لم يكن المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، ينظر إلى البترول كمصدر للمال والثروة، وكمساعد على العمران والتشييد، بقدر تركيزه الأساسي على بناء الإنسان، ليقينه التام بأن الفرد هو الثروة الحقيقية وهو أساس النهضة والحضارة، والمستقبل المضيء والتقدم، وعلى سواعده تتحقق الإنجازات و تزدهر التنمية، لذا كان لا يرى للمال فائدة من دون الرجال، حيث كان يقول إنه زائل كالمحروقات، فيما كان يسعى لترسيخ أعمدة الدولة بأيد مواطنة تمتلك الكفاءة والإخلاص، والانتماء الحقيقي لتراب إمارات العزة والكرامة.
وكانت كلمات الراحل الكبير تتوالى دوماً، مؤكدة اهتمامه الرئيسي بالثروة البشرية. ومن أقواله حول ذلك: «بناء الإنسان في المرحلة المقبلة، ضرورة وطنية وقومية تسبق بناء المصانع والمنشآت؛ لأنه بدون الإنسان الصالح لا يمكن تحقيق الازدهار والخير لهذا الشعب»، ومنها أيضاً: «الدولة تعطي الأولوية في الاهتمام لبناء الإنسان ورعاية المواطن في كل مكان فيها، والمواطن هو الثروة الحقيقية على هذه الأرض»، وأيضاً: «الثروة الحقيقية هي ثروة الرجال وليس المال والنفط، ولا فائدة في المال إذا لم يسخّر لخدمة الشعب»، و«بناء الرجال أصعب من بناء المصانع، والدول المتقدمة تقاس بعدد أبنائها المتعلمين».
وبذل الكثير في سبيل تحقيق هدفه في بناء الإنسان، حيث لم تكن عملية التطوير والبناء سهلة، بل كانت مهمة شاقة اقتضت وفقاً لقول الراحل الكبير مزيداً من الصبر والحكمة، فضلاً عن تأكيده الدائم رحمة الله، أن الإنسان هو أساس أية عملية حضارية، وأن اهتمامه بالإنسان ضروري؛ لأنه محور كل تقدم حقيقي مستمر، حيث كان يردد: مهما أقمنا من مباني ومنشآت ومدارس ومستشفيات، ومهما مددنا من جسور، وأقمنا من زينات، فإن ذلك كله يظل كياناً مادياً لا روح فيه، وغير قادر على الاستمرار؛ لأن روح كل ذلك؛ الإنسان القادر بفكره وبفنه وإمكانياته، على صيانة كل هذه المنشآت، والتقدم بها والنمو معها.
وحول جهود الراحل الكبير في بناء الإنسان، وتنمية الثروة البشرية المواطنة، وصداها الواقعي لدى أبناء الدولة تأتي الأقوال:
بصمات واضحة
قال المستشار القانوني والإعلامي د. يوسف الشريف: «منذ أن خطت أيدي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، معالم الاتحاد، وهو يسعى لبناء الإنسان، بناء المواطن الإماراتي المسلح بالمعرفة والثقافة، والعلم الذي يمكنه من مواجهة الحاضر، وتحديات المستقبل، وطموحات دولة الإمارات التي أراد لها المغفور له بإذن الله، أن تصبح في مصاف الدول العالمية.
ولو تتبعنا مسيرة الراحل الكبير، سنجد أنه كان حريصاً كل الحرص على أن يوجه خطاباته، وخططه وتوجيهاته، من أجل أن يرتقي بالمجتمع الإماراتي فكرياً وثقافياً وأخلاقياً، حيث كان مؤمناً أن بناء دولة عظيمة، يحتاج لبناء شعب عظيم، قادر على تنفيذ الخطط والارتقاء بدولته، ورفع علمها عالياً في جميع الميادين».
حكيم العرب كانت له بصمات واضحة في بناء الإنسان من الداخل، ليكون قوياً بأفعاله، ونتاج فكره من الخارج، ولهذا عمل على تطوير المؤسسات التعليمية والتربوية، وعني عناية خاصة بمراكز الأبحاث والدراسات، ودعم مسيرة العلم والتعليم بمختلف أشكالها وأنواعها، فالعلم هو أساس بناء الإنسان، ولهذا تجد المغفور له، دائماً كان يوجه المسؤولين في مجالسه وخطاباته ولقاءاته، إلى ضرورة متابعة سير العملية التعليمية، والتربوية داخل الدولة، وأيضاً خارجها، فقد كانت له رحمه الله، بصمة واضحة من الأعمال الخيرية الخاصة بالتعليم، والتي وصلت إلى مشارق الأرض ومغاربها.
