بغداد «الخليج»:

باتت فصائل «الحشد الشعبي»، تمثل ضغطاً كبيراً جداً على الحكومة العراقية؛ لأسباب عدة، في مقدمتها عدم قدرة الحكومة على السيطرة التامة على تحركات هذه الفصائل وضبط تصرفاتها في مناطق كثيرة، وكذلك تصرفات بعض المحسوبين على هذه الفصائل مع المواطنين، وأصبحت مع الوقت أشبه ب«قنبلة طائفية»؛ تتطلب التفكيك بشكل عاجل، في ظل بروز مطالبات علنية من قبل بعض الساسة وقادة الكتل وأعضاء في البرلمان العراقي، وكذلك في الحكومات المحلية ومجالس المحافظات في المحافظات الغربية على وجه التحديد بين الحين والآخر، تدعو إلى مغادرة ميليشيات «الحشد الشعبي» لمناطقهم؛ بعد اتهامهم لها بالقيام بممارسات غير قانونية.
أيضاً هناك ضغوطات أمريكية واضحة جداً تمارس منذ زمن ليس بالقليل على الحكومة العراقية؛ تدعو إلى حل «الحشد» أو تقليصه أو الحد من تحركاته؛ لكن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي يحاول جاهداً أن يمسك العصا من الوسط، ويسعى إلى عدم إثارة أزمة بين حكومته وفصائل «الحشد»، ولاسيما تلك التي تتلقى الدعم والإسناد من الجانب الإيراني.
يشعر عبد المهدي بوجود خطورة حقيقية؛ جرّاء تصاعد تحركات تنظيم «داعش» في بعض المناطق الغربية، ولاسيما في محافظات نينوى وكركوك والأنبار وصلاح الدين، وهو يعرف جيداً أن تحركات «داعش» تلك تستغل المناطق الرخوة فيها، وهو لا يرغب بحصول نكسة جديدة في الملف الأمني كتلك التي حصلت عند قيام «داعش» باحتلال مدينة الموصل في منتصف شهر يونيو/‏‏حزيران 2014. كما لا يرغب عبد المهدي أيضاً بحصول أزمة سياسية؛ جرّاء التصادم مع «الحشد»، الذي يمتلك تمثيلاً في البرلمان العراقي.
ولحل هذه المشكلة؛ أصدر عبد المهدي في الأول من الشهر الماضي أمراً ديوانياً؛ قرر فيه دمج فصائل «الحشد» مع القوات المسلحة العراقية، وجعل تلك الفصائل تعمل تحت إمرته، وكذلك تحت إمرة رئيس هيئة «الحشد الشعبي»، الذي يتم تعينه من قبل عبدالمهدي نفسه.
وتضمن الأمر الديواني إلغاء كل مسميات فصائل «الحشد»، وتحويلها إلى مسميات عسكرية على أن يحمل منتسبو «الحشد» الرتب العسكرية، كما يحصل مع ضباط ومنتسبي القوات المسلحة العراقية. والنقطة الأهم في الأمر الديواني، الذي أصدره عبد المهدي، والتي ينتظر العراقيون تطبيقها، تلك التي تؤكد إغلاق مقرات «الحشد» في المدن وخارجها. وقد حدد الأمر الديواني نهاية الشهر الحالي؛ لتنفيذ البنود الواردة فيه.
لقد تعاملت فصائل ميليشيات «الحشد» مع قرار عبد المهدي بشكل متوازن، ومن دون ردة فعل غاضبة كما كان يتوقع البعض؛ لأن تلك الفصائل تعلم جيداً أن مخالفتها للحكومة وأوامرها سيجعلها عرضة للمساءلة، وربما التصادم مع القوات الأمنية العراقية في معركة إن حصلت في أية منطقة من مناطق العراق فلا يوجد طرف فيها رابح؛ لأن هكذا معركة ستخلق أزمة كبيرة في البلد، وربما تجعل الوضع الأمني يفلت من السيطرة، وهذا الأمر لا يرغب فيه غالبية العراقيين، خصوصاً بعد أن معاناتهم الكبيرة جداً من الإرهاب والنزوح والتهجير.

