هل شاهدت فيلماً تستبشر به خيراً وتخرج من الصالة متفائلاً سعيداً بهذه «النهضة السينمائية» وتراجع موجة «المقاولات» والانحطاط الفكري والفني؟ متناثرة هي الأفلام المصرية أو العربية عموماً التي تمنحنا هذا الإحساس، لكنها تزداد عدداً وحضوراً في كل موسم، ولعلك تشعر بها متجسدة في «حرب كرموز»، الفيلم الذي وصل أخيراً إلى الإمارات وننصحك بمشاهدته. هنا سينتابك هذا الإحساس الممتع، وستخرج من الصالة وكلك رغبة في العودة إليها فوراً لتستعيد اللقطات التي لم تشبع منها، وكلّك فخر أيضاً بالصناعة العربية العالية الجودة والإتقان، والتي لا تقل شأناً وقيمة عن أي صناعة سينمائية عالمية.
الفيلم مصنف «أكشن»، لكنه يختلف عن مفهوم الأكشن الفارغ من أي قضية أو قصة مؤثرة وهادفة. يجمع بين موجة الأفلام التي ترضي الشباب، وبين تلك التي يرغب عشاق السينما والفن الأصيل في مشاهدتها على الشاشة الكبيرة. المنتج محمد السبكي كتب القصة بينما صاغها وكتب لها السيناريو والحوار بيتر ميمي. نعم، يعرف السبكي كيف يقدم صناعة جيدة وقصصاً عميقة إذا شاء، ويفاجئك وبيتر ميمي بتحميل كل شخصية أبعاداً مهمة والأدوار كلها مكتوبة بدقة، لتجعل كل من يؤديها بطلاً شريكاً في إنجاح هذا العمل.
منذ المشهد الأول وحتى النهاية، تأخذك القصة نحو عالم التشويق، وتدخل في أعماق زمن الأربعينيات بكل تفاصيله الدقيقة التي حرص عليها المخرج، وتلتقطها عين الكاميرا بعناية لتلفتك إليها عمداً، مثل دواسة البنزين والفرامل في السيارة. سريعاً تدخل في أجواء الماضي، وتعيش مع البكباشي يوسف المصري (أمير كرارة) ومعاونيه وشقيقتيه وكل جندي أو مذنب ومسجون في مركز شرطة كرموز في الإسكندرية، أحداث قصة إنسانية ووطنية، تستمد من التاريخ بعض الحقائق لتستند إليها، فتصدقها وتحسبها حقيقة كاملة، لأنها مصنوعة بعناية وحب وإخلاص. إنها قصة حرب تنشب في مركز كرموز بين الشرطة المصرية وجنود الاحتلال البريطاني، بعد قيام ضابطين بريطانيين باغتصاب فتاة مصرية؛ دافع عنها ثلاثة شبان، أحدهم لقي مصرعه فيما قتل زميلاه أحد الضابطين وألقيا القبض على الثاني.
يوسف المصري الذي يؤديه أمير كرارة باقتدار، رمز للشهامة وللوطنية وللضمير الحي، وضع الفتاة المعتدى عليها في حمايته في مركز كرموز، وألقى القبض على المتهمين ومنهم الضابط البريطاني. يثور الجنرال آدم الممثل العسكري للحكومة البريطانية ويأمر بمحاصرة المركز إلى حين تسليم الضابط.
لم يبالغ أو يجازف بيتر ميمي باعتماده على أمير كرارة في السينما كما في التلفزيون، وتكرار تقديم شخصية الضابط الشديد الانضباط والمخلص لبلده، والتي تألق بها كرارة في مسلسل «كلبش» بجزأيه الأول والثاني، وأصبح «باشا مصر» نجماً محبوباً جماهيرياً. يمكن القول بأن المجازفة كانت مدروسة، والمخرج الشاب عرف كيف يدعم حضور بطله بكتابة تعتمد على أكثر من بطل وأكثر من نجم، والحبكة مشغولة بحرفية عالية، لتكون صناعة مشرّفة، تليق بهذا الزمن حيث التقنيات عالية جداً عالمياً، والجمهور مثقف سينمائياً، والفيلم الأجنبي دائم الحضور بكل الإبهار المتاح والأكشن الباهظ الإنتاج والمتطلبات، والذي يفرض قدرات خاصة ومواصفات يجب أن تتوفر في أبطال اليوم. ورغم أن الإمكانيات في السينما العربية لا تقارن بالأجنبية، ولا يمكنك مثلاً المقارنة بين أكشن توم كروز وحرب كرموز، إلا أن المخرج عمل بذكاء مستغلاً الإمكانيات المتوفرة وملأ الشاشة بالمعارك اليدوية والقتال بين المصريين وجنود الاحتلال البريطاني، مع نسبة تشويق عالية كفيلة بشد الجمهور وإبقائه متيقظاً منتظراً تقرير مصير أبطاله.
«حرب كرموز» يواصل مفاجآته حتى النهاية، ومن المشاهد المؤثرة فيه مثلاً صرخة كل جندي في مركز كرموز «معاك يا فندم» والتي تعلو أكثر فأكثر لتصبح صرخة جماعية مدوية، حين يخيرهم يوسف المصري بين البقاء معه في حربه على الإنجليز، وبين العودة إلى ديارهم. المواقف القوية كثيرة، كذلك تلفتك عبارات مهمة مثلاً، حين يوجه الجنرال آدم حديثه ليوسف باللغة الانجليزية، فيرد عليه «أنت هنا على أرض مصرية، لما تحب تكلمني اتكلم مصري».. وحين تقول زوبة (غادة عبد الرازق) - والتي أتت للمركز لتأخذ تصريحاً لعملها كفتاة ليل - للفتاة المجني عليها هند (مايان السيد): «أنا وأنت موجودين هنا لنفس السبب «الشرف»..».
أمير كرارة نجم شعبي مختلف، عرف كيف يصل إلى الناس من باب الفن الراقي، والعمل الجاد، ليكون البطل الشعبي المثقف والواعي والمخلص والمفتول العضلات المناصر للفقير والمظلوم، بلا أي ابتذال أو سوقية أو مبالغة في مشاهد العنف والدماء، والأهم أنه لم يسلك طريق الترويج للبلطجة وأخذ الحق «بالدراع» بالسكاكين وسط الأحياء الشعبية.
مشاركة النجم العالمي سكوت أدكنز بدور الضابط المجنون لا شك مميزة، لكن الفيلم كان سيكتمل بدونه أيضاً. محمود حميدة قدم عزت الوحش بأداء عال جداً، مصطفى خاطر (عصفورة) لص ظريف وممثل جيد، لكن مشاهد قفزه وقفز أمير كرارة بين المباني بدا فيها الفرق واضحاً بين الممثل والدوبلير، محمود حجازي يثبت حضوره، وكل فريق العمل يستحق الثناء، لا سيما ضيفي الشرف المميزين فتحي عبد الوهاب وأحمد السقا.
يبحثون عن خلل ويستمتعون بـ «الإحباط»
لماذا يستمتع البعض في إحباط أي عملية بناء فني ناجح؟ لماذا يبحث هؤلاء عن أي خلل أو نقطة ضعف ليضعوها تحت المجهر فتطغى على كل مميزات الفيلم وتقضي على أحلام كثيرين، وعلى أي مجهود يبذله فريق العمل؟ لا عيب في أن تلازم شخصية البطل الوطني المناضل والإنساني النجم أمير كرارة، وأن ينتقل بها أو بما يشبهها من التلفزيون إلى السينما، خصوصاً أن بيتر ميمي لم يستنسخ المسلسل أو يختصره في فيلم «حرب كرموز». السينما العالمية تستنسخ أعمالها ونحن ننبهر بها؛ بل إن بعض الشخصيات تتكرر بأشكال مختلفة، والجمهور يصفق لها ويقبل على مشاهدتها فتحتل المراكز الأولى في البورصة، مثل سلسلة «مهمة مستحيلة» التي تحولت من مسلسل تلفزيوني أمريكي ناجح إلى مجموعة أفلام، وهي بالأصل تشبه سلسلة أفلام «جيمس بوند» البريطانية؛ بل تكاد تتطابق في الفكرة العامة والأدوات والهدف منها والعميلين 007 وإيثن هانت.