تأليف:
ديفيد إدواردز وديفيد كرومويل

عرض وترجمة:
نضال إبراهيم

تشهد الساحة الإعلامية تحدياً خطيراً بشأن الأخبار الكاذبة، وعدم تحرّي الدقة والموضوعية في نقل الأخبار والتقارير. وهذا بدوره يمكن أن يجلب الكوارث على شعوب معينة بسبب معلومات خاطئة وصلت الرأي العام. يناقش هذا الكتاب أساليب وسائل الإعلام التجارية في توجيه حملات ضد شخصيات ودول ومؤسسات، ويدعو للعودة إلى النزاهة والصدق في نقل صورة ما يحدث في الواقع، والابتعاد عن تشويهه، في سبيل الدفع باتجاه مستقبل مشرق للجميع.

يتوجه الكتاب بسؤال إلى القراء وهو: هل تثق بوسائل الإعلام الليبرالية؟ في الوقت الذي تتعرض فيه صحف التابلويد واليمين - «ذا صن»، و«التايمز»، و«ميل، و«إكسبرس»- لانتقادات مستمرة بسبب التحيز الخطير، فإن وسائل إعلامية مثل «بي بي سي» و«الجارديان»، يثق بها قراؤها من منطلق أنها تعبر عن مصالح الجماهير. ومع ذلك، تجد في جميع وسائل الإعلام التجارية حدوث عملية إعلامية بعيدة عن المصداقية.. ما الذي يحدث وكيف؟

يظهر هذا العمل أن وسائل الإعلام التجارية لا تقوم فقط «بتلفيق» الأخبار، بل إنها تشوه كل ما تلمسه، وتخفي القضايا الحقيقية عن الرأي العام، وغالباً ما تقلب الحقيقة رأساً على عقب تماماً. ويكشف عن جملة من الحملات من الأعلى إلى الأسفل وراء تقارير متعلقة بالحرب في العراق وسوريا وفلسطين، فضلاً عن تدمير مصداقية شخصيات من اليسار، منهم جيرمي كوربين، ورسل براند، وهوجو تشافيز وغيرهم.
يأتي الكتاب بعد المقدمة في 12 فصلاً، وعناوين الفصول هي: 1) تشريح الدعاية الهجومية. 2) تدمير كوربين. 3) تشويه أسانج، العلامة التجارية وتشافيز. 4) «إسرائيل» وفلسطين: «ننتظر في خوف لأجل مكالمة هاتفية من «الإسرائيليين». 5) ليبيا: «كل شيء عن النفط». 6) سوريا: السياق المستمر في ترويج الحرب. 7) اليمن: تغذية المجاعة. 8)»بي بي سي«كوسيلة للدعاية. 9) تفكيك خدمة الصحة الوطنية. 10) الاستقلال الإسكتلندي: «الابتهالات المذهلة» من التحيز. 11) الفوضى المناخية: طارئ غير مريح. 12) «الأخبار المزيفة» والصحافة الموضوعية والنموذج غير المرتبط بالأعمال.

الخدعة الكبرى

يقول الكاتبان في مقدمتهما التي عنوناها ب«خدعة الشيطان الكبرى»: نتذكر عبارة من فيلم «المشتبهون الاعتياديون» في عام 1995 تقول: «أكبر خدعة استطاع الشيطان أن ينشرها هي إقناع العالم بأنه غير موجود»، وعلى غرار العبارة الفيلمية، أكبر خدعة استطاعت وسائل الإعلام التجارية أن تروجها هي إقناع العالم بأن الانحياز الإعلامي غير موجود لديها.
ويشيران إلى أن وسائل الإعلام البريطانية والأمريكية المملوكة لشركات تمارس تحيّزاً في عملها، ويتضح ذلك في الصفحات الأولى على الصحف أو البرامج الجماهيرية، ويذكران أن هذه الشركات الإعلامية تمارس فلترة كبيرة بشكل منتظم وممنهج في تعليقاتها وتقاريرها بحسب مصالحها وتمويلها وإدارتها في كل قضية سواء تعلقت بحزب سياسي أو مسألة اقتصادية أو دول مثل العراق، وليبيا، وسوريا، وفنزويلا، أو مسائل مثل تغير المناخ، والتوقعات الخاصة بالحياة البشرية وغيرها.
ويضيفان: في الواقع، تعمل وسائل الإعلام التجارية مثل العدسات المكبّرة العملاقة التي تحوم العالم، لتسلط الضوء على الحقائق التي تفيد القادة والأصوات والدول الحليفة والأحزاب الصديقة للشركات. كما أنها تضخّم الحقائق التي تقوّض وتلحق الضرر بالأصوات، والمجموعات، والقادة والأحزاب غير الصديقة للشركات. إنها فقط «بشكل طبيعي» تتجنّب التحليق فوق الحقائق التي ربما تحرج «الطيبين»، وفي الوقت نفسه لا يقدمون دعماً «للسيئين».
ربما يبالغ الصحفيون المرتبطون مع الشركات في عدد قتلى الحكومة السورية في سوريا بناء على مصادر مشكوك فيها، لكن لم يكن هناك ذكر على الإطلاق لعدد قتلى الحكومتين البريطانية والأمريكية في العراق، ويشيران إلى أن المراقبة الممنهجة تحدث هنا، وسبق أن ناقشا هذا الموضوع بإسهاب في الفصلين السادس والسابع من كتاب سابق لهما صدر في 2009 عن»بلوتو برس«بعنوان»اللغة الخبرية في القرن الحادي والعشرين«.
حاول المؤلفان في عملهما تحدي وهم نزاهة الإعلام»السائد«، وإظهار أن الإعلام التجاري المرتبط بالشركات هو نظام من التحكم بتفكير الجماهير، ويصران على ضرورة فضح أساليبها لأنها تمنع الجماهير من فهم القