لم يكن يعرف البريطانيون الذين وصلوا إلى البرازيل مهاجرين في آواخر القرن التاسع عشر بحثاً عن جمع الثروة في البلاد الشاسعة التي تعد خامس دولة في العالم من حيث المساحة وعدد السكان ان نشرهم كرة القدم فيها، سيسهم في التأسيس لـ "إمبراطورية" جديدة خارج حدودهم لا تغيب عنها شمس الإنجازات، بعدما اتحدت عوامل إنسانية واجتماعية واقتصادية وخليط فريد من الاعراق المتعددة لصنع "أسطورة السامبا" التي دمغت اللعبة بسحرها الخاص وتوجت على عرشها ملكة بخمسة ألقاب لبطولتها الأشهر كأس العالم .
يقال الكثير عن سبب تحول كرة القدم أو "اللعبة الجميلة" كما يطلق عليها البرازيليون إلى "خبز يومي" في بلاد الأمازون أحد وأطول الأنهار في العالم، لكن السر في تفوق اللاعب البرازيلي وتمتعه بمهارات فنية خاصة ييقى لغزاً محيراً، وإن كان هناك شبه اتفاق يعيد السبب إلى المزيج العرقي الفريد لشعب البرازيل المؤلف من مهاجرين إفارقة وأوروبيين إضافة إلى السكان الأصليين .
كما أن ابتكار البرازيليين أساليب فريدة في التحكم بالكرة يعيده البعض إلى حبهم للرقص والاستعراض الذي يمثل جزءاً مهماً في حياتهم، خاصة رقصة السامبا الشهيرة .
وتدين كرة القدم البرزايلية بوجودها إلى واحد من هؤلاء المهاجرين الأسكتلندي تشارلز ميلر الذي وصل إلى شواطئ مدينة ساوباولو في أكتوبر/تشرين الأول عام ،1894 وكان يحمل في حقيبة أمتعته كرتي قدم وكتاب لقواعد اللعبة، وقد أصيب بالدهشة عندما علم أنه لايوجد في البلاد أي شخص يمارس كرة القدم .
وأول مافعله ميلر أنه جمع 20 شخصاً وقسمهم إلى فريقين وشرح لهم قواعد اللعبة التي مارسها خلال فترة دراسته في إنجلترا، فبدأ الناس يتعرفون إلى لعبة ستقلب حياتهم رأساً على عقب بعد ذلك .
وساهم ميلر في تأسيس نادي ساوباولو الرياضي الذي لعب في صفوفه وكان أبرز هدافيه، كما عمل عام 1902 على إطلاق أول بطولة عرفتها البلاد، ومن خلال نجاحها انطلقت العدوى إلى مدنية ريو دي جانيرو وتأسست تباعاً أشهر أنديتها فلامنغو وفاسكو دا غاما وبوتوفاغو .
والمثير أن اللعبة الساحرة الجديدة التي عرفها البرازيليون بقيت حكراً على الأثرياء البيض وحرم منها الفقراء السود حتى ظهر آرثر فريدنريتش الذي يعرف على نطاق واسع أنه أول نجم كبير عرفته بلاد السامبا، ويعود له الفضل في القضاء على العنصرية في دولة كان تعرف تفرقة لامثيل لها ويصنف ناسها حسب لون بشرتهم .
وكانت العنصرية صارخة في كرة القدم البرازيلية، حتى أن بعض القوانين كانت تمنع الحكم من احتساب خطأ على لاعب أبيض إذا أعاق لاعباً من ذوي البشرة السمراء، ووصل الأمر ببعض اللاعبين السود إلى دهن وجوههم بالدقيق الأبيض حتى يتسنى لهم ممارسة اللعبة دون أي رفض من الطرف الأبيض .
ولم يكن آرثر فريدنريتش لاعباً عادياً، فالنجم الأسمر المولود لأب ألماني ووالدة برازيلية من أصل إفريقي هو أكثر من سجل أهدافاً في تاريخ كرة القدم، حيث بلغ رصيده 1329 هدفاً سجلها خلال 1239 مباراة بمعدل 1،07 هدف في المباراة الواحدة على مدار 25 سنة، ليتفوق على بيليه الذي سجل 1281 هدفاً .
