بنيامين إيساخان

هنالك دروس مفيدة كثيرة يمكن للعراق، بعد أن حرّر الموصل من تنظيم داعش، أن يتعلمها من تجربة جنوب إفريقيا، بعد تخلصها من نظام الفصل العنصري
هزيمة تنظيم «داعش» في الموصل، وما يبدو من مصرع زعيمها أبو بكر البغدادي، سبب عظيم للاحتفال في العراق.
ولكنّ العراق يواجه بعد فظائع التنظيم الإرهابي، اختباراً قاسياً. والتحديات المقبلة هائلة، منها: إعادة إعمار المدن المدمرة، ومحنة الألوف الذين فرّوا من منازلهم، وخطر الانفصال الكردي، والميليشيات المنفلتة، وحقيقة أن تنظيم «داعش» يحتفظ بالقدرة على شن هجمات إرهابية، أو التحريض عليها في العراق، وفي جميع أنحاء العالم.
ومع ذلك، يمكن القول إن أكبر تحدّ للعراق هو خلق منظومة سياسية شاملة للجميع ومتينة، تستطيع التغلب على الخلافات العميقة، ومعالجة الجروح التي لا تزال نازفة.
وفي السعي إلى وضع مثل هذه الترتيبات السياسية، يمكن للعراق أن يتعلم الكثير من انتقال جنوب إفريقيا السلمي والصبور من نظام فصل عنصري، إلى ديمقراطية قوية نسبياً، ومستقرة.
وما من شك في أن ثمة أوجه تشابه، وأوجه اختلاف بين الحالتين. وللوهلة الأولى تبدو الاختلافات بين العراق وجنوب إفريقيا أوسع من أن تبرر إجراء مقارنة مفيدة. ولكن أوجه الشبه المشتركة بين البلدين أكثر مما هو معترف به في العادة.
كلاهما له تاريخ يشتمل على استعمار، واضطهاد وحشي، لا يزال يثير ذكريات قاسية. وكلاهما تعرَّض لعقوبات دولية أصابته بالشلل، وعرقلت تنميته، وكلاهما غني بالموارد الطبيعية ويَعِد بأن يكون مركزاً اقتصادياً، ومع ذلك فإن عدداً كبيراً من سكانه ظل فقيراً على الدوام.
ومع نهاية الفصل العنصري في أوائل تسعينات القرن الماضي، وإطاحة حزب البعث عام 2003، كتب البلدان دستوريْن وسط اضطرابات سياسية كبيرة، وشهدا مواطنيهما يصوّتون في انتخابات للمرة الأولى، على وقع ضجة دولية عارمة.
ومنذ ذلك الحين، شهد كلاهما ظهور نخب سياسية حديثة العهد بالسلطة، كانت تتمتع بقدر كبير من الخبرة في معارضة النظام السابق، ولكن خبرتها في الحكم ضئيلة. ومن المؤسف أن كليهما شهد ديمقراطيته الجديدة تدمَّر على أيدي فئة لا ترى غير مصالحها الذاتية، وتعتمد على الشعبوية، والمحسوبية، والفساد، للوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها.
وعلى الرغم من أوجه الشبه هذه، شقت جنوب إفريقيا لنفسها مساراً مختلفاً جدّاً عن مسار العراق. ويتناقض تحولها السلمي في معظمه، تناقضاً صارخاً مع العراق، الذي سرعان ما تفسَّخ إلى خليط من الفصائل المتناحرة التي كانت مستعدة جميعاً تقريباً، لاستخدام العنف المروّع لتحقيق أهدافها. وهنالك أربعة دروس رئيسية يمكن للعراق أن يتعلمها من نموذج جنوب إفريقيا.
الأول: هو أن تحوّل جنوب إفريقيا كان أساسياً وداخلياً. صحيح أن تحوّلها واجَه مقاومة وتشجيعاً من قبل أطراف مختلفة في المجتمع الدولي، ولكن «مسيرتها الطويلة نحو الحرية» كانت خاصة بها إلى حدّ كبير. فقد تفكك نظام الفصل العنصري، بسبب وحشيته ذاتها، وبفعل حركة مستمرة دائبة لتقويضه.
