مارلين سلوم

من حق الفنان أن يبحث عن وجه جديد ولون مختلف يطل بهما على الجمهور، فهو بذلك يجدد طاقته، يجد دافعاً أكبر ليتحدى ذاته، ويبعد نفسه وجمهوره عن الملل وعن أي تهمة بالتكرار والدوران في حلقة فارغة والعيش على أمجاد الدور الواحد. أحمد حلمي فنان ذكي جداً، يعرف أن ملعب الكوميديا واسع، يسهل التحرك فيه والاستفاضة في اللعب، ويعرف أيضاً أن هذا الملعب يتحول بعد وقت قصير، ويبتلع من يقف في مكانه ولا يتحرك بحثاً عن التغيير وتقديم الأفضل. لذا يتحرَّك حلمي باستمرار، وتحركه هذه المرة أثمر «خيال مآتة» فأثار وفيلمه جدلاً كبيراً، ونجح مرة جديدة في التحليق خارج السرب السينمائي.
الفيلم مسروق. ليست جديدة التهمة سواء في عالم السينما أو في مسيرة أحمد حلمي؛ ولا يمكن الحديث عن دوافع الكاتبة الشابة التي ألقت عليه تهمة سرقة قصتها، وتحويلها إلى «خيال مآتة»، ما لم يتم بت أمرها قضائياً، وإن كنّا لا نصدق حاجة أحمد حلمي والكاتب الكبير عبد الرحيم كمال إلى سرقة أفكار الآخرين ووضع اسميهما وتاريخهما محل شبهة أو تهمة!
مختلف أحمد حلمي في «خيال مآتة»؛ لا يشبه ما قدمه سابقاً، وإن اعتدنا تجسيده أكثر من شخصية في فيلم واحد. هذه المرة يبدو أكثر رزانة وجدية، فالفيلم لا ينتمي إلى الكوميديا الصريحة، يتزيّن بها، يحمل خفة ظلها، ليقدم حكاية خيالية يجمع من خلالها عبد الرحيم كمال بين الماضي والحاضر، الأصلي والمزيّف، النصب والصدق ومعنى سرقة التاريخ من قبل «الكيان».
ينطلق من أواخر الستينات وأجوائها، «يكن» (أحمد حلمي) شاب يمارس طقسه اليومي الروتيني بالذهاب إلى مقهى الزاوية (اسمه بالفرنسية كوان كافيه) والجلوس على نفس الطاولة (المحجوزة له)، وعليها هاتف المقهى، ويستقبله النادل فور جلوسه بفنجان القهوة المعتاد. عيون ٣ رجال وامرأة من أصحاب المحال المجاورة تراقب الشاب بدقة، وما أن يرفع السماعة ليجري اتصالاً، يرفع كل منهم سماعة هاتف محله للتنصت. تشعر بأن هناك عملية سرية تراقبها أجهزة مخابراتية، وأن الاتصال سيكون لجهة سياسية أو لتنفيذ عملية أمنية، فإذا بالشاب يتصل بحبيبته باكينام الساكنة «قصاد» المقهى، يسمعها غزلاً ويطلب منها الخروج إلى الشرفة (الفرندا) ليلمحها قليلاً.
ينجح المخرج خالد مرعي في تقديم تلك الأجواء والديكور والألوان والماكياج المتقن، كما تلفتنا دقة عبد الرحيم كمال في اختيار الألفاظ والكلمات التي تناسب ذلك الزمن. ومميز أحمد حلمي في تجسيد شخصية شاب في الستينات، يبدو محنكاً رزيناً، يثير شكوكك حوله، فهو يعد باكينام بتقديم الشبكة لها مباشرة بعد «حفل الست». يذهب مع صديقه خليل ويقف مع الناس المنتظرين أم كلثوم أمام «التياترو»، محاولاً لفت انتباهها بتقديم رسم خاص بها، فتطلب من مرافقيها إدخاله إلى غرفتها. في هذه الأثناء يفتعل خليل حريقاً صغيراً، يجبر الجميع على مغادرة المكان، فيسرق يكن «بروش الست» ويعود إلى السيارة حيث تنتظره باكينام. لكن ما أن يتحركوا بالعربية حتى يعترضهم من قاموا بالتجسس على مكالمته. ينتمون إلى ما يسمونه «الكيان»، ويحتاجون إلى عضو مفكر يملك من الدهاء والذكاء ما يتيح لهم التخطيط لسرقة قطع مهمة وثمينة والاتجار بها.
يلتحق بهم يكن ويطلب من خليل صنع نسختين من بروش أم كلثوم، ليقدم واحدة منها لباكينام، ويعطي الأصلية للكيان شرط الاحتفاظ بها. يصير يكن عجوزاً، ثرياً وبخيلاً، تدير شؤون حياته وتساعده في قراءة الناس عبر لغة الجسد آسيا (منة شلبي) ومزلاوي (بيومي فؤاد). وفِي المقابل، يظهر زيزو أو عزيز حفيد يكن، لنرى التناقض بين شخصيتي الجد والحفيد، والتباعد في الأفكار وأسلوب الحياة، ثم تظهر نقاط التشابه لاحقاً، حين يقرر الحفيد مساعدة جده في «إنقاذ» البروش.
«الكيان» وسرقة الآثار والتاريخ وسرقة «صوت الشعب» (أم كلثوم).. كثيرة الرموز التي يضعها المؤلف في ثنايا قصته، واضحة وتأخذنا إلى عمق المغزى مباشرة. يقدم الكوميديا الراقية، التي لا تحتاج إلى تهريج كي تدفعك للضحك.
ومن إيجابيات الفيلم، أنه أعاد إلى السينما وجوهاً نشتاق إليها، وظهورها أسعد الجمهور وأضاف للعمل، رشوان توفيق وَعَبد الرحمن أبو زهرة بجانب لطفي لبيب وحسن حسني وإنعام سالوسة.
منة شلبي ديناميكية دائماً ومرتاحة كالعادة بأداء أي دور، خالد الصاوي يكرر نفسه بطريقة الأداء في الفترة الأخيرة، وأحمد حلمي بارع في تبديل الأقنعة والظهور بأكثر من شخصية في العمل الواحد. هو لا يتبع أي موضة سينمائية ولا يقدم الكوميديا الهابطة. أعماله دائماً تشبهه، وإن لم تنجح كلها بنيل إعجاب أكبر عدد من الجمهور والنقاد، لكنها ليست فاشلة ولم تكن يوماً مبتذلة ولا رخيصة.

[email protected]