة هذا المشروع وتوجيه بوصلته إلى المستقبل والتنوير وثقافة الحياة والجمال والتعايش والمحبة.. سموّه أيضاً كاتباً مسرحياً، ومؤرّخاً، وروائياً، وباحثاً في تراث وتاريخ اللغة العربية، وكاتب سيرة الشارقة ومشروعها الثقافي، وسموّه أيضاً مقتنياً لأرفع الأعمال الفنية وأكثرها عراقة وتاريخية، وسموّه أيضاً مقتنياً للكثير من الخرائط والوثائق النّادرة، وسموّه مصححاً للكثير من الكتابات التي تتصل بتاريخ المنطقة، ويكتب الشعر، ومتذوّق لجمالياته وبلاغته ولغته.

لم يقف صاحب السمو حاكم الشارقة منذ أن تولّى الحكم في الشارقة على ضفاف مشروعه الثقافي، بل، أعطى تيّار هذا المشروع حيوية جريانية متجددة من مرحلة إلى أخرى، ومن عام إلى آخر، بل، قبل أن يتولى سموّه الحكم وهو ما زال طالباً في الإعدادية وقف على خشبة المسرح.. شغفه، وانتظامه الكتابي المتخصص، سموّه كاتب مسرح تاريخي أو مسرح التاريخ استناداً إلى المخطوط والوثيقة والبرهان. يلتقط تفصيلة تاريخية موثّقة، فيدوّرها مسرحياً بحيث يجري إسقاطها على تفصيلة أخرى في الحاضر سعياً إلى استشراف المستقبل، والنأي به عن دراميات الماضي.

التاريخ حاضر

في الرواية، أيضاً، يشتغل صاحب السمو حاكم الشارقة على التاريخ، وحتى مقتنياته الفنية الكبرى هي مستوحاة من التاريخ، وفي تصحيحه لأي مغالطات سواءً أكانت بنوايا مسبقة أو غير ذلك، أيضاً، يذهب إلى التاريخ.

إن المهم هنا، هو شراكة صاحب السمو حاكم الشارقة في مشروع ثقافي تعدّدي، تعايشي، إنساني كوني خصص له ميزانية كبرى بكل طيبة قلب، وبكل كرم ونبل ومحبّة.

شراكة سموّه في مشروع الشارقة الثقافي، هي ضمانة لاستمرارية هذا المشروع منذ السبعينات وحتى اليوم، ثم، وهذا أمر مهم أن سموّه قريب الروح والقلب من الوسط الثقافي الذي عوّل عليه منذ البداية، قريب من المسرحيين، والتشكيليين، والشعراء، والناشرين.

لم يتوقف دعم صاحب السمو حاكم الشارقة للمشروع الثقافي عند هذه الحدود، بل إن سموّه يسافر في كل مرة يجري فيها اختيار الشارقة ضيف شرف في معارض الكتب الدولية إلى عواصم هذه المعارض حاضراً دائماً في جناح الشارقة المكرّم في تلك المعارض، وقد أمضى سموّه الساعات الطوال بين أجنحة الكتب، وفوق ذلك، يسافر سموّه إلى مكتبات بعينها في العالم، أو إلى مؤسسات ومراكز أكاديمية أو جامعية في الشرق والغرب ليحصل على خريطة نادرة أو على وثيقة صادقة أو ليحصل على مرجع تاريخي أو جغرافي يدعم من خلاله مادته البحثية التاريخية.

وقت، وجهد، ومال، وتعب تذهب كل مُحصّلاته المعرفية إلى مشروع الشارقة الثقافي.. وسموّه بهذا العمل وبهذه المثابرة والصبر والاكتشاف يستحق نبالة معنى الضمير والحارس والأمين بشخصيته، ودوره، ومبادراته التكريمية، التقديرية، التي واكبت عمل سموه الثقافي منذ أكثر من ثلاثة عقود وإلى اليوم.

الأعماق الثلاثة

الآن، نضيء على الأبعاد أو لمشروع الشارقة الثقافي الذي يشكل جزءاً مهماً من تاريخ صاحب السمو، وتاريخ الشارقة.

