غاريكاي تشنغو*

يصادف الأسبوع الثاني من إبريل/ نيسان، الذكرى السنوية لنهاية ما يقرب من 700 عام من الحكم الإسلامي الإفريقي لإسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا.
قبل 408 أعوام، وقّع الملك فيليب الثالث ملك إسبانيا، أمراً يُعتبَر من أوائل الأمثلة على التطهير العرقي... حيث أمرَ في ذروة محاكم التفتيش الإسبانية، بطرد 300 ألف مسلم موريسكي (مغربي)، ممّا شكل بداية لواحد من أكثر الأحداث وحشية ومأساوية في تاريخ إسبانيا.
وخلافاً للاعتقاد الشائع، كان الأفارقة القدامى، هم الذين جلبوا الحضارة إلى إسبانيا وأجزاء كبيرة من أوروبا، وليس العكس.

تأسست الحضارة الأولى في أوروبا في جزيرة كريت اليونانية في 1700 قبل الميلاد، وتمّ تحضير الإغريق في المقام الأول من قبل الأفارقة السود في وادي النيل. ثم نقل الإغريق هذه الثقافة المكتسبة إلى الرومان الذين فقدوها في نهاية المطاف. وبالتالي، بدأت العصور المظلمة التي استمرت خمسة قرون. ثم جرى إدخال الحضارة مرة أخرى إلى أوروبا عندما قادت مجموعة أخرى من السود الأفارقة، (المور)، العصور المظلمة إلى نهايتها.

عندما يدرَّس التاريخ في الغرب، يشار عموماً إلى الفترة التي تسمى «العصور الوسطى»، باسم «العصور المظلمة»، وتصوَّر على أنها الفترة التي أصيبت فيها الحضارة بشكل عام، بما في ذلك الفنون والعلوم، بالخمول إلى حد ما. وهذا صحيح بالتأكيد بالنسبة للأوروبيين، ولكن ليس بالنسبة إلى الأفارقة.

ويوضح المؤرخ (السنغالي) الشهير الشيخ أنتا ديوب، (1923-1986)، كيف كانت الإمبراطوريات العظمى في العالم خلال العصور الوسطى إمبراطوريات سوداء، وكانت المراكز التعليمية والثقافية في العالم إفريقية في الغالب. وعلاوة على ذلك، كان الأوروبيون، خلال تلك الفترة، هم الهمجيون الذين لا قانون لهم.

بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية تم دفع العديد من القبائل المتحاربة البيضاء من القوقاز إلى أوروبا الغربية من قبل الغزاة الهُون. وغزا المور الشواطئ الإسبانية في عام 711 ميلادية، وقام المسلمون الأفارقة حرفياً، بتحضير القبائل البيضاء المتوحشة من القوقاز. وحكم المور في نهاية المطاف على إسبانيا والبرتغال وشمال إفريقيا وجنوب فرنسا لأكثر من سبعمئة عام.

وعلى الرغم من أن أجيالا من الحكام الإسبان حاولوا شطب هذه الحقبة من السجل التاريخي، فإن علم الآثار والثقافة الحديثة يلقيان الآن ضوءاً جديداً على الكيفية التي ساعد فيها تقدم المسلمين المغاربة في الرياضيات والفلك والفن والفلسفة، في إخراج أوروبا من العصور المظلمة، وإدخالها عصر النهضة.

أشار أحد أشهر المؤرخين البريطانيين، وهو باسل ديفيدسون، إلى أنه خلال القرن الثامن لم تكن هنالك أرض «أكثر إثارة لإعجاب جيرانها، أو أكثر راحة للعيش فيها، من الحضارة الإفريقية الغنية التي تشكلت في إسبانيا».
كان المور سوداً من دون شك، وقد استخدم الكاتب المسرحي وليام شكسبير في القرن السادس عشر، كلمة «مور» مرادفة لكلمة «إفريقي».

وكان التعليم عالميا في إسبانيا المسلمة، بينما في أوروبا المسيحية، كان 99 في المائة من السكان أميين، وحتى الملوك لا يستطيعون القراءة ولا الكتابة. وتفاخر «المور» بمعدل مرتفع جدا من القدرة على القراءة والكتابة، في مجتمع ما قبل الحداثة. وفي العصر الذي لم يكن فيه سوى جامعتين في أوروبا، كان لدى المور سبع عشرة جامعة. وقد استلهم مؤسسو جامعة أكسفورد فكرة تشكيل هذه المؤسسة بعد زيارة الجامعات في إسبانيا. ووفقا لهيئة التعليم في الأمم المتحدة، فإن أقدم جامعة تعمل في العالم اليوم، هي جامعة القرويّين المغربية التي تأسست خلال ذروة الإمبراطورية الإسلامية في عام 859 م على يد امرأة سوداء تدعى فاطمة الفهري.
وفي حقل الرياضيات، تم إدخال الصفر (0)، والأرقام العربية، والنظام العشري إلى أوروبا من قبل المسلمين، ما ساعدها على حل المشاكل بسرعة ودقة أكبر، ووضَع حجر الأساس للثورة العلمية.
ومن الواضح أن المسلمين، ساعدوا على انتشال شعوب أوروبا من العصور المظلمة، ومهدوا الطريق لفترة عصر النهضة. وفي الواقع، فإنّ عدداً كبيراً من الصفات التي تفخر بها أوروبا الحديثة جاءتها من إسبانيا المسلمة، وهي التجارة الحرة والدبلوماسية والحدود المفتوحة وآداب السلوك والملاحة المتقدمة وأساليب البحث العلمي والتقدم الرئيسي في الكيمياء.

وفي الوقت الذي بنى فيه المسلمون 600 حمّام عام، وكان الحكام يعيشون في قصور فخمة، أقنع ملوك ألمانيا وفرنسا وإنجلترا رعاياهم بأن النظافة خطيئة، وكان الملوك الأوربيون يسكنون في حظائر كبيرة بدون نوافذ ولا مداخن، ولا يوجد فيها في كثير من الأحيان، سوى ثقب في السقف لخروج الدخان.

وفي القرن العاشر، لم تكن قرطبة عاصمة إسبانيا المغربية وحسب، بل كانت أيضاً أهم وأحدث المدن في أوروبا. وكان عدد سكانها حوالي نصف مليون نسمة، ولديها إنارة في الشوارع، وخمسون مستشفى بمياه جارية، وخمسمئة مسجد وسبعون مكتبة، وكانت إحدى المكتبات تحوي أكثر من 500 ألف كتاب.
إن الانطباع القديم الذي قدمه بعض العلماء الغربيين بأن القارة الإفريقية، قدمت إسهامات قليلة أو معدومة في الحضارة، وأن شعبها بدائي بطبيعة الحال، أصبح للأسف، أساس التحامل العنصري والعبودية والاستعمار والقمع الاقتصادي المستمر لإفريقيا. وإذا أعاد الأفارقة كتابة تاريخهم الحقيقي، فسوف يميطون اللثام عن مجد، لا بُدَّ أن يسعوا إلى استعادته. ولا ريب في أن أكبر خطر يمكن أن يحرم إفريقيا من المستقبل المجيد، هو جهل شعوبها بماضي إفريقيا المجيد.

*باحث في جامعة هارفارد.موقع: «كاونتر بانش»