كما توج آرثر فريدنريتش هدافاً للدوري تسع مرات من عام 1912 حتى ،1929 ونظير موهبته الفذة كان آرثر أول من أطلق عليه لقب "المدمر" و"النمر" ثم "الملك" قبل بيليه الذي حمل هذا الاسم لاحقاً، وكان أول أسود يلعب مع منتخب البرازيل عام 1914 وبعد خمس سنوات قاده إلى لقب تاريخي في كوبا أمريكا ومن ثم إلى إنجاز مماثل عام ،1922 ومن خلاله ضم النادي الشهير فاسكو دا غاما لاعبين سود وقادوه لنيل بطولة ريو دي جانيرو عام ،1923 مع العلم أن بعض الأندية في ذلك الوقت كانت ترفض اللعب مع الفريق لأسباب عنصرية .
ومن مآثر آرثر فريدنريتش أيضاً قيامه في عام 1925 مع فريقه بوليستانو بجولة في أوروبا كأول ناد في تاريخ البرازيل يقدم على تلك المبادرة، وقد لعب بوليستانو عشر مباريات مع الأندية الفرنسية فاز في تسع منها وخسر واحدة فقط وسجل 30 هدفاً منها 11 هدفا لآرثر .
ومن سوء حظ البرازيل ان ملكها آرثر لم يشارك في كأس العالم خلال النسخة الأولى عام 1930 في الأوروغواي ذلك أن إصرار اتحاد الكرة البرازيلي على مشاركة لاعبين بيض من مدينة ريو دي جانيرو فقط وأد طموح النجم الأسمر بل حلم بلد بأسرها، ومن ثم عاد ولعب مونديال 1934 لكن في عمر 38 عاماً، ولم يكن قادراً على فعل شيء بفعل تقدمه في السن .
لاعب أسود آخر، احتل مساحة شاسعة من التألق بعد أستاذه آرثر فريدنريتش هو ليونيداس داسيلفا الذي توج نجماً لمونديال 1938 في إيطاليا دون أن يكون منتخب "السيليساو" بطلاً بعد خطأ قاتل من المدرب الذي أراد إراحة لاعبه الأفضل وادخار جهوده إلى المباراة النهائية، لكن المفاجأة كانت في سقوط البرازيل في نصف النهائي أمام إيطاليا بشكل درامي وبقصة مازالت تروى حتى الآن كأحد أكثر قصص كأس العالم إثارة .
تعلم البرازيليون من درس مونديال 1930 وقرروا الاستعانة باللاعبين السود في نسخة 1934 وفي مقدمتهم ليونيداس دا سيلفا، إلا أن منتخب "السامبا" الذي افتقد أبرز لاعبيه بسبب مشاكل داخلية خرج مبكراً بالخسارة أمام إسبانيا 1-3 وسجل ليونيداس هدف فريقه الوحيد .
أما مونديال 1938 فكان بداية ظهور البرازيل كقوة عظمى في كرة القدم، ويعود ذلك إلى اختفاء العنصرية في "بلاد السامبا" وتوحد بطولتا ريو دي جانيرو وساوباولو، لذلك فإن المنتخب المشارك في نسخة كأس العالم بذلك الوقت ضم من مشاهير اللاعبين السود المدافع القوي دومينغوس داغويا وليونيداس الذي توج هدافا للبطولة فيما بعد بسبعة أهداف .
بروز ليونيداس كلاعب نجم بلا منازع جاء بعد مفارقة غريبة أيضاً، ففي عام 1931 كان هناك مباراة مصيرية بين مدينتي ساوبولو بقيادة آرثر فريدنريتش وريو دي جانيرو وكانت الأخيرة تملك لاعباً شهيراً هو نيلو الذي غاب عن المواجهة بسبب الإصابة، وطالبت الجماهير المحتشدة بإشراك الصاعد آنذاك ليونيداس البالغ من العمر 18 سنة الذي لم يكن حاضراً ذهنياً وبدنياً لخوض اللقاء، بعدما قضى ليلة قبل المواجهة في سهرة موسيقية، ثم شارك صباحاً في "تقسيمة" كروية مع أصدقائه في الحي الذي يسكن فيه وتناول وجبة فطور دسمة .
عندما نادى المدرب اسم ليونيداس ليكون ضمن التشكيلة الأساسية دب الرعب في قلبه، إلا أن ذلك اختفى كلياً خلال المواجهة حيث سجل هدفين ومرر تمريرة حاسمة لتسجيل هدف الفوز لأبناء ريو دي جانيرو الذين نصبوه منذ ذلك الوقت بطلا لمدينتهم .
وقد ازداد ليونيداس سعادة خلال حفل التتويج عندما كال له منافسه ومثاله الأعلى آرثر فريدنريتش المديح، ليسلمه مشعل النجومية في البرازيل، وهكذا انطلقت أسطورة ليونيداس الذي لقب ب"الجوهرة السمراء"، وأصبح أول لاعب من بلاد السامبا تعم شهرته الكرة الأرضية .
