إعداد: سيد زكي

إنه صانع التاريخ الذي أبهرت إنجازاته العالم خلال نصف القرن الماضي، رمز العطاء الذي تحولت على يده الصحراء إلى جنات خضراء، حمل تواضع العلماء وهيبة الحكماء وذكاء ابن البادية وكرم العربي.. إنه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، «طيب الله ثراه».
هو الحاكم الذي وعد فلم يخلف العهد، حكيم العرب وباني الإنسان والدولة وصاحب الأيادي البيضاء، وأحد صناع التاريخ الذي تحدث القاصي والداني بإنجازاته وأفعاله، وكرمه.

زايد ممثلاً للحاكم في المنطقة الشرقية

عُين الشيخ زايد عام 1946 ممثلاً لشقيقه الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، حاكم إمارة أبوظبي في المنطقة الشرقية، وامتدت ولايته عشرين عاماً. واشتهر بشخصيته القيادية بين سكان المنطقة، وحظي بسمعة طيبة، وكان نموذجاً يُحتذى في إدارة الحكم. وتمثَّلت مبادئ القيادة لديه في بناء الروابط القوية بينه وبين أفراد شعبه، والمحافظة على تلك الروابط. وكان يحرص على الإشراف بنفسه على تنفيذ الإصلاحات، وكان مجلسه مفتوحاً للجميع.
كان الشيخ زايد يتخذ قراراته بموافقة القبائل المختلفة وإجماعها، ويسافر إلى جميع المناطق القريبة والنائية؛ للاطمئنان على الناس، وتفقد أحوالهم، والسؤال عن حاجاتهم، ومشاورتهم، والاستماع إليهم قبل اتخاذ أي قرار، حتى ذاع صيته، وحظي بحب الشعب واحترامه، وكأنه فرد منه.
سجّل ولفرد ثيسيجر، الرحالة البريطاني الشهير الذي قطع صحراء الربع الخالي ووثّق رحلته الشهيرة تلك في كتابه «الرمال العربية» - بعض الانطباعات في كتابه عن لقائه الشيخ زايد فقال «لقد كنت متشوقاً للقاء زايد؛ فله شهرة واسعة في أوساط البدو الذين أحبوه لسلاسة أسلوبه غير الرسمي في معاملته لهم، ولعلاقاته الودية معهم، واحترموا فيه نفاذ شخصيته وذكاءه وقوته البدنية، وكانوا يعبرون عن إعجابهم به فيقولون: زايد بدوي مثلنا؛ فهو يعرف الكثير عن الهجن، ويركبها مثلنا، وهو ماهر في الرماية، ويجيد القتال».
أما النقيب البريطاني السابق في قوة ساحل عمان أنطوني شيبرد، فنشر كتاباً أسماه «مغامرة في الجزيرة العربية» سجل فيه انطباعاته بعد لقاء الشيخ زايد، فقال: «كان زايد رجلاً يحظى بإعجاب البدو الذين يعيشون في الصحراء المحيطة بواحة البريمي، وكان بلا شك أقوى شخصية في الإمارات المتصالحة».
وكتب الممثل السياسي البريطاني في أبوظبي، العقيد هيو بوستيد بعد زيارة له إلى العين: «تدهشني الجموع التي تحتشد دوماً حوله في البريمي، وتحيطه باحترام واهتمام»، كان لطيف الكلام دائماً مع الجميع».
زار الباحث البريطاني كلارنس مان المنطقة الشرقية، وحضر مجالس الشيخ زايد، وألفّ كتاباً عن إمارة أبوظبي بعنوان «أبوظبي: ولادة مشيخة نفطية»، تنبأ فيه عام ١٩٦٤ بأن يكون الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان هو الحاكم القادم للإمارة».

زايد حاكماً لإمارة أبوظبي

مع اكتشاف النفط في إمارة أبوظبي في أواخر خمسينات القرن الماضي بدأ عصر جديد من التطور في منطقة الخليج العربي قلَبَ المشهد الاقتصادي برمته، وعندما صَدَّرت أبوظبي أول شحنة نفط عام 1962 باتت الأمور جليّة والتحديات واضحة للمرحلة الجديدة من تاريخ أبوظبي على جميع الصُّعُد: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.
بدأ الشيخ زايد بتحقيق إصلاحات واسعة في البلاد، فشرع يطور التعليم والصحة، ويخطط لتطوير المدن وقضايا الإسكان لأفراد الشعب، ووضع برنامجاً ضخماً لعملية الإنماء، وبدأ يدفع أبناء شعبه إلى المشاركة بكل طاقاتهم في هذه العملية، ودعا الكفاءات الأجنبية لدعم هذه المسيرة بالخبرات. ولم تمضِ أيام على تسلمه مقاليد الحكم حتى أعلن إقامة حكومة رسمية حديثة بالإدارات والدوائر، وأوكل اليها المهام اللازمة لتسيير أمور الدولة.
كان من ضمن أولوياته: شقّ الطرقات، وبناء جسر يربط جزيرة أبوظبي باليابسة، وإقامة المدارس والمساكن والخدمات الطبية، وإنشاء ميناء ومطار. وتغير وجه أبوظبي؛ فغدت ورشة عمل في كل اتجاه، وأصبح صوت الآلات في كل حدب وصوب، وانتقل آلاف السكان من سكن «العشيش» إلى المنازل الحديثة، وامتدت الطرق الحديثة فوق رمال الصحراء، ودخلت المياه العذبة والكهرباء إلى كل بيت، وانتقل التعليم من نظام «المطاوعة» إلى النظام الحديث في التعليم.

