أبوظبي: رشا جمال

«إن المنطق الحكيم والحس الدبلوماسي الذي كان يتمتع بهما المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ساعداه على أن يتبوأ مكانة فريدة بين قادة العالم التاريخيين، فيما استطاع بفضل قدراته وسماته القيادية أن ينقل هذه المكانة من شخصه إلى الدولة».. كلمات تلخص ما يزيد على 400 صفحة من كتاب «زايد والتميز» الصادر عن الأرشيف الوطني، والذي رصد خلاله مؤلفه خبير التميز المؤسسي، الدكتور عماد الدين حسين، بعضاً من محطات تميز الوالد المؤسس في مجالات شتى، ولاسيما رحلته الفريدة لبناء السياسة الخارجية للدولة، وتجربته العريضة في القيادة ومعرفته المعمقة بالواقع المحلي والمتغيرات الدولية، بجانب التزامه بالقيم الإنسانية الرفيعة وسخائه المعهود، والذي مثّل نقطة تحول جعلت من دولة الإمارات مركز مشورة واستشارة إقليمي وعالمي، ومحطة ذات ثقل وسمعة دولية في حل النزاعات الإقليمية بين الدول والقادة.
واستشهد مؤلف الكتاب خلال إلقائه الضوء على «رحلة زايد الدبلوماسية» بالعديد من آراء المسؤولين والمتخصصين في الشأن السياسي والدبلوماسي، حول ما صنعته سياسة الوالد المؤسس الخارجية للعالم، وتأثير هذه السياسات على سمعة ومكانة دولة الإمارات، إذ يقول الدكتور حامد ربيع أستاذ النظرية السياسية بجامعة القاهرة: «عكست السياسة الخارجية التي انتهجها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لبلاده وعياً دقيقاً لإدراك القيادة السياسية في الإمارات لدور الدولة وأهميتها في المنطقة، إذ مثلت طوال العقود الأربعة الأخيرة دبلوماسية الباب المفتوح من جميع القوى الإقليمية واستطاعت أن تقوم بمهارة بدور الوسيط المقبول من جميع الأطراف في كل نزاعات المنطقة».
ويضيف: «انضمت دولة الإمارات إلى جامعة الدول العربية عام 1971 وإلى الأمم المتحدة في ديسمبر من نفس العام، وكان ترتيبها الدولة رقم 132 في المنظمة، وبمرور ما يقل على ربع القرن على تأسيسها أصبح لديها علاقات دبلوماسية مع أغلبية دول العالم من أدناه إلى أقصاه».
ويزيد: «التجارب والتحديات التي مر بها الشيخ زايد طوّرت قدرته على تحقيق هذه السمعة والمكانة الدولية من خلال سياسته الهادئة والواثقة والمتوازنة، وكانت خبراته الطويلة في التعامل مع رؤساء الدول الأوروبيين والآسيويين أو الإفريقيين أو العرب، وتجربته العريضة في القيادة ومعرفته المعمقة بالواقع المحلي والمتغيرات الدولية والتزامه القيم الإنسانية الرفيعة وسخائه المعهود، مدخلاً ونقطة تحول جعلت من دولة الإمارات مركز مشورة واستشارة إقليمي وعالمي، ومحطة ذات ثقل وسمعة دولية في حل النزاعات الإقليمية بين الدول والقادة، بالإضافة إلى أن منطقه الحكيم وحسه الدبلوماسي ساعداه لكي يتبوأ هذه المكانة الفريدة، وكي تنتقل هذه المكانة من شخصه إلى الدولة».

صوت للحوار وضبط النفس

وفي جانب آخر من كتاب «زايد والتميز» يعود السفير إدوارد ووكر سفير الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق لدى الدولة بذاكرته إلى أول لقاء جمعه بالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، خلال حفل تقديم أوراق اعتماده سفيراً لدى الدولة عام 1990، قائلاً: «لقد كان دائماً صوتاً للحوار وضبط النفس، في حين كان الآخرون يسارعون للجوء إلى القوة والعنف في حل الخلافات، ومن ثم كنت أتشوق للقائه لاسيما في ظل الدور المهم الذي كان يقوم به للمساعدة على حل الصراعات الإقليمية والذي كان مقدراً جداً في واشنطن».
ولفت ووكر إلى دور الشيخ زايد الرئيسي في دعم القضية الفلسطينية وقضايا الحرب الأهلية في الصومال وأزمة لبنان ومأساة البوسنة والهرسك، بالإضافة إلى قيامه أيضاً بدور الوسيط الحكيم والمحايد في الخلافات بين القادة العرب بعضهم البعض.

نهضة ووحدة الأمة

ويستذكر مؤلف الكتاب، الدكتور عماد الدين حسين، وصف الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان للوالد المؤسس في بيان رسمي، بأنه كان من الزعماء البارزين في العالم، وقوله بأنه كرّس حياته وجهده الدؤوب منذ توليه مقاليد الحكم من أجل بناء دولته ونهضة ووحدة الأمة العربية.
كما تحدث عنان عن حكمة الشيخ زايد وإيمانه العميق بالدبلوماسية سبيلاً لحل الأزمات، وكذلك كرمه في تقديم المساعدات للدول النامية، والذي مكّنه من أن يحظى بشعبية جارفة في بلاده ودول العالمين العربي والإسلامي وأغلبية دول العالم، مؤكداً أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كان صديقاً باراً للأمم المتحدة، وسعى دوماً نحو تعزيز أوجه العلاقات بين بلاده والمنظمة الدولية.
وركز الكاتب على جهود الوالد المؤسس وسعيه الدؤوب لمساعدة الغير، قائلاً: «تحرك الشيخ زايد من منطلق قناعاته بأن متطلبات التنمية في دولة الإمارات يجب ألا تعوق ما كان يعده واجباً نحو الدول الشقيقة والصديقة، فقد كان دائم القول: «إن أمامنا التزاماتنا تجاه أشقائنا، ونطلب من الله أن يوفقنا للتوازن بين حاجة الدولة وحاجة الشقيق والصديق»، مشيراً إلى أن منطقه في هذا الأمر قائم على أن دولة الإمارات لن تعزل نفسها عن بقية دولة العالم، لاسيما أنه كان يصادق في شرف ويتعاون في كرامة.

يناصر مبادئ العدل والمساواة

وأضاف الكاتب: «كان المغفور له بإذن الله يساعد دون زهو أو مفاخرة ويناصر مبادئ العدل والمساواة، ولذلك أصبح من أبرز رواد العمل التطوعي في العالم في تقديم المساعدات الإنسانية بعيداً عن دائرة الضوء الإعلامي، بل كان كل ما يعنيه بالدرجة الأولى السرعة في إمداد الأماكن التي تحتاج فعلياً إلى مساعدة».
وأشار إلى أن كلمة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في الحفل الذي أقيم بمناسبة افتتاح سد مأرب اليمن (الذي أيد بناءه على نفقته الخاصة في ديسمبر/‏‏ كانون الأول عام 1986) كشفت عن توجهه في هذا المجال، حين قال: إن كل ما تم كان بفضل الله وإرادته، فهو الذي وجهني إلى هذه المبادرة، ويسعدني أن يكون لي دور في إسعاد الشعب اليمني الذي خرج من حرب طاحنة، ومن الواجب عليّ أن أساعد أهل اليمن، فكل شيء في هذا البلد أو بلدان أخرى يعد دعماً لنا فهو قوة وطاقة إضافية وزائدة لإخواننا وأمتنا العربية.
وأوضح أن من هذا المنطلق أمر المغفور له بإنشاء هيئة الهلال الأحمر الإماراتي عام 1983 ورصد لها ميزانيات لتضطلع بالمهام الرئيسية كافة في مجال تقديم المساعدات للمناطق المنكوبة في العالم بسبب الحروب مثل لبنان والصومال ومناطق شرق أوروبا، وتطور العمل فيها حتى انضمت إلى الاتحاد الدولي لجمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر عام 1986.

تحديد أهداف وأولويات

وتحدث عن تصور الوالد المؤسس لبناء العلاقات الخارجية للدولة، قائلاً: «استلزم بناء تصور لعلاقات الإمارات الخارجية تحديد أهداف وأولويات ودوائر مرتبة في الأهمية والوسائل ومواءمة المأمول مع العقبات التي قد تكون خلافات سياسية أو منافسات إقليمية أو غيرها من المعوقات، وفي نهاية الشوط كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يطمح كما أدت الثمار المتحققة بالفعل إلى ما يتجاوز بكثير أن تكون دولة الإمارات على خريطة العالم، بل أن تضطلع بدور إقليمي وعالمي مؤثر تستثمر فيها ثرواتها كافة النفطية والبشرية والثقافية، إضافة إلى استثمار موقعها الجغرافي، فحسب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان فإن الأهمية الكبرى لموقع الإمارات من الناحية الاستراتيجية والاقتصادية تضفي أهمية خاصة على السياسة الخارجية التي تنتهجها وتتعامل بها مع سائر الدول والشعوب الأخرى القريب منها والبعيد».

الاستعداد العسكري والحماية الدولية

وتابع: «ثمة ركيزتان للأمن القومي لأية دولة، هما الاستعداد العسكري والحماية التي يوفرها المجتمع الدولي، ومن هنا تأتي الأهمية الكبيرة للعلاقات الدولية بين الدول في تعزيز الأمن القومي الذي هو قمة هرم أهداف أي دولة من مجمل أدائها في المجالات كافة، ويمكن إجمال أهم سمات رؤية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وآثارها عملياً في العلاقات الدولية للإمارات في الجهود الخيرة والمستمرة لمصلحة الوطن والأمة، وتعزيز الصداقة بين الدول».