ثلاثٌ فقط، هو عدد النساء اللاتي حصلن على جائزة نوبل في الفيزياء، عبْر تاريخ الجائزة الذي يساوي 117 عاماً.
«دونا ستريكلاند»، البالغة من العمر 59 عاماً، والأستاذة المساعدة في جامعة «واترلو» في كندا، هي الأكاديمية التي مُنحتْ هذا العام الجائزة المرموقة؛ اعترافاً بمساهمتها في الفيزياء. وتتقاسم جائزة 2018 مع العالِميْن «آرثر آشْكِن» و«جيرارْد مورو».
كانت آخر مرة حصلت فيها امرأة على جائزة نوبل في الفيزياء قبل 55 عاماً، عندما فازت بها «ماريا جوبرْت- ماير» عام 1963. وقبل ذلك كانت العالِمة الاستثنائية «ماري كوري» التي فازت بالجائزة عام 1903. وفي عام 1911 أيضاً، فازت «كوري» بجائزة نوبل في الكيمياء.
وكانت تقنية «ستريكلاند» (وهي نبضات الليزر القصيرة القوية) قد تمّ تطويرها بالاشتراك مع البروفسور المشرف على رسالتها للدكتوراه، «مورو»، وتُعتبَر هذه التقنية أحد تلك الفتوحات العلمية الكبرى التي يحسدها عليها كل عالِم فيزيائي. ولهذه التقنية عدد لا يُحصى من التطبيقات بعيدة المدى، بما في ذلك في مجال الطب ومكافحة السرطان.
سيَعتبِر البعض هذه الجائزة، ردّاً قوياً على الجدل العنيف الذي دار مؤخراً في «المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية»- وهي إحدى المؤسسات الفيزيائية الرائدة في العالم- بعد أن قال أحد العلماء الفيزيائيين مجادِلاً في ورشةٍ حول العدالة والتنوع، إن «عِلم الفيزياء اخترعه وبناه رجال؛ وليس بالإغراء والجاذبية».
وأصدرت المنظمة بياناً يقول، إنه تمّ وقف العالِم المذكور عن مزاولة أي نشاط فيها «بانتظار التحقيق في الحادث، الذي سيكون له تأثير مباشر».
لقد نسي هذا الفيزيائي، على نحوٍ ما، أن نظرية «إيمي نوثر»، التي يستخدمها يومياً، وَضَعتْها عالِمة رياضيات، هي «إيمي نوثر»، التي كان إنجازها حاسماً في تطوير ما يُعرف الآن باسم نظرية المجال الكمّي وفيزياء الجسيمات.
ولذا، نعمْ، بتقديم جائزة نوبل في الفيزياء إلى امرأة هذا العام، اعترفت لجنة نوبل أخيراً بالمساهمة القوية التي قدّمتْها امرأة، ليس إلى مجالٍ بحثيٍّ فقط، بل إلى الجنس البشري.
وللأسف الشديد، الواقع هو أن منح جائزة 2018 هذه إلى عالمة فيزيائية، مستحقٌّ منذ أمد طويل. وقائمة العالِمات الفيزيائيات اللواتي استحْققْن (ويستحْقِقْن) جائزة الاعتراف العلمي المرموقة، طويلة جدّاً.
وصحيح أيضاً، أن قائمة العلماء الفيزيائيين الذين ينبغي أن يكونوا قد حصلوا عليها أيضاً، مثيرة للإعجاب. ولكنْ من المذهل أن ثلاث نساء فقط حصلن على نوبل في الفيزياء منذ إنشائها، وأن «ستريكلاند»- التي تبلغ الآن من العمر 59 عاماً، وبعد هذا الإسهام الأساسي- ما زالت تشغل منصب أستاذ مساعِد في المؤسسة التي تعمل فيها.
«بيتر هيغْز»، الذي حصل على جائزة نوبل في عام 2013، على التنبؤ بوجود ما يُسمّى «بوزون هيغْز» (جُسيْم أولي)، (الذي لم يُكتشف إلاّ عام 2012، بعد عقود طويلة من التنبؤ بوجوده)، يعترف بأنه نشر عدداً صغيراً نسبيّاً من الأوراق البحثية طوال حياته المهنية كلها. فهل كان أستاذاً مساعِداً؟ كلّا. لقد تمّت ترقيته إلى منصب أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة إدنبرة.
ولنكُنْ منصفين للجنة نوبل مع ذلك. فقد قامت الآن على نحوٍ ما، بإصلاح إحدى المظالم. كانت عالمة الفلك البريطانية «جوسلين بيل- بيرنِل»، قد اكتشفت نوعاً جديداً من النجوم هو «بُلسار»، (نجم يُرسل نبضات ضوئية قوية)، ولكنها أُغْفِلتْ عندما حصل الأستاذ المشرف على رسالتها للدكتوراه (الذي لم يقُم بعمليات الرّصْد، بل كان قد حصل على التمويل لعمليات الرصد) على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1974.
وفي هذا العام، اختيرت جوسلين، التي تحمل الآن لقب «دامي- سيدة» (المماثل في بريطانيا للقب «سِير» للرجال)، من قِبل لجنة من العلماء، للحصول على جائزة «الفتح العلمي» الخاصة، التي قيمتها 3 ملايين دولار أمريكي، في الفيزياء الأساسية، وذلك جزئيّاً نظير أبحاثها على البُلسارات (النجوم النابضة)، ولكنْ أيضاً نظير ريادتها العلمية المُلهِمة طوال حياتها.
لا تزال هنالك فجوة بين الجنسَيْن في مجال الفيزياء، وفي العلوم بوجه عام.
وقد أظهرت الخطة العَشرية الأخيرة للفيزياء (2012- 2021)، التي أصدرتها أكاديمية العلوم الأسترالية، أن النساء لا يشكلن إلاّ 21% من الموظفين في مجال الفيزياء- وهذا واحد فقط من كل خمسة- ويشير مشروع «المساواة بين الجنسين في العلوم في أستراليا» إلى الفجوة المتفاقمة بين الرجال والنساء في المناصب العليا في العلوم الطبيعية والفيزيائية.
وفي الوقت الحالي، بوُسعنا أن نأمل في أن لجنة نوبل، من خلال منحها جائزة نوبل لستريكلاند، قد أرسلت إشارة قوية للمؤسسات الأكاديمية، بشأن الحاجة إلى الاعتراف بمساهمات النساء في الفيزياء بشكل مناسب، وترقيتهن بالطريقة ذاتها، مثل نظرائهن الذكور، مقابل المساهمات المماثلة.
*رئيسة كلية الفيزياء في جامعة سيدني (أستراليا). موقع: ذي كنفرسيشن