نيكولاس بوروز *

على الرغم من مخاوف احتمال عسكرة الفضاء، يعِدُ التنافس الفضائي أيضاً، بازدهار تجاري وتكنولوجي وفوائد كبيرة محتملة للبشرية.
بعد خمسة عقود من النصر الذي أحرزته الولايات المتحدة على الاتحاد السوفييتي في سباق الفضاء، عندما هبطت مركبة «أبوللو 11» على سطح القمر، يكتسب صراع جديد على تحقيق التفوق خارج كوكب الأرض، زخماً وقوة. والمنافس هذه المرة، هو الصين، مما يثير المخاوف من احتمال عسكرة الفضاء، ولكن هذا التنافس الذي يجري خارج الكوكب يعِدُ أيضاً بازدهار تجاري وتكنولوجي، مع فوائد محتملة ضخمة للبشرية. ولذلك، يجب الترحيب بالتوسع إلى النجوم، وتسهيله وتمويله من قِبل الولايات المتحدة والحكومات الأخرى، بصرف النظر عن الدولة التي تمارسه.
هنالك عامل متنامٍ يدفع الولايات المتحدة إلى تكثيف جهودها في هذا المجال، هو الصين. فالصين آخذة في التحوّل سريعاً إلى قوة فضائية رئيسية، تخْلف الاتحاد السوفييتي بوصفها المنافس الحالي للولايات المتحدة في الفضاء. في العام الماضي أطلقت الصين صواريخ إلى مدار الأرض أكثر من أي دولة أخرى. وفي يناير/كانون الثاني، دخلت التاريخَ بإنزال المسبار الآلي «تشانج 4» على الجانب البعيد غير المستكشَف من القمر. وأعلنت بكين أيضاً عن خطط لإنشاء قاعدة أمامية آلية على القمر بحلول نهاية العقد القادم.
والمتشائمون لا يرون إلاّ المخاطر في هذه المنافسة المتنامية، وحجتهم في ذلك أن المنافسة في الفضاء بين بكين وواشنطن تنطوي على خطر وجودي. فالتدمير المتبادل سيصبح ممكناً لا من خلال الحرب النووية على الأرض وحسب؛ بل أيضاً من خلال صواريخ تُطلق من الفضاء. وعسكرة الفضاء يمكن أن تجعل من الصعب ترك الأرض للأغراض السلمية. ومن شأن نشر الأقمار الصناعية غير المنضبط، أن يخلق حُطاماً فضائياً يمكن أن يُهدد الحياة على الأرض. ولكن المنافسة على استكشاف الفضاء، يمكن أيضاً أن تفيد الجنس البشري في أمور عدة، منها تسريع الإمكانات الهائلة لشبكات اتصالات أكثر وأفضل، وأنظمة تحديد المواقع العالمية، وتقنيات أخرى جديدة. ومع تطوّر البنية التحتية الفضائية لدعم وجود بشري أكثر ديمومة خارج الكوكب، يمكن أن نشهد مكاسب تحويلية، ولا سيما فرصة الحصول على طاقة غير محدودة فعلياً، عن طريق محطات الطاقة الشمسية المقامة في الفضاء.
وهنالك أيضاً فوائد وجودية أقل وضوحاً. فكلما ازداد توسّعنا في الفضاء، ازدادت قدرتنا على العيش على الأرض بشكل أكثر استدامة. ويعتمد فهمنا لتأثير البشرية في النظام الكوكبي، وقدرتنا على تغيير سلوكنا، على الرؤى والتصورات التي نستخلصها من الأقمار الصناعية التي ترصد الأرض. كما أن الانتقال إلى خارج الكوكب، يُحسن آفاق بقاء الجنس البشري على قيد الحياة على المدى الطويل، في حال حدوث كارثة ماحقة على الأرض.
وسيأتي جزء كبير من الارتفاع المتجدد في الإنفاق الفضائي الأمريكي من القطاع الخاص. وعشرات الشركات تتنافس بالفعل لتوفير كل شيء، ولكنّ استكشاف الفضاء باهظ التكاليف، والعائدات في العادة غير ظاهرة أو فورية، وقد يتأخر عائد رأس المال طويلاً أو يكون غير مباشر. وهذا يعني أن الشركات الخاصة، لا يمكن أن تعمل بشكل مربح في الفضاء، إلا ضمن الأطر التي تحددها المبادرات الحكومية.
واليوم توفر آلاف الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض خدمات مربحة، مما يشجع الشركات على الاستثمار في البنى التحتية ذات الصلة، مثل الصواريخ القابلة لإعادة الاستعمال، والإنترنت المتاح من خلال الأقمار الصناعية.
ويمكن تكرار هذه العملية خارج مدار الأرض، مع احتمال ظهور أول حقل تجاري جديد، عندما تطرح واشنطن وبكين عقوداً لبناء قواعدهما القمرية. ومع وجود مليارات الدولارات من الأموال الحكومية، ستكون لدى الشركات حوافز قوية لخلق طرق فعالة لنقل البنية التحتية، وإسكان رواد الفضاء، واستغلال الموارد القمرية. ويجب على الشركات التي تمتلك التكنولوجيا والمواد المناسبة، أن تتحرك الآن لتتوافق مع برنامج وكالة ناسا. فشركة «بيجلو ايروسبيس» على سبيل المثال المتخصصة في بناء موائل نموذجية قابلة للنفخ، مؤهلة لدعم محطة الفضاء المخطط إنشاؤها في المدار القمري.
وتشكل طموحات الصين تحدياً لا تجرؤ واشنطن على تجاهله، ولذا تجب عليها زيادة التمويل الفضائي على الفور، وشركات القطاع الخاص ستستثمر أموالها لتصميم تكنولوجيات جديدة، إذا كانت تعلم أن هنالك مشترياً. في الستينات، وضع هذا النوع من الالتزام الحكومي الولايات المتحدة في المدار. وفي هذه المرة قد يحقق للجنس البشري بأكمله ما هو أكبر بكثير.

* زميل زائر في معهد دراسات شرق آسيا التابع لجامعة تاماسات في تايلاند.
موقع: «ذي دبلومات»