روجر ساوثهول*

خلافاً لما يعتقد البعض، يمكن أن تكون القوانين عنصراً فعالاً في مكافحة العنصرية، التي لا تزال تعرب عن نفسها في جنوب إفريقيا، من خلال حوادث مختلفة.
قد يبدو أن الكثير من الأخبار والخطاب العام في الآونة الأخيرة، تشير إلى أن قوس قزح غير العنصري في جنوب إفريقيا- وهو الوصف الذي أطلقه الأسقف دزموند توتو على البلاد ذات يوم، كنايةً عن التنوع العرقي- آخذ بالتلاشي. فالعنصرية، وتجلياتها وعواقبها، شائعة كما يبدو في كل مكان.
ومن أحدث المتورطين في ممارستها، وكيلة العقارات السابقة، «فيكي مومبيرغ». فقد حُكم عليها مؤخراً بالسجن ثلاث سنوات (مع وقف التنفيذ سنة واحدة)؛ بسبب ما قامت به من إساءة عِرقية شنيعة، لضباط سود من شرطة المرور، والعاملين في مركز اتصالات الطوارئ في الشرطة، الذين كانوا يحاولون مساعدتها بعد حادث تحطيم وسرقة بالقوة.
وهنالك أيضاً الجدل الدائر حول إصلاحات الأراضي. وقد تمّ تنحية تعقيداتها الهائلة جانباً، من قِبل الساسة الشعبويين السّود، الذين يطالبون بإعادة الأرض «المسروقة» من قِبل البيض، ومِن قِبل اليمينيين البيض، الذين يدّعون أن المزارعين البيض يخضعون للحصار، والخوف على حياتهم.
وفي ردٍّ على كاتب العمود في صحيفة «بزنِس داي»، بيتر بروس، الذي ذكر أن حجم عمليات قتل المزارعين البيض، مبالغ فيه بشكل صارخ، استشهد مراسلٌ أبيض للصحيفة، على نحوٍ ينمّ عن الموافقة، بموقف الرجل الذي يُعتبر عموماً مهندس سياسة الفصل العنصري الوحشية، هنريك فيرْويرْد؛ حيث كتب:
«أن فيرويرد شعر بأن الطريقة الوحيدة التي سيستمرّ بها البيض في الوجود في جنوب إفريقيا، هي إذا أمْكنَ وضع نظامٍ يسمح لهم بالحفاظ على التحكم بمصيرهم ضمن إطار غربي. وإلاّ، فسوف يُسحَقون ببساطة.. والآن، ها نحن نشهد ما توقّعه فيرويرد. البيض يتعرضون للمضايقات باستمرار، ويُحرَمون من ممتلكاتهم على أيدي الساسة السّود».
كيف ينبغي على مواطني جنوب إفريقيا التعامل مع كل هذا؟ بصراحة، لا توجد إجابة سهلة عن ذلك؛ ولكن فيما يلي بعض الاعتبارات.
ذكر الصحفي جوشوا كارستنز، في ما كتبه في صحيفة «سيتي برس»، أن عنصرية «مومبيرغ» الفظة، لم تكن إلاّ «القمة الطافية من جبل الجليد». ولا اعتراض لديه على الحكم الذي صدر عليها؛ ولكنه يتساءل عمّا إذا كان الحكم سينجح في التعامل مع المشكلة. وقال محاججاً، إنه بينما قد يكون من الممكن، تنظيم سلوك الناس، إلاّ أنك لا تستطيع إخضاع عقول الناس وقلوبهم للقوانين.
وقد تكون العنصرية التي لا يتمّ التعبير عنها، أشدّ خطورة إذا تُركت كامنة تحت السطح. ومضى ليحُثّ البيض ذوي التفكير المتماثل على اتخاذ موقف أقوى ضدّ العنصرية في حياتهم الخاصة.
لا غبار على ذلك أبداً. والعاطفة الكامنة وراءه جديرة بالكثير من الثناء. ولكن، هل سيكون أفضل حقاًّ، إذا أبدى العنصريون صِدقهم بالإساءة الصريحة للسّود؟ أم أن الأفضل هو أن يكبحوا ألسنتهم؛ خوفاً من الانضمام إلى «مومبيرغ» في السجن؟
من الخطأ، في اعتقادي، القول إن التشريعات لا يمكن أن تُغير العقول. صحيح أنها قد تستغرق وقتاً طويلاً في كثير من الأحيان؛ ولكن القوانين تفعل أكثر من مجرد عكس صورة المعايير الاجتماعية: فهي تصوغها.
القانون يهدف إلى ترسيخ ما يعتقد المجتمع بأنه صحيح. فإذا نَصَّ على أن العنصرية، والتحيّز ضدّ المرأة مثلاً، خاطئان، فمن المحتمل وجود فرصة أفضل لأن يقبل الناس ذلك في الديمقراطيات الحقيقية (ولا سيّما عبر الأجيال)؛ ولكنْ يمكن أيضاً استخدام القانون؛ لإحداث تغيير هيكلي.
خذ على سبيل المثال، تشريعيْ التمكين الاقتصادي للسود، والإنصاف في توظيفهم. إن حسناتهما وسيئاتهما موضع جدل كثير، ومع ذلك يبدو من الصعب إنكار أنه لولا وجودهما لكانت جنوب إفريقيا، تتسم بطابع الأقلية البيضاء أكثر مما هي عليه اليوم بكثير.
وعلى الرغم من كل عيوبهما، يبدو أن هذين القانونيْن وما يرتبط بهما من ضغوط الدولة من أجل «التمثيل الديموغرافي»، كانا عنصريْن ضرورييْن في تحرير المجتمع من الاستعمار. ولا يعني ذلك إنكار ما يرافقهما من صعوبات عديدة.
إن مشروع تحويل جنوب إفريقيا إلى دولة أكثر مساواة، مشروع شديد التعقيد، ومحمَّل بالعديد من المشكلات الفلسفية، والهيكلية والسياسية.
ومن شبه المؤكد أن المسيرة ستكون شاقة، ولكن أولئك الجنوب إفريقيين، الذين لا يعتقدون، أو لا يريدون أن يعتقدوا بأن وجود دولة أفضل، أمر ممكن، يجب عليهم أن يكونوا صادقين إزاء ذلك، وأن يرحلوا إلى مكان آخر.

*أستاذ في جامعة ويتووترْزرانْد (جنوب إفريقيا)
موقع: ذي كنفرسيشن