زايد رئيساً لدولة الإمارات

عندما أعلنت بريطانيا عام 1968 نيتها سحب قواعدها من شرق السويس، أصبح لزاماً على الإمارات أن تخطو خطوة تغير بها وجه التاريخ بالمنطقة، ولاسيما أن منطقة الخليج العربي تُعَدّ لقمة سائغة للطامعين. قام الشيخ زايد مع أخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي آنذاك ببادرة كان لها عظيم الأثر فيما جاء بعدها من أحداث؛ فكانت اتفاقية السميح التي وقّعا عليها في ال 18 من فبراير عام 1968، التي فتحت الباب لخطوات كبيرة تلتها؛ فَجَرتْ مباحثات الاتحاد التساعي بين الإمارات السبع وبين شقيقتيها: البحرين، وقطر، وآلت الأمور في النهاية إلى قيام اتحاد الإمارات باسم «دولة الإمارات العربية المتحدة» بعد أن أعلنت البحرين وقطر استقلالهما.
قام اتحاد دولة الإمارات في الثاني من ديسمبر عام 1971، وانتخب الشيخ زايد بإجماع حكام الإمارات أول رئيس للدولة الفتية لمدة خمس سنوات، وجَدَّد له المجلس الأعلى ثقته فيه بانتخابه عدة مرات، فكان هو الرئيس، وهو الباني، وهو الوالد الحاني على أبناء أمته، وانتخب الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائباً له.
واتفق حكام الإمارات أعضاء المجلس الأعلى على وضع دستور اتحادي مؤقت من أجل حكم فعّال ونظام تُحدّد فيه سلطات المؤسسات الاتحادية في دولة تأخذ بأساليب الإدارة الحديثة، وتسعى في الوقت نفسه إلى المحافظة على الشكل التقليدي الذي يتصف بصفة الديمقراطية المباشرة.

مجلس التعاون الخليجي وطموح أكبر

طالما تمثّلت رؤية الشيخ زايد في توحيد جميع دول الخليج، التي تجمعها عوامل مشتركة؛ كالتاريخ والعادات، والتقاليد والاقتصاد، والتقارب الأسري الذي يجمع بين شعوب المنطقة؛ إذ كانت لديه - رحمه الله - قناعة عميقة بفوائد الاتحاد الجمة للإمارات السبع، وجميع دول الخليج أيضاً.