كان ليونيداس طفلاً يلعب بقدمين حافيتين دون انتعال أي حذاء، وكانت أول مشاركة له مع منتخب البرازيل الأول عام 1932 حيث لعب معه في دورة مونتيفيديو عاصمة الأوروغواي، وهناك أفرغ ليونيداس كل مهاراته في مرمى الأوروغواي التي كانت بطلة للعالم عام 1930 وسجل هدفين ملحقاً بفريق أصحاب الأرض هزيمة لاتنسى .
وجاءت كأس العالم 1938 لتؤكد عن مدى موهبة ليونيداس الذي أصبح في تلك الفترة قائداً لنادي فلامنغو الشهير في مدينة ريو دي جانيرو، حيث سجل الموهوب "هاتريك" ليقود منتخب بلاده للفوز على بولندا 6-5 بعد وقت إضافي في احدى أكثر المباريات إثارة في تاريخ المونديال .
وسجل ليونيداس أحد أهدافه الثلاثة من دون حذاء، حين استفاد من ارتداد الكرة من بين يدي الحارس البولوني إيدوارد مادييسكي سددها نحو الشباك، متناسيا حذاءه الذي بقي عالقا في وحل الملعب المبلل بعد التسديدة الأولى .
وكانت المباراة الثانية للبرازيل أمام تشيكوسلوفاكيا في ربع النهائي وقد عانى منتخب "السيلسياو" كثيراً بعد طرد اثنين من لاعبيها وتأخره بهدف، إلا أن ليونيداس أدرك التعادل 1-1 بحركة بهلوانية جديدة سميت لاحقاً باسمه "ضربة المقص" .
وللدلالة على مدى ما يتمتع به ليونيداس من موهبة خارقة، يمكن استعادة ماكتبه رايمون تورماجين في مجلة باري ماتش "إنه لاعب استثنائي، له القدرة على التحكم في الكرة سواء كانت هوائية أو أرضية، كما يستطيع مفاجأة الخصم بتسديدات قوية غير منتظرة، عندما يسجل ليونيداس الهدف، يعتقد المرء أنه يحلم" .
أعيدت المباراة بين البرازيل وتشيكوسلوفاكيا وفازت الأولى 2-،1 وعندما حانت لحظة الحقيقة قام المدرب البرازيلي إيديمار بيمينتا بأحد أكثر القرارات إثارة للجدل في تاريخ المونديال عندما قرر إراحة ليونيداس عن مواجهة نصف النهائي أمام إيطاليا لتخسر بلاد"السامبا" 2-1 لقب المونديال الذي كان مرشحاً للصعود بسهولة إلى منصة تتويجه .
وشارك ليونيداس في مباراة تحديد المركز الثالث أمام السويد التي انتهت برازيلية 4-،2 وقد سجل هدفين ليقود منتخب بلاده إلى منصة التتويج للمرة الأولى في تاريخه، بينما نال هو الحذاء الذهبي بعدما توج هدافاً برصيد سبعة أهداف .
في عام 1950 نظمت البرازيل بطولة كأس العالم لأول مرة في تاريخها، ونجحت في بلوغ النهائي حيث واجهت الأوروغواي في مباراة شهيرة في ملعب ماراكانا، انتهت بفوز الضيوف باللقب، فيما عرف لاحقا ب"مأساة الماراكانا" التي أبكت البرازيل، وجعلت لاعبا أسمراً هو الثالث في كتيبة العظماء بعدما وجد والده يبكي بعد النكسة يقسم أنه سيثأر لهذه الدموع الغالية .
كان هذا الفتى الذي رأى دموع والده تنهمر هو بيليه الذي استطاع في كأس العالم عام 1958 مع غارينشيا من إهداء البرازيل أول لقب في تاريخها، ومن ثم اتبعه بلقبين آخرين في تشيلي عام ،1962 والمكسيك عام 1970 .
وبعد 24 عاماً نجحت البرازيل بوجود روماريو وبيبيتو ودونغا والحارس تافاريل وبقيادة المدربين كارلوس البرتو وزاغالو في الفوز بكأس العالم للمرة الرابعة وذلك في الولايات المتحدة عام 1994 .
ونالت البرازيل لقبها الخامس عام 2002 في النسخة التي نظمتها كوريا الجنوبية واليابان معاً، وكان يوجد في صفوف الفريق البطل رونالدو ورونالدينيو وريفالدو، أما المدرب فكان سكولاري قائد الجهاز الفني الحالي لمنتخب السامبا .