وهو لم يبن دولة الاتحاد إلا لإيمانه بالإنسان والمواطن الإماراتي وقدراته، وأن عملية بنائه هي حجر الأساس لبناء دولة عظيمة رائدة، لا تعرف المستحيل.
دعم الكوادر
وأكد د. منصور الشامسي، مستشار رأس المال البشري والتطوير الإداري، أن الشيخ زايد عمل على تطبيق سياسة إنسانية متكاملة، كسيمفونية في الحياة، تتميز بنسق داخلي متكامل محورها الإنسان، انطلاقاً من أساسيات تفكيره الإيماني الوطني الجمالي العلمي، قائلاً: «على المستوى الإيماني وضع الشيخ زايد الارتباط بالله عز وجل، الأساس في بناء إنسان يتمتع بالصبر والقوة الداخلية، والانتماء والارتباط بالوطن وخدمته، وأيضاً يمتلك الروح الإيجابية التي تستكشف الجمال من حوله بصورة دائمة، حيث مارس الشيخ زايد السياسة الجمالية كقائد وأديب شاعر، يهمس بالكلمة الشعرية المعبرة عن ذاته الجميلة، وهي كلمة كذلك معلمة تنشر المعلومة والحكمة، وهي منهجية لصناعة الإنسان المنتج العامل، حين تربيه الكلمة الشعرية للشيخ زايد».
والأبعاد العلمية البنائية للمغفور له بإذن الله، الشيخ زايد رحمه الله، واضحة في تأسيس النهضة العلمية الشاملة، ولا ننسى أن القائد المؤسس أسس أول جامعة وطنية عظيمة هي جامعة الإمارات، التي نمت وتطورت وسمت، وساهمت في صنع كادر علمي أكاديمي إماراتي يقود الجامعة، وهذا الكادر هو نواة التدريس الجامعي الآن، كما اتسعت رقعة المؤسسات العلمية في الدولة. ومن ناحية اجتماعية، قدم الشيخ زايد سياسة اجتماعية خلقت نمواً سكانياً إماراتياً، لهذا تم تدعيم برامج الإسكان، سواء الإسكان الشعبي، أو برامج الإقراض الإسكاني التي ما تزال مستمرة كبرنامج زايد للإسكان، فضلاً عن تقديم المنحة المالية للمقبلين على الزواج، وهي سياسة مستمرة.
كما أنه جعل توظيف المواطنين أولوية، بما يعكس إيمانه بحب العمل، إلى جانب أن فرص العمل هي من أفضل ما يتم تقديمه للمواطنين؛ لأن الوظيفة قاعدة الإنتاج الحقيقية التي يقدم من خلالها المواطن خدماته لوطنه، والشيخ زايد رحمه الله أراد أن يكون الإماراتي، إنساناً عملياً، مثابراً وأخلاقياً، يتمتع بكفاءات عديدة؛ لذا عمل الشيخ زايد على إحياء التراث على مستوى اللغة والأدب والمصنوعات والحرف والعمارة، والعادات والتقاليد، وأنماط الحياة المختلفة، وعمل على دعم الفعاليات، والأنشطة والمشاريع والبرامج التراثية. وبناء على ذلك دعم عمليات الاستكشاف عن آثار الدولة، وكان يزور المواقع الأثرية، ويجتمع بعلماء الآثار، لرغبته في تقديم أدلة عملية على حضارات الإمارات القديمة، بما يساهم في بناء الإنسان الإماراتي، وتعريفه بحضارات وطنه القديمة، حتى يتحصل على قوة معنوية ومعرفية، تساعده على صنع حياة معاصرة عظيمة.