تطوير القطاع الصناعي والبنى التحتية

أدرك الشيخ زايد أن النفط مصدر محدود وناضب؛ فغدت لديه رؤية واضحة في تطوير القطاع الصناعي بدولة الإمارات، وتركّز اهتمامه في تطوير قطاع التصنيع، الذي شهد نهضة كبيرة في عهده، ولاسيما في سبعينات القرن الماضي.
كان من أهم أولويات الشيخ زايد تطوير البنية التحتية للدولة؛ فأدرك منذ بدايات سني حكمه أهمية إنشاء الطرق الحديثة، ومدّ خطوط الهاتف، وتأسيس إعلام وطني لربط جميع الإمارات السبع.
ومن الناحية الاقتصادية، نجح الشيخ زايد، رحمه الله، في توظيف عوائد النفط في بناء اقتصاد قوي ومتماسك مما وضع دولة الإمارات في مصاف الدول المتطورة اقتصادياً في المنطقة.
وعلى المستوى الخارجي وضع الشيخ زايد، أسس سياسة خارجية متميزة تتسم بالحكمة والاعتدال، والتوازن، ومناصرة الحق والعدالة، وتغليب لغة الحوار والتفاهم في معالجة كافة القضايا. وقد أكسبت هذه السياسة المتوازنة المستمرة، إلى يومنا هذا، دولة الإمارات احتراماً واسعاً على المستويين الإقليمي والدولي. أما على صعيد العمل الإنساني، فقد أكسب الدولة سمعة دولية في العمل الإنساني والخيري من خلال دعمه عدداً من القضايا الإنسانية في جميع أنحاء العالم، وهو النهج الذي لايزال قادة الدولة يسيرون عليه حتى يومنا هذا.
زايد «رجل البيئة الأول».. زايد «بطل الأرض»، ألقاب منحتها جهات دولية معنية بالبيئة للقائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إضافة إلى قائمة طويلة من الأوسمة والجوائز التي عكست حجم التقدير العالمي للراحل الكبير وجهوده في مجال البيئة.
شغلت البيئة اهتمام وفكر المغفور له، منطلقاً من قاعدة تؤمن بضرورة المزاوجة بين التنمية والبناء والحفاظ على البيئة.
وواجه المغفور له مشكلة ندرة المياه، فشق الأفلاج وحفر الآبار ودشن مشاريع تحلية المياه.
كانت أراضي الإمارات صحراء قاحلة، باستثناء بعض الشجيرات الصحراوية مثل الغاف والسمر الموجودة في بعض السيوح، والنخيل الموجودة في الواحات المتناثرة في عمق الصحراء وكان لحرارة الجو وملوحة التربة وانعدام المياه الطبيعية الأثر الأكبر في تلاشي أي فكرة في مجرد زراعة الأرض وتعميرها.
في السبعينات استدعى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مجموعة من الخبراء والمهندسين وأخبرهم عن نيته في زراعة الأرض وإنشاء الغابات والتوسع في زراعة النخيل وعمل الحدائق والمتنزهات وأنه ينوي أن يجعل الإمارات تحقق اكتفاءها الذاتي من بعض المحاصيل الزراعية مثل الخضراوات.
نشرت دولة الإمارات الرقعة الخضراء الجمالية في مختلف أنحاء الدولة عن طريق زراعة الأشجار المثمرة والحمضيات وأشجار النخيل على الشوارع والزهور وأشجار الزينة بين المساكن والعمارات وزراعة مصدات الرياح على الشوارع الرئيسية وخلف الأشجار.
ويكفي أن نستعرض بعضاً من إنجازاته على لسان كاتب سياسي محايد هو مالكوم بيك في دراسة عن الشرق الأوسط، حيث قال في وصفه لشخصية زايد رحمه الله: «سيرة الشيخ زايد، رحمه الله، أطول السير امتداداً في الحكم وأكثرها تميزاً بين القادة العرب المعاصرين، حيث قام بالدور الرئيسي في اتحاد الإمارات، وحقق ذروة تاريخه السياسي في قمة رؤساء الدول العربية 1987 في عمان».

مولده ونشأته

ولد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في قصر الحصن بمدينة أبوظبي عام 1918. والده الشيخ سلطان بن زايد كان حاكماً لإمارة أبوظبي من (1922-1926م). وكان الشيخ زايد الابن الأصغر من بين أربعة أشقاء، وسُمِّي باسم جدِّه زايد بن خليفة المعروف ب «زايد الأول» الذي حكم الإمارة من (1885-1909م).
أظهر شغفاً متزايداً بكل ما يمتّ إلى العربي الأصيل، كالصيد بالصقور، وركوب الهجن العربية الأصيلة والخيل، وإتقان الرماية. وتشكَّلت شخصيته في فجر شبابه عندما كان في مدينة العين، واستمد الكثير من صفائها ورحابتها. واكتسب صفات الزعامة والقيادة السياسية التي اتسمت بها شخصيته الفذة.

رحيله

19 رمضان 1425ه، الموافق 2/11/ 2004 م تاريخ لا يُنسى، فقدت دولة الإمارات فيه قائدها وباني اتحادها بعد مسيرة عطاء طويلة استمرت قرابة أربعة عقود، وحزن عليه الصغير والكبير. وكان الخبر صادماً لكل أبناء الإمارات.
نعت الدول العربية والأجنبية المغفور له -بإذن الله -الشيخ زايد، وحزن لفقده كثير من شعوب العالم، وأصدر رؤساء الحكومات الدولية رسائل رثاء مليئة بعبارات الأسى لشخص يكنّ له كل العالم التقدير والاحترام، واعتبر الكثير رحيله خسارة كبيرة نظراً لإنجازاته التي لا يمكن حصرها.
كان عزاء أهل الإمارات في أبناء زايد الذين تعلّموا وترعرعوا بالقرب من والدهم الذي يعتبر أعظم مدرسة في القيادة والحكم العادل؛ فكان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد خيرَ خَلَفٍ لخير سَلَفٍ، تولّى الحكم بعد والده بموافقة ومباركة من جميع شيوخ الإمارات والشعب كافة.
رحم الله الشيخ زايد فقد أجمع العالم على تفرد قيادته ورؤيته وحكمته وعبقريته الفطرية وإن كان رحل عنا بجسده فنهجه وأفكاره لا تزال تعيش فينا من خلال أبنائه البررة.