حاول القائمون على مسلسل «ذبّاح غليص» استعادة نجاح الجزء الأول فاستعانوا بمخرجه أحمد دعيبس وأحد أبطاله الرئيسيين زهير النوباني بعد غيابهما عن الجزء الثاني، الذي حصد انتقادات عدّة وأرجعوا منذر رياحنة في شخصية جديدة عقب موت التي جسّدها سابقاً، وكذلك الحال مع مجموعة من الممثلين لكن أصداء المحاولة لم تكتمل تماماً. المتابعون لهذا الجزء ومع الحلقات الأولى تساءلوا عن افتقاد بطل الجزأين السابقين رشيد عساف «غليص» واستغربوا ظهور ممثلين بشخصيات مختلفة عن التي جسّدوها في الجزأين السابقين، واعتبروا الجديد بمثابة عمل مستقل ربما يكون متميزاً لكنه لا يعيد ألق الأول عام 2006 لاسيما مع تواصل أعمال بدوية بمستويات متفاوتة.
نص الجزء الجديد شهد تعديلات مرة تطرح خطوطاً مغايرة للمتّقد شراً «غليص» على اعتباره لم يُدفن في الجزء الثاني بعد تلقّيه رصاصة من «هاجم» أسقطته من على ظهر الفرس، وأخرى اعتمدت تُلغي وجوده الفعلي وتستند إلى «الفلاش باك» بعد ثبوت وصول المفاوضات بين الجهة المنتجة وعساف إلى طريق مسدود لاختلافات على أمور موضوعية وفنّية ومادية، وهناك صور تثبت حضوره إلى عمّان والجلوس مع مديرها ومسؤولين فيها دون اتفاق نهائي.
وكان مؤلف الأجزاء الثلاثة مصطفى صالح قد أكد أنه تردد في كتابة العمل الجديد بعد نحو 11 عاماً من طرح «رأس غليص 1» ورفضَ دعوة الجهة المنتجة لذلك قبلاً لكن مطالبات جماهيرية - على حد قوله - دفعته لاستكمال ما نشاهده حالياً.
«منّاع» غريم «غليص» الذي لا يقل شراً عنه عاد للقبيلة في الحلقة السادسة، ومنذ الوهلة الأولى يمكن إدراك أن النوباني أظهر احتفاظاً بملامح الشخصية وطريقة الأداء وتوليفة الشكل ونبرة الصوت وحاول فرض «ثقل» ومكانة «البطل شبه المطلق» للجزء الحالي.
يعلن «منّاع» فور عودته في مجلس «شيخ القبيلة» الجديد «مشعل» أنه قتل «غليص» وسلب سلاحه «شبريّة» لكنه يترك الباب موارباً أمام احتمال عودة «غليص» بل وعودة جميع الشخصيات التي ماتت في الجزأين قائلاً: «كثيرون ذبحتهم بيدي ودفنتهم وخرجوا من قبورهم أحياء».
وحتى يُشعل الأحداث يدعو «منّاع» إلى الهجوم على «رميح» ابن «غليص» ضمن رحلة «كر وفر» جديدة لا تخلو من قتل ودم وبطش وحروب لازمت الجزأين السابقين في سياقٍ بات بحاجة إلى تفنيد داخل الدراما البدوية في ظل مستجدات على أرض الواقع.
وكعادة صالح ضمن نصوصه لابد من الشخصية الأجنبية في الأعمال البدوية وتظهر هذه المرّة على شكل وافدة زائرة يصطحبها «منّاع» للقبيلة ويروّج للتحالف معها بحيث تحصل على مساحات أرض للاستثمار مقابل الدعم بالأسلحة والمشاركة في القتال كنوع من التمهيد الصريح لمطامع وتدخلات أجنبية في شؤون عربية.
وبعدما لفظت شخصية «الشيخ زوّاد» أنفاسها في الجزء الثاني يعود رياحنة للجزء الثالث بدور «رميح» ويسير على طريق والده «غليص» في تجميع «المطاريد» والعيش في مغارات ووسط الجبال والصحراء وتنفيذ غزوات مباغتة للظفر بمكاسب.
رياحنة بدا متفاعلاً ومتعايشاً مع الدور رغم أنه وافق على أدائه في «الرمق الأخير» بعد بدء تصوير المسلسل نتيجة ارتباطه بعملين آخرين بالتزامن في مصر، ووجدت الجهة المنتجة حضوره داعماً فمنحته الدور فوراً عقب توافق مع ممثل ثانٍ.
ظهور شخصيات مختلفة عن التي قُدمّت في الجزأين الأول والثاني لم يقتصر على رياحنة وإنما انسحب على آخرين بينهم ناريمان عبد الكريم وسهير عودة وخالد جزاع ومحمد الإبراهيمي الذي جسّد سابقاً دور «فلاح» ومات مسموماً ثم رجع على أنه شقيقه المقتول وسط ذهول قاتله «الشيخ صايل» ويتقمصه وليد البرماوي.
المخرج دعيبس كرّس رؤيته التي قدمها في الجزء الأول وأمسكَ بتفاصيل البيئة الصحراوية ساعياً إلى توازن في «المشهدية» البصرية، وعدم تغليب المَشاهد البعيدة على القريبة أو العكس وهو صاحب خبرة تكاد تكون الأطول في هذا المجال بين المخرجين المشتغلين حالياً.
دعيبس أعادَ تصوير مَشاهد المعارك التي كان نفّذها مخرج متخصص غيره وربما ما يأخذه البعض عليه ما يصفونه ب«تضخيم» حضور بعض الممثلين على الشاشة.
الملاحظات شملت تواضع «إشارة البداية» نوعاً ما ووجود تحفظات على ترتيب الأسماء و«استقطاب» ممثلات بقدرات فنّية أقل من شخصيات مُقدّمة وظهور المبالغة في أداء بعضهم مقابل تقنين حضور آخرين.
المحاولة لاستعادة النجاح اللافت والفارق للدراما الأردنية البدوية على غرار 2006 «لم تكتمل» تماماً بسبب مدخلات في العمل نفسه ومتغيرات حوله واختلاف التوجهات و«أذواق» المشاهدين وما يشدّهم وظهور تجارب عديدة في السياق نفسه وكذلك مدى انتشار وجماهيرية القنوات التي تعرض الحلقات وتحفظات على بعض مستجداته وهذا لا يقلل من عطاءات فردية وجماعية بعضها مُتقن وتروّج الجهة المنتجة لتقديم جزء رابع يعتمد على «غليص» الحفيد.