قرار سابق

وقرار عبد المهدي يشبه أمراً سابقاً اتخذه رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي في شهر يوليو/‏‏تموز من العام الماضي، إلا أن المطلعين على الشأن العراقي يرون أن عملية تطبيق القرار بشكل حرفي على جميع فصائل ومسميات «الحشد» في هذا الوقت، تعد أمراً بالغ الصعوبة لأسباب عدة، لعل من أهمها أن هذه الفصائل تستطيع التمرد على قرارات الحكومة، وهذا السبب يستند على وقائع ملموسة في مناسبات سابقة؛ لكن الضغط الأمريكي الكبير على عبد المهدي جعله يخاطر باتخاذ هكذا قرار قد يؤدي إلى إقالته من منصبه خصوصاً، وأن عبد المهدي لا يستند على كتلة قوية داخل قبة البرلمان العراقي. كما أن القوى السياسية الموجودة في البرلمان الداعمة لفصائل «الحشد» تستطيع توفير العدد المطلوب من الأصوات، التي بإمكانها أن تطيح عبد المهدي بالرغم من أن الأخير يحظى بدعم شبه مطلق داخل البرلمان من القوى الكردية في أغلب المجالات وكذلك من قبل الكتل «السنية» في هذا الشأن تحديداً، فضلاً عن رغبة عبد المهدي الدائمة في مسك العصا من الوسط، وعدم إثارة حفيظة أي طرف ضد؛ لكنه بقراره هذا قد يفقد هذه الميزة، ما يجعله في مواجهة غير مسبوقة مع أطراف كان لها الدور الأول في ترشيحه لرئاسة الحكومة الحالية في العام الماضي. ولو نظرنا إلى ردود الفعل الصادرة على قرار عبد المهدي، لوجدنا أن غالبيتها ردود فعل داعمة ومساندة لهذا القرار؛ عبر وسائل الإعلام المختلفة، بما في ذلك الكثير من فصائل «الحشد الشعبي»، إلا أن ما يقال في الإعلام غير الذي ينفذ على أرض الواقع؛ لأن الكثير من فصائل «الحشد» تمتلك السلاح والرجال، كما تمتلك الخبرة في الحرب، لاسيما حرب المدن؛ من خلال تجربتها في مواجهة تنظيم «داعش» خلال السنوات الماضية، فضلاً عن ذلك فإنها تمتلك أسلحة متوسطة تستطيع من خلالها استهداف قوات الجهات الضاغطة على عبد المهدي.

تضارب الحسابات

وفي ظل تضارب الحسابات، يتوقع أن تكون لقرار عبد المهدي انعكاسات كثيرة على التحالفات السياسية التي أدت إلى تشكيل خريطة الحكومة العراقية الحالية؛ لأن أغلب القوى البرلمانية المنبثقة من فصائل «الحشد» تتواجد في تحالف «البناء» الذي يمتلك ميزة كبيرة على منافسه تحالف «الإصلاح والإعمار» وهذه الميزة تتمثل بأنه ضمن بشكل قانوني ما يُسمى ب«الكتلة الأكبر» بالرغم من تجاوز هذا الأمر عند عملية تشكيل الحكومة الحالية؛ لذلك فإن تحالف «البناء» في حال قيامه بمحاولة لسحب الثقة من عبد المهدي، فإن البديل له سيكون مرشحاً حصراً منه خلال الدورة الانتخابية الحالية. أما تحالف «الإصلاح والإعمار»، فإنه في طريقه للتفكك، إذا لم يكن قد تفكك بالفعل، وبالتالي فإن الكثير من أعضائه الموجودين في البرلمان سيغيرون اتجاههم نحو تحالف «البناء» في حال حصل تحرك كبير لإطاحة حكومة عبد المهدي؛ من أجل الحصول على مكاسب ومنافع عبر الحكومة الجديدة.
أما دول الجوار، فإن أغلبها تقف مع قرار عبد المهدي، باستثناء إيران التي تعد الداعم الأول لفصائل «الحشد»؛ إذ يسعى الإيرانيون من خلال وسائل الضغط، التي يمتلكونها على عبد المهدي، بأن يكون تطبيق القرار شكلياً، وليس فعلياً؛ لأنهم يعولون كثيراً على بعض فصائل «الحشد» في استهداف المصالح الأمريكية في الداخل العراقي في حال تعرضت إيران إلى هجوم من الجانب الأمريكي.