كما أعطى الشيخ زايد للمرأة مكانة متميزة، خاصة في فكره وسياساته على الصعد كافة؛ العلمية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
دور أساسي
وأثنى عبيد عوض الطنيجي، عضو غرفة تجارة وصناعة الشارقة، على الدور الذي كان ملموساً للشيخ زايد في بناء المواطن الإماراتي، وسعيه في تحقيق ذلك بشكل أساسي ورئيسي، مما أسفر عن جيل كامل من رجالات الدولة المخلصين، الذين يتمتعون بفكر متوازن ورؤى صائبة، ويعملون على تحقيق نهضة إمارات الخير، وتحقيق صالحها العام، والتقدم بها إلى الأمام.
وقال: «الراحل الكبير أعطى جل اهتمامه لبناء أبناء الدولة، وعمل جاهداً على إعلاء شأنهم في المناحي المختلفة».
بناء الأوطان
وترحم عبد الله ميرزا، عضو المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة على فقيد الوطن الشيخ زايد؛ لما قام به من تكوين دعائم قوية لإمارات العزة، قائلاً: «لا يمكن إلا أن نترحم على الأب المؤسس الشيخ زايد، لدوره المهم في بناء إنسان دولتنا الحبيبة، واهتمامه المطلق بذلك منذ قيام الاتحاد، ودأبه على النهوض به، ليقينه أن الأيدي المواطنة الكفوءة تستطيع أن تبني الأوطان، وأنها الأقدر على ذلك، مقارنة بالثروة المادية التي كان يراها زائلة، ولا تساوي الثروة البشرية.ولا شك أنه كان مدركاً تمام الإدراك ما ستكون عليه الدولة من تحضر ونهضة وتقدم، إذا استندت على سواعد مواطنة قادرة على إدارة جوانب الحياة المختلفة فيها، فعمل على تسليح المواطنين بالعلم، ووفر لهم الخدمات التي يحتاجونها ودعمهم مادياً، لدفعهم للارتقاء بأنفسهم وبدولتهم، وكان له ما أراد، وهو ما يترجمه واقع الدولة اليوم، ويشهده القاصي والداني».
إرث إنساني
ويرى د. علي بن حنيفة، أن دور المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، كان حضارياً وواضحا في بناء الإنسان من خلال ما يلي: «اهتم الشيخ زايد اهتماماً بالغاً بأبناء الإمارات، وعمل على تشجيعهم على كسب التعليم والمعرفة في جميع مناحي الحياة، وركز على التعليم الجامعي من خلال افتتاح جامعة الإمارات عام 1997، وتخريج الكوادر الأولى التي أخذت بزمام العمل بمختلف أنواعه في الدولة، علاوة على تشجيع المغفور له الشيخ زايد، لطلاب العلم على مواصلة التعليم العالي، والابتعاث إلى الخارج لنيل درجة الماجستير والدكتوراه. وركز على النخبة المتميزة في إدارة مصالح الدولة في الداخل والخارج.
كما قام ببناء الإنسان من خلال الموارد البشرية، وتحسين مراكز العلاج في الدولة، مما أنتج أيادي بشرية صحيحة وسليمة في الجسم والتعليم، تستطيع أن تخدم الدولة بمهارة وقوة.
وتأتي مقولة زايد: «لا خير في المال إذا لم يُبن به الإنسان»، كنهج مستمر إلى يومنا هذا، على يد الوالد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، وإخوانه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى، حكام الإمارات.
عائشة بوسمنوه: اهتمام غير عادي بالإنسان
قالت عائشة بوسمنوه، عضوة المجلس الوطني الاتحادي: «منذ قيام الاتحاد والمغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، يهتم بالإنسان اهتماماً غير عادي، بدءاً بالتعليم وجعله إلزامياً، وتوفير المساكن الشعبية المجهزة للمواطنين، لإيمانه التام بأن الدولة لن تقوم على مواردها المادية، وإنما على أبنائها.
كما أقام وزارات تهتم بالإنسان كوزارة الشؤون الاجتماعية، والتربية والتعليم وغيرها، لصناعة إنسان الدولة الكفء. وفي كثير من كلماته كان يوصي الجميع بالاهتمام بالمواطنين، ويقول لهم: «لا أريد أن أسمع أن هناك مواطناً في الدولة متضرر، أو ينقصه شيء، أو محتاج بأي شكل، هذه مسؤوليتكم، وأمانة أحمّلكم إياها». وعلى هذا النهج سار أبناؤه.