مارلين سلوم


القلب ينتصر على القالب، هذا ما يريد صناع فيلم «ماليفيسنت» تأكيده للمرة الثانية، من خلال العودة بعد خمسة أعوام من صدور الجزء الأول، لتقديم تكملة للحكاية تحت عنوان «ملكة الأشرار». تلك الساحرة «السوداء» تأسر الجمهور لتثبت أنها «ملكة القلوب»، حاصدة إعجاب المشاهدين، متفوقة على الجزء الأول، بفضل القصة المحبوكة، والمزيد من التشويق والحرب الطاحنة بين الأشرار (الذين ليسوا في حقيقتهم أشراراً)، والأخيار (الذين ليسوا في أعمالهم أخياراً).
منذ أن قررت شركة «ديزني» العالمية قلب المقاييس، وجعل الساحرة الشريرة هي بطلة «الأميرة النائمة»، وتقديم فيلم باسمها «ماليفيسنت» عام 2014، صرنا نجد في الشخصية وجهاً آخر يختلف تماماً عن أوجه الساحرات في القصص الخرافية، والأساطير. ومنذ أن أعطتها الكاتبة، ليندا وولفرتون، مواصفات «ملوكية» ومنحتها الكثير من عزة النفس، والكبرياء، والغموض الذي يجذب المشاهد، ويثير فضوله، لفهم هذه الشخصية، صارت «ماليفيسنت» محببة يدافع عنها الصغار والكبار في الصالات، ويرغبون في مشاهدتها مرات عدة، لاسيما وأن أنجلينا جولي زادتها جمالاً، وتواءمت معها بحيث يصعب عليك أن تتخيل أي ممثلة أخرى غيرها في هذا الدور.
وأنت تشاهد الفيلم المعروض حالياً والذي يحقق نجاحاً مبهراً حول العالم، إذ تخطت إيراداته 150 مليون دولار في أيامه الأولى فقط، بينما لم تتجاوز تكلفته الإنتاجية 12 مليوناً و500 ألف دولار، تلاحظ الفرق بين الجزأين الأول والثاني، من حيث حرص المخرج يواكيم رونينج، على إضافة لمسات خاصة به، تميزه عن مخرج الجزء الأول روبرت سترونبيرج. مزيد من المؤثرات، ألوان ومشاهد مبهرة، وابتكار مخلوقات عجيبة، محببة، ومنح الطبيعة ألواناً رائعة، تذكرك بفيلم «أفاتار».. كذلك في المعارك الضارية، تجد الكثير من الألوان المبهرة، إصابة البطلة أكثر من مرة، وآخرها يحبس الأنفاس فيتأكد الجمهور من وفاتها، ويحزن عليها، وعلى نهاية قصتها الجميلة.. وما هي إلا دقائق، حتى تتبدل الأمور، ويعود الأمل بشكل أقوى.
تنطلق القصة من نهاية الجزء الأول، حيث نرى أورورا (آل فانينج) تحتفل بعيد مولدها مع أصدقائها المخلوقات الصغيرة، والطبيعة، والساحرات الحارسات لها منذ ولادتها. فجأة يظهر الأمير فيليب (يؤديه هاريس ديكنسون بدلاً من برنتون ثويتس)، يطلب يدها للزواج فترد فوراً بالموافقة. في المقابل، تخطط والدة فيليب الملكة إنجريث (ميشال بفايفر)، لدعوة العروس ووالدتها (التي تبنتها) ماليفيسنت (أنجيلينا جولي) إلى العشاء في القصر، وبموافقة زوجها الملك جون (روبرت ليندساي). الملكة في عينيها شرر يفوق الشرر الذي نراه في عيني ماليفيسنت الساحرتين- المرعبتين.
تتنازل ماليفيسنت من أجل أورورا، وتذهب معها ومع مرافقها الدائم ديافال (سام ريلاي)، إلى العشاء، الذي يكون بداية شرارة الحرب بين الملكة إنجريث وماليفيسنت، ومن خلالها تسعى إلى القضاء على كل الساحرات والمخلوقات غير الآدمية. يلعب الفيلم على التناقض بين الشخصيتين، وهما تمثلان الخير والشر، الأبيض الذي يبدو نقياً وهو من داخله أسود وعنصري، والأسود الذي يبدو شرساً بينما هو في العمق طيب مسالم، كل ما يفعله هو الدفاع عن نفسه من أجل حماية حقوقه. الملكة بلباسها الأبيض، تجسد الشر، والحقد، والطمع، تريد القضاء على «الآخرين» لتسيطر على مملكتها والمملكة المجاورة لها، بينما ماليفيسنت التي يتم تتويجها ملكة على المخلوقات المشابهة لها، تبدو شريرة وسوداء في الشكل، في حين أنها تملك حنان الأم، ورقة قلبها. الشخصية تملك الكثير من الكاريزما، ومنحها صناع العمل خصوصاً مصممة الأزياء إيلين ميرونيك التي جعلت من إطلالتها إطلالة ملوكية، وملابسها مميزة، ذيلتها باللون الأبيض في الجزء الأخير من الفيلم، لتكون المرة الأولى التي يتبدل فيها زي ماليفيسنت من الأسود الحالك، إلى اللونين الأسود والأبيض.
طبيعي أن يتوقع الجمهور نهايات سعيدة لقصص الخرافات «الطفولية»، لكن سير أحداث الفيلم يضعنا أكثر من مرة أمام احتمال النهاية الحزينة. فيلم ممتع، لكنه لا يحملك إلى التفاعل معه لدرجة البكاء، لأنه يقفز سريعاً من حالة إلى أخرى، ويمشي بأحداثه من دون الاستغراق في الحزن، أو فقدان الأمل.
رسالة الفيلم واضحة للجمهور، فهو منذ بداية جزئه الأول يسعى إلى إثبات نظرية أن الأشرار لم يولدوا بصفات سيئة، بل أصبحوا كذلك بسبب ظلم الناس لهم، وهم في الحقيقة أخيار، دافعوا عن أنفسهم مستجمعين قواهم الخارقة، طردهم «الإنسان» وحاربهم بشتى الطرق، مدعياً البراءة، و«الطهر». حتى الرسالة غير المباشرة، يفهمها بلا شك أبناء هذا الجيل الواعي جيداً لمفهوم العنصرية، والتسامح، والتنمّر، والتعايش مع الآخر المختلف عنه بسلام..
أنجيلينا جولي، وميشال بفايفر، رائعتان، تجسد كل منهما الغضب والشر على طريقتها، وتشكلان قوة في المواجهة والتحدي واللعب على الأداء التعبيري بملامح الوجه، وبالعينين. والنهاية تؤكد وجود جزء جديد، وعودة ثالثة لجولي بهذه الشخصية المناسبة تماماً لها.

[email protected]