سود وبيض وثقافة إفريقية

يؤكد المؤرخ البرازيلي وعالم الاجتماع جلبرتو فريير أن السود هم من منحوا كرة القدم في البرازيل الطابع الفني الذي اشتهرت به منذ عام 1938 بداية تكون أول فريق وطني منافس بجدية على لقب كأس العالم حتى الآن، وأثمر لاحقاً الصعود لمنصة التتويج في البطولة العالمية 5 مرات، كرقم لم يصله أي فريق آخر على وجه الكرة الأرضية .
بداية تشكل البرازيل بخليطها العرقي الحالي في القرن السابع عشر عندما جيء بالعبيد من إفريقيا للعمل في الزراعة، على اعتبار أن اليد العاملة المحلية كانت لاتكفي مع وجود مساحات شاسعة من الأراضي في البلاد .
وفي أواخر القرن التاسع عشر هاجرت أعداد كبيرة من الأوروبيين عابرين المحيط الأطلسي بحثاً عن الثروة في بلد واعد بالثروات الطبيعية، ليؤلفوا مع السكان الأصليين والسود المجتمع البرازيلي الآن .
العبيد الذين تحول أحفادهم مع مرور الوقت إلى ملوك كرة القدم في البلاد التي استعبدت أجدادهم وحرمتهم من أبسط حقوقهم، هم من جلبوا معهم "السامبا" الرقصة الشهيرة التي أصبحت لاحقاً ثقافة كرنفالات البرازيل بأجمعها، وهي موسيقى من جذور إفريقية . وإضافة إلى "السامبا"، استغرقت "كابويرا" فن القتال الذي مارسه سكان الغابات في إفريقيا وقتاً طويلاً حتى عام 1934 قبل أن يسمح بها بعدما كانت لفترة طويلة محظورة لأسباب عنصرية .

البرازيليون ثأروا من "عقدة النقص" بخمسة ألقاب
مأساة ماراكانا تدفع بيليه ورفاقه للانتقام 3 مرات

لم تكن الخسارة في نهائي مونديال 1950 أمام الأوروغواي 1-2 أمراً عادياً بالنسبة لكرة القدم البرازيلية التي عاشت 8 سنوات كاملة من الذل وذرف الدموع على لقب ضاع على منتخب "السامبا" بخطأ من الحارس باربوسا الذي عاش طوال حياته منبوذاً على ما اقترفه في ليلة 16 يوليو/تموز .
أقيمت نسخة 1950 في البرازيل، وكان منتخب الدولة المضيفة بحاجة إلى التعادل مع الأوروغواي ليتوج بطلاً وهو "السيناريو" الذي كانت تسير عليه المباراة حتى الدقيقة 79 عندما كانت النتيجة 1-،1 إلا أن السيندو غيغيا صدم البرازيل و200 ألف احتشدوا في ملعب "الماراكانا" بتسجيل هدف الفوز الذي عده أبناء "السامبا" عاراً وعاشوا في عقدة نقص لم يمحها سوى بيليه ورفاقه عام 1958 بالتتويج بلقب نسخة السويد .
وللدلالة على ما عاشه لاعبو الفريق الخاسر، فإن الحارس باربوسا الذي اتهم بأنه لم يكن متمركزاً بشكل جيد عندما نجح غيغيا في خداعه قال بأنه البرازيلي الوحيد الذي حكم عليه مدى الأبد مع أن العقوبات القصوى للتشريعات البرازيلية هي 30 عاماً، كما كان الظهير الأيسر للمنتخب البرازيلي بيغودي الذي راوغه غيغيا مرتين قبل أن يسجل قال "فكرت بالانتحار، لكن قلت في نفسي، حتى في مماتي، فإن الناس ستبقى تكرهني إلى الأبد" .
ووصف أحد المؤرخين البرازيليين ويدعى روبرتو دي ماتا تلك الخسارة بأنها "ربما تكون أكبر مأساة في تاريخ البرازيل لأنها حصلت في الوقت التي كانت فيها البلاد تسعى إلى إثبات أنها دولة تريد تحقيق أمور عظيمة" .
"ورب ضارة نافعة" إذ إن النكسة هي من أيقظت المارد البرازيلي ودفعته للثأر لاحقاً، وقد كان المدرب الحالي للمنتخب البرازيلي لويز فيليبي سكولاري محقاً عندما قال إن اللاعبين الذين عانوا خسارة عام 1950 هم الذين دفعوا من خلفهم ليحرزوا الألقاب الخمسة .
يقول جواكيم فيريرا مؤلف كتاب "1958: السنة التي ما كان يجب أن تنتهي" إن إشارة الكابتن بيليني وهو يرفع كأس العالم في السويد كانت بداية عهد جديد بكل المقاييس .
كان لاعبان يصنعان كل شيء في كأس العالم عام 1958 هما بيليه الفتى البالغ من العمر 17 عاماً وغارينشيا الذي يعاني تشوهات خلقية في قدمه ولكن ذلك لم يمنعه من أن يكون أفضل جناح عرفته كرة القدم وإن كان لايذكر الشيء الكثير عنه بعدما خطف بيليه كل الأضواء .
لعبت البرازيل في النهائي مع الدولة المضيفة السويد وتأخرت بعد 5 دقائق بهدف، إلا أنها سرعان ما استجمعت قواها وقام غارينشيا بهجمة من الجناح الأيمن وأرسل كرة عرضية أحرز منها قلب الهجوم فافا هدف التعادل، ومن ثم تقدمت البرازيل بهدف ثان من صناعة غارينشيا أيضاً وتسجيل فافا . وجاء الدور على بيليه ليسجل أحد أجمل أهداف كأس العالم في التاريخ عندما تلقى الكرة داخل منطقة الجزاء ورفعها فوق رأس المدافع المنافس متجاوزاً إياه بمهارة مدهشة، وقبل أن تسقط على الأرض سدد في الشباك، ثم سجل زاغالو الهدف الرابع، وقلصت السويد النتيجة 2-4 لكن بيليه سجل الهدف الخامس، لينخرط جميع البرازيليين داخل الملعب وخارجه بالبكاء بعدما ثأروا لموقعة الماراكانا المذلة عام 1950 .
بعد 29 يونيو/حزيران 1958 أصبح من المعتاد ترشيح البرازيل للفوز بكأس العالم قبل انطلاق منافسات البطولة، وبعد أربع سنوات في تشيلي، حققت المنتخب اللقب للمرة الثانية على التوالي كإنجاز غير مسبوق لأي منتخب آخر، والذي تعزز بلقب ثالث في مونديال 1970 وبتربع بيليه على عرش نجوم الكرة، باعتباره الوحيد في العالم الذي فاز بالكأس ثلاث مرات كلاعب .
كان بيليه قادراً على الإبداع والمفاجأة والابتكار كلما لمس الكرة، فهو منذ أن لفت انتباه اللاعب البرازيلي السابق فالديمار دي بريتو عندما كان في الحادية عشرة من عمره، عرف بموهبته التي جعلت نادي سانتوس يضمه إلى صفوفه ولعب في سن ال15 أول مباراة رسمية له وكانت ضد كورينثيانز وسجل هدفاً كان شاهداً على بدء أسطورته .
وسجل بيليه هدفه المونديالي الأول في مرمى ويلز خلال كأس العالم ،1958 ثم سجل ثلاثية في مرمى فرنسا في نصف النهائي، وهدفين رائعين في النهائي أمام السويد إلى درجة أن المدافع السويدي سيجي بارلينغ قال "بعد الهدف الخامس انتابتني رغبة في التصفيق تحية له" .
أما تارشيزيو بورجنيتش المدافع الإيطالي الذي كان مكلفاً بمراقبة بيليه في نهائي مونديال 1970 الذي فازت به البرازيل 4-1 فقال "قبل المباراة كنت أقول لنفسي: إنه مجرد إنسان من لحم ودم مثلي، ولكني فهمت بعد ذلك أنني كنت مخطئاً" .
كان بيليه لا يشبه أي لاعب آخر في ذلك الزمان وماكينة أهداف لاتهدأ، فقد سجل 127 هدفاً في سنة ،1959 و110 أهداف في ،1961 وفاز بكأس ليبرتادوريس مرتين (سنتي 1962 و1963)، وبكأس الإنتركونتينينتال مرتين (سنتي 1962 و1963)، وببطولة ساو باولو تسع مرات .
وفي عام ،1969 سجل بيليه هدفه الشخصي رقم ألف، وطوال مسيرته شهدت 6 مباريات تسجيله 5 أهداف، وشهدت 30 مباراة تسجيله 4 أهداف، وشهدت 92 مباراة تسجيله 3 أهداف، وأمام بوتافوغو في عام ،1964 سجل ثمانية أهداف دفعة واحدة، وبلغ مجموع أهدافه 1281 هدفاً في 1363 مباراة و92 مشاركة مع المنتخب .

تواريخ مهمة

* عام 1902:
كانت ساو باولو أول ولاية في البرازيل تطلق بطولة محلية عرفت باسم "باوليستا"، وقد تأسست في هذه الولاية عدة فرق أهمها الآن ساو باولو وبالميراس وسانتوس وكورينثيانز .

* عام 1906:
أصبحت ريو دي جانيرو ثاني ولاية تطلق بطولة محلية عرفت باسم "كاريوكا" . ومن أشهر فرق هذه الولاية فلامنغو وفلومينيزي وفاسكو دو غاما وبوتافوغو .

* عام 1914:
تأسس الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، ومعه انطلق المنتخب البرازيلي نحو المنافسات الدولية حيث حقق لقب كوبا أمريكا لأول مرة في عام 1919 .

* عام 1962:
سانتوس بقيادة "الملك" بيليه يصبح أول فريق برازيلي في التاريخ يحرز بطولة قارية عندما توج بلقب كأس ليبراتادوريس الذي عاد واحتفظ بها عام 1963 .

* عام 1971:
بعد عقود من الانتظار أقيمت أول بطولة دوري موحدة في البرازيل شارك فيها 20 نادياً من مختلف أنحاء البلاد، وهي تعد النسخة الأولى من الدوري البرازيلي، وقد أحرز اللقب فريق أتليتيكو مينييرو المغمور وقتها بشكل مفاجئ .

"الخطاف" الذي جعل البرازيليين يحبون كرة القدم

ولد الأسكتلندي تشارلز ميلر في بلاده أمه البرازيل، إلا أنه عاد إلى إنجلترا وهو في التاسعة من عمره ليكمل دراسته، وفي عام 1844 بعد التعرف إلى لعبة كرة القدم التي اشتهرت في عموم بريطانيا، ومارسها في مدرسته بانيستر كورت في مدينة ساوثمبتون وأصبح بارعاً ونجماً فيها .
أطلق على ميلر لقب "الخطاف" وهو سجل مع فريق مدرسته 45 هدفاً في 34 مباراة . لقي ميلر بداية صعوبات كثيرة في تسويق لعبة كرة القدم بين البرازيليين، ويروى أن أحد الصحف البرازيلية رفضت أن تنشر له خبراً في صفحاتها عن المباراة الأولى التي قرر ميلر إقامتها بحجة أنها لعبة غرباء تثير السخرية .
وحسب كتاب يروي قصة ميلر وكرة القدم البرازيلية، فإن الشاب الأسكتلندي أقام مباراة بين فريقي سكة الحديد وشركة الغاز البريطانيتين في مدينة ساو باولو وذلك في حقل ترعى فيه الماشية، وكتبت إحدى الصحف المحلية في اليوم التالي إن "مجموعة من البريطانيين المجانين راحوا يركلون ما يشبه مثانة الثور (في إشارة إلى كرة القدم) وكانوا يشعرون بسعادة لا توصف عندما تدخل مثانة الثور تلك في مربع مصنوع من ثلاث خشبات" .