المشروع محلياً: حقق مشروع الشارقة الثقافي هوية فنية إبداعية أدبية إماراتية بامتياز، فالمشروع هو بحق منصة للثقافة الإماراتية الوطنية، وفي الوقت نفسه هو مظلّة واقية لهذه الثقافة من التغريب والشطط والمبالغات.. وأقصد بِ «المبالغات» ذلك الجنوح الحادّ إلى ما يمكن أن يسمّى ثقافة التجريب أو التجريد، فتشعر بعض الثقافات أنها مغلقة.

مشروع الشارقة الثقافي حمى الثقافة الإماراتية ممّا يمكن أن يُسمى توحش العولمة الثقافي، وتوحش المركزيات الثقافية في العالم، مع أن بعض هذه المركزيات بات اليوم مجرّد هوامش. الهامش صار مركزاً، والمركز صار هامشاً.

وازن مشروع الشارقة الثقافي بين الأصالة والتراث والثقافة الشعبية والتراث الشعبي، وبين الحداثة والمعاصرة بمعايير وسطية، جعلت من الثقافة الإماراتية ثقافة عالمية إنسانية انطلاقاً من محليتها الأصيلة.

مشروع الشارقة الثقافي أيضاً، هو مشروع كل كاتب إماراتي وكل فنان، وكل مسرحي، وكل مشتغل في صناعة الكتاب و«صناعة» الثقافة عموماً سواء من الإماراتيين، أو من الكتّاب والفنانين والمسرحيين المقيمين في الدولة.

البعض منهم جاء من بلده ومعه إرثه الإبداعي إن كان شاعراً أو مسرحياً أو تشكيلياً، والبعض من الكتاب العرب المقيمين في الإمارات وُلِدَ إرثه الإبداعي هنا في الإمارات، وبعضهم معروف في الإمارات، وبناء على ذلك أو بعد ذلك، عرف في بلده الأصلي، وبالطبع، فإن هؤلاء الكتّاب العرب الذين ولدت مشاريعهم الكتابية هنا في الإمارات كانوا قد تعلّقوا أساساً بمشروع الشارقة الثقافي الذي رحّب بهم في الإمارات، وأطلق حيوياتهم الكتابية والفنية والإبداعية.

المشروع عربياً: جذب مشروع الشارقة الثقافي عبر أكثر من ثلاثة عقود مئات الكتاب العرب سواءً عن طريق استضافتهم هنا في الإمارات، وقراءاتهم أو نشاطاتهم الأدبية في الشارقة، أو عن طريق تكريم الكثير من هؤلاء الكتاب العرب بجوائز أدبية تنظمها دائرة الثقافة في الشارقة.

العمق العربي

وفي تفصيلة العمق العربي يُشار هنا إلى برنامجين مهمّين على أجندات مشروع الشارقة الثقافي وتواظب عليهما الدائرة بكل مهنية، فالشارقة تنظم مهرجان المسرح العربي كل عام في عاصمة عربية، والشارقة أوجدت فعاليات مسرحية في العديد من البلدان العربية بتدبير ناجح من الهيئة العربية للمسرح ومقرّها الشارقة، والشارقة أيضاً أطلقت مشروع بيوت الشعر العربية في المفرق الأردنية، والأقصر المصرية، والخرطوم، ونواكشوط، وتونس، والمغرب.

المشروع عالمياً

مثلما استقطبت الشارقة كتاباً عرباً، استقطبت أيضاً كتاباً، وفناّنين «وبخاصة في بينالي الشارقة» من العالم.

الشارقة اسم علم ثقافي في الكثير من عواصم العالم، ويشار هنا إلى أن مسرح صاحب السمو حاكم الشارقة قد عُرض على خشبات مرموقة وتاريخية في روسيا، وألمانيا، ورومانيا، وفرنسا، وغيرها من بلدان عرفت الثقافة المسرحية عن قرب وعلى مسارحها من خلال مسرح صاحب السمو الشيخ سلطان التاريخي، الإنساني التنويري.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"