كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، متمسكاً بإرث أجداد الإمارات ولديه قدر واسع من الحكمة في إدارة المواقف، فكان شغله الشاغل هو أبناء الإمارات، وتحقيق السعادة والرفاهية لهم، حيث عمل على تأسيس مجتمع متحضر متطور متمسك بأخلاقه وموروثه الحضاري، متطلع إلى المستقبل ومتطلباته، ووهبه الله رؤية استباقية للأحداث، فكان يستشرف المستقبل ومتطلباته، ويطرح الحلول قبل وقوع المشكلات، وتمثلت رؤيته في عطاءات وانجازات نجني ثمارها إلى اليوم، ونجدها في كل شبر من أرض الوطن، فكان قادرا على قراءة المستقبل وهو ما دفعه للاهتمام بتنشئة أجيال قادرة على تحمل المسؤولية ومواصلة مسيرة التنمية والبناء.
هكذا استهل الدكتور أحمد الهاشمي مدير مركز زايد لطب الأعشاب والبحوث في أبوظبي سابقاً، ووكيل وزارة الصحة المساعد ومدير منطقة دبي الطبية سابقاً، حديثه ل«الخليج» عن الشيخ زايد قائلاً: غاب عنا بجسده، لكنه لم يغب عنا بفكره وعطاءاته وإنجازاته. كان له الفضل في تأسيس بنية تحتية قوية للإمارات، متمثلة في مشروعات ضخمة في كل المجالات، لا سيما المجال الصحي، حيث أنشأ كلية الطب بالإمارات، ودعم الأطباء بالبعثات الطبية، وأنشأ المستشفيات والمراكز الصحية في كل الإمارات، وأسس بحوث الطب البديل بناء على دراسات وأبحاث علمية، فضلاً عن وقوفه إلى جانب المرضى الذين يحتاجون إلى علاج خارج الدولة.
قال: أسس الشيخ زايد بنية تحتية قوية، للكيان الصحي، تضم المستشفيات والمراكز الطبية في كل منطقة في الدولة، فلم يقتصر اهتمامه على القطاع الصحي بإمارة أبوظبي فقط، بل امتدت أياديه البيضاء إلى كل الإمارات وكل المناطق والجزر البعيدة، وجهزها بأحدث التقنيات والأجهزة في كل التخصصات، ولم يربط افتتاح المراكز الطبية بعدد السكان، فحتى المناطق التي لا يعيش فيها سوى 20 أسرة أو أقل كان يحرص على توفير وحدة صحية بالقرب منهم، وسيارات اسعاف تنجدهم في حالات الطوارئ، على أن ترتبط هذه السيارات بمستشفى آخر كبير.
مركز لبحوث الأعشاب
واستحضر الدكتور الهاشمي موقفًا جمعه بالمغفور له، في قصر الجرف في أبوظبي، عام 1989، في اجتماع استمر قرابة ثلاث ساعات، لمناقشة تأسيس كيان إماراتي متخصص في دراسات وأبحاث الطب البديل، قائلا: كان المغفور له مثقفاً في المجال الطبي لدرجة أنني كنت أخشى أن يسألني سؤالا ولا أعرف إجابته، وكان يدعو للاهتمام بدراسة الطب الشعبي الذي اعتمد عليه أجداد الإمارات ولكن استنادًا إلى أبحاث ودراسات علمية.
وأوضح أن المغفور له كان قد تلقى عرضًا من وفد أمريكي من أصول عربية، لتأسيس مشروع الطب البديل، بتكلفة تتراوح ما بين 37 إلى 38 مليون دولار، وسألني خلال الاجتماع، ما رأيك؟ فقلت له أرى إنشاء مشروع للطب البديل بتكلفة مبدئية من 5 إلى 8 ملايين درهم، ورد المغفور له بكلمات أتذكرها جيداً ويتردد صداها في أذني إلى اليوم، على الرغم من مرور عشرات السنين حيث قال «نبدأ بالصغير وإن نجح نطوره ليكون كيانا كبيرا»، وعليه جاء إنشاء مركز زايد لطب الأعشاب والبحوث بمنطقة المفرق حيث أنشئ بجوار مستشفى المفرق.
وتابع: من هنا كانت انطلاقة مركز زايد لطب الأعشاب والبحوث، ووضع على عاتقي الإشراف على أعمال إعداد وتنفيذ المركز، وتم إطلاق المركز وبدأ في العمل في فترة قصيرة، وأسست البحوث الطبية الصحية في الإمارات بالتعاون مع شركات أجنبية، وتم إنشاء مزرعة بجوار المركز لزراعة الأعشاب الطبية، إلى جانب إجراء المزيد من البحوث عن الأعشاب الطبية في الإمارات.
دراسة الطب
وقال: كان الشيخ زايد يضع المواطن في مقدمة أولوياته، فكان أطباء الإمارات دائماً ما يدرسون الطب خارج الدولة في الولايات المتحدة الأمريكية أو أستراليا أو المملكة المتحدة، ولكن بفضل رعاية واهتمام الشيخ زايد بالأطباء، وحرصه على تأسيس قطاع صحي قوي، أنشئت كلية الطب في مدينة العين، التي تعتبر حاليًا من أفضل الكليات على مستوى الوطن العربي.
واهتم الشيخ زايد بدعم ابن الإمارات من الأطباء، فبعد انتهاء السنة الدراسية الأخيرة للطبيب - سنة الامتياز- كان يسافر مباشرة في بعثات طبية في الخارج لاستكمال دراساته العليا في بريطانيا أو السويد أو في أوروبا بشكل عام، على الرغم من أن قانون الخدمة المدنية كان يشير إلى استمرار عمل الطبيب داخل الدولة لمدة ثلاث سنوات أولاً، ثم السفر إلى الخارج في البعثات الطبية، وبفضل الرؤية الثاقبة للشيخ زايد وصلنا الآن إلى وجود أطباء مواطنين في كل التخصصات الطبية، وبفضل توجيهاته كانت الدولة تحمل على عاتقها كل التكاليف اللازمة التي يحتاجها كل من يتجه لبعثات دراسية في الخارج، كالسكن ومصروفات الجامعة وتذاكر الطيران وكل شيء.
وأضاف: كنت محظوظاً من نيل خير الأيادي البيضاء للمغفور له الشيخ زايد حيث حصلت على الدكتوراه في الغدد الصماء من إسكتلندا، وتكفلت وزارة الصحة بكل التكاليف اللازمة.
مدارس للتمريض
وخلال الجولات المستمرة التي كان يقوم بها الشيخ زايد لمس مدى الحاجة المستمرة للكوادر التمريضية وبأعداد كبيرة في المستشفيات والمراكز الصحية، فوجه بإنشاء مدارس ومعاهد للتمريض، في كل الإمارات، لاستقطاب الطلبة المواطنين، والوافدين العرب بشكل خاص، لسد النقص الموجود في الكوادر التمريضية في كافة القطاعات الطبية من مستشفيات ومراكز صحية مختلفة والطب الوقائي والصحة المدرسية.
كما وجه بتنظيم العديد من الدورات التدريبية لكل العاملين بالإدارات الصحية ووزارة الصحة، إيماناً منه بضرورة أن يكتسب كل العاملين بالقطاع الصحي المعلومات والمهارات والقدرات اللازمة، وإدراكًا لأهمية الاطلاع على المستجدات والتوجهات الحديثة في مجال الصحة، فضلا عن إعداد كوادر ذات كفاءة وفاعلية مؤهلة للعمل بشكل منتظم ومستمر، تسهم في التجديد والتطوير.
ميزانية مفتوحة
وتابع الدكتور الهاشمي: لم يبخل المغفور له على القطاع الصحي نهائيا، فكان نهراً من العطاء والكرم والسخاء، وكانت ميزانية القطاع الصحي مفتوحة، وتصرف ملايين الدراهم لتأسيس بنية صحية قوية، ولم يرفض أي طلب لمساعدات طبية أو جراحية، كما أنه وفر الإمكانيات الطبية لكل المستشفيات في كل الإمارات على أعلى مستوى بغض النظر عن محدودية الأعداد السكانية في بعض المناطق، حيث كانت توفر الأجهزة الطبية بشكل سريع وبسهولة فضلاً عن اهتمامه بالصحة المدرسية والطب الوقائي.
وقال: خلال عملي رئيساً للجنة الإمارات الشمالية لسفر المواطنين للعلاج بالخارج، لمدة 11عاماً، منذ عام 1981 إلى عام 1992، لم تكن تتأخر الدولة في دعم كل من تستدعي حالته العلاج بالخارج، بفضل توجيهات الشيخ زايد ووفقا لمعايير تتمثل في أن يتم إرسال التقرير المكتوب عن الحالة من قبل الطبيب الاستشاري المختص إلى لجنة طبية تجتمع وتناقش مدى احتياج حالته للسفر، وإذا لم تكن الخدمة الطبية التي يحتاجها المواطن متوفرة داخل الدولة، يتم التنسيق مباشرة مع الملحقية الصحية في الدولة التي سنرسل لها الحالات.
وتابع: كنا نبعث حالات إلى العديد من الدول كبريطانيا وألمانيا، ولكن الآن بفضل مواصلة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، مسيرة التطوير والعطاء، تقلصت أعداد الحالات التي تحتاج السفر للعلاج بالخارج بشكل كبير، بعد ان تم إنشاء مراكز ومستشفيات على أعلى المستويات استكمالا للنهج الذي أرسى قواعده المغفور له الشيخ زايد في تسخير الإمكانيات لخدمة الإنسان والاهتمام بالصحة والتعليم وكافة الخدمات الأخرى.