وقد أطيح نظام البعث بتدخل عسكري أجنبي، قام بفرض الديمقراطية. ولم يكن الشعب العراقي أداة التغيير. ومع ذلك، فإنه يملك الفرصة لقيادة التحرك نحو مستقبل شامل للجميع.
والدرس الرئيسي الثاني للعراق: يمكن العثور عليه في «لجنة الحقيقة والمصالحة» الرائدة في جنوب إفريقيا. ومن خلال المواجهة الصريحة لتجارب الماضي المريرة، مكنت جنوب إفريقيا حدوث تفاهم وتسامح إزاء الألم الذي أوقعته الدولة. وقد وقف ذلك حصناً منيعاً إلى حدّ كبير في وجه المزيد من العنف.
وفي العراق، فضَّلَ التحالف بقيادة الولايات المتحدة، تفكيك النظام السابق بشكل تام- «اجتثاث البعث»- على أي عملية مصالحة طويلة وعاطفية. ولم يمنح الشعب العراقي أبداً، الفرصة للتعامل مع تجاربه المؤلمة، ومعالجة الروايات المتباينة عن المعاناة والذكريات الأليمة.
وتُمثل هزيمة تنظيم "داعش" فرصة فريدة لتصحيح هذا الخطأ. ويمكن لجنوب إفريقيا أن تلعب دوراً قيّماً في العراق من خلال تقديم خبراتها في مجال المصالحة.
والدرس الرئيسي الثالث من جنوب افريقيا: هو برنامجها الشامل لبناء الأمة.
فكل من جنوب إفريقيا والعراق موطن لفسيفساء معقدة من الناس ذوي الانتماءات العرقية، والقبَلية، والدينية، والسياسية المتباينة، التي ليس من السهل تقسيمها إلى فئات منفصلة.
وبعد انتهاء الفصل العنصري، ولا سيّما في ظل قيادة نيلسون مانديلا، خضعت جنوب إفريقيا لبرنامج متفق عليه لبناء الأمة. وكان العَلم الجديد واحداً من بين الرموز العديدة لوعي وطني جماعي.
ولم تتخذ النخبة السياسية الأمريكية والعراقية أي مبادرة من هذا القبيل. كما أن خلق تصوُّرات وطنية من أجل هوية متماسكة وموحدة، لم يشغل بال المحافظين الجدد في واشنطن، أو تجار السلطة في بغداد. وهنا أيضاً، تُشكل هزيمة «داعش» فرصة لتغيير المسار. ويُحسن العراق صنعاً بالتطلع إلى جنوب إفريقيا.
والدرس الأخير، الذي يمكن القول إنه الأهم، والذي يمكن أن يتعلمه العراق من جنوب إفريقيا، هو أن الديمقراطية، والمصالحة وبناء الأمة، على حدّ تعبير الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، «تأتي مستقبلاً». وهذا يعني أن المجتمع القوي والديمقراطي حقاً، هو المثل الأعلى الذي يجب الكفاح من أجله وإعادة التفاوض بشأنه باستمرار.
وهذا مفهوم على نطاق واسع في جنوب إفريقيا اليوم- من احتجاجات الطلاب الذين يطالبون بإنهاء استعمار مناهجهم، إلى افتتاحيات الصحف الحادة التي تدين «الاستيلاء على الدولة».
إنه روح النقاش السلمي النابض بالحياة، في جنوب إفريقيا، والتنافس الذي يتسم بالاحترام، هو الذي يشكل درساً حيوياً للعراق، إذا كان لهذا البلد أن يخرج من أهوال الماضي إلى مستقبل قابل للحياة وينعم بالسلام.
إن تجربة جنوب إفريقيا بعيدة عن الكمال. ولكن قصتها الفريدة توفر دروساً قيمة للشعب العراقي في سعيه نحو مستقبل جديد بعد تنظيم «داعش».

أستاذ مشارك في العلوم السياسية والسياسات في جامعة ديكِن (الأسترالية)، وأستاذ زائر في جامعة جوهانسبيرغ (جنوب إفريقيا)