الحشد العقائدي

وفي هذا الشأن، يرى المحلل السياسي ورئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية الدكتور واثق الهاشمي، أن «أغلب الموجودين في فصائل «الحشد الشعبي» يسمون ب(الحشد العقائدي) التابعين لولاية الفقيه في إيران، وبالتالي أرى أن هناك صعوبة أن يخضع هؤلاء إلى هذا الأمر، ويسعون لتنفيذه أو تطبيقه؛ لأنه بعد ساعات من صدور قرار مماثل قبل أكثر من ثلاثة أسابيع، ضربت القصور الرئاسية في الموصل، كما ضربت الشركات النفطية في جنوب العراق، وهذا دليل على أن فصائل «الحشد» لا تخضع بسهولة إلى قرارات الحكومة التي تجد أنها لا تتطابق مع مصالحها. وتابع: إن «هناك ضغطاً أمريكياً على عادل عبد المهدي بخصوص تحييد فصائل «الحشد» وكذلك يوجد ضغط إيراني في الاتجاه المعاكس؛ يتمثل بالضغط على الجماعات المسلحة، لعدم تنفيذ هذا القرار؛ لذلك أرى أن هناك صعوبة بالغة في التنفيذ».
وفي ظل الضغط الذي يتعرض له «الحشد الشعبي»، بدأت قياداته تراجع حساباتها، وتحاول أن تخفف الضغط الحكومي والإعلامي الضاغط عليها. وهذا التراجع قد تمثل بالقرار الأخير ل «الحشد»؛ القاضي بإعادة السكان الذين نزحوا منذ خمس سنوات من منطقة «العوجة» في مدينة تكريت، مركز محافظة صلاح الدين، وهي مسقط رأس الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إلى مناطقهم، وكذلك إبعاد فصائل «الحشد» إلى خارج المدن في تلك المحافظة، وهو تطور مهم يؤكد رغبة قادة «الحشد» بتهدئة الأجواء مع سكان بعض المحافظات العراقية، وهذا التطور يؤكد بالدليل القاطع، أن «الحشد» لم يعد يمتلك ذلك النفوذ الذي كان يحظى به سابقاً؛ بسبب الضغوط الكبيرة التي تعرض لها من قبل الحكومة العراقية وكذلك من جهات خارجية ومحلية تسعى إلى تقويضه.
نقطة أخرى، بدأت تثير مخاوف فصائل «الحشد»؛ تمثلت بوجود معلومات تشير إلى وجود نية أمريكية لتوجيه ضربات جوية إلى مقار «الحشد» في بعض المحافظات العراقية، ولاسيما في محافظة الأنبار، وهذه المخاوف جعلت فصائل «الحشد» تعيد حساباتها على الأرض، وترغب بالانضمام إلى القوات الأمنية العراقية، وتندمج معها وفقاً للأمر الديواني، الذي أصدره عبد المهدي بداية الشهر الحالي.
إن تنفيذ فصائل «الحشد» للأمر الديواني الذي أصدره عبد المهدي بشكل حرفي؛ سيجعل «الحشد» يفقد الكثير من الميزات، التي كان يتميز فيها خلال السنوات المنصرمة، كذلك في ذات الوقت سيؤدي هذا التنفيذ إلى رفع الاتهامات التي كانت تطال فصائل «الحشد» بمناسبة أو من دون مناسبة من قبل جهات سياسية وحكومية وإعلامية.

أزمة سياسية

لكن بالمقابل فإن الولايات المتحدة الأمريكية وعبر ضغطها المباشر على عبد المهدي تريد منه أن يتخلص من «الحشد» بشتى الطرق، وهذا الأمر لا يستطيع تنفيذه عبد المهدي بالوقت الراهن؛ لأنه لا يريد أن يدخل في أتون أزمة سياسية وأمنية خانقة، قد تطيحه وحكومته، خصوصاً بعد التحركات الكبيرة لسلفه رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، لغرض سحب الثقة عن حكومته، وترشيح نفسه بديلاً عنه. كذلك يتعرض عبد المهدي إلى ضغوط كبيرة من قبل الجانب الإيراني تدعوه إلى عدم التضحية بفصائل «الحشد»، وتؤكد له سراً وعلناً أن خطر تنظيم «داعش» عن العراق لم ينته وأن العراق لم يزل بحاجة ماسة إلى فصائل «الحشد».
أما الشارع العراقي، فإنه يشهد انقساماً فيما بينه بخصوص «الحشد»، فهناك من يرى ضرورة حله بشكل نهائي؛ بعد انتهاء المعركة مع «داعش»؛ لأنه تم تشكيله لتلك المهمة فقط، وقد انتهت مهمته بعد هزيمة «داعش»، ولا بد أن يتم تسريح جميع منتسبيه مع ضمان حقوقهم، بينما هناك من يرى ضرورة بقاء «الحشد» ودمجه مع القوات المسلحة وعدم التفريط به، معتقداً وجود حاجة ملحة إليه؛ لمواجهة أي خطر قد يتعرض له العراق في المستقبل.
وبين كل هذه التناقضات يسعى عبد المهدي الذي عرف عنه الهدوء التام، وعدم الانفعال في الأزمات إلى أن يجد حلاً مناسباً وكذلك وقتاً مناسباً؛ لغرض التخلص من الضغوط، التي يتعرض لها؛ بسبب وجود «الحشد» وأعتقد أنه مع مرور الزمن سينجح في مهمته؛ لأن المعسكر الذي يساند عبد المهدي في البرلمان العراقي هو من الجهات الداعمة ل«الحشد»، وهذه الجهات لا ترغب بالتضحية بعبد المهدي في الوقت الراهن على أقل تقدير، إلا أن الجميع ينتظرون خطوات عبد المهدي عند نهاية الشهر الحالي التي تتعلق بغلق مقار فصائل «الحشد» في مختلف المحافظات العراقية، فإذا تمت هذه الخطوة من دون بروز أزمة سياسية أو أمنية جديدة، فإن الأمر سيكون جيداً وملبياً لطموحاته وطموحات مسانديه، أما إذا حصل العكس فإن عبد المهدي سيدخل عندها في عنق الزجاجة، وسيجد صعوبة بالخروج من هذه الأزمة. وعندئذ ستكون فصائل «الحشد» بين المطرقة والسندان؛ لأن قطاعاتها قد تتعرض إلى ضربات جوية أو تحصل مصادمات ما بينها وبين القطعات الأمنية، وكل هذه الأشياء إن حصلت؛ فستمثل زيادة في نزيف الدم العراقي الذي بقي ينزف باستمرار منذ احتلال العراق على يد الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2003 وإلى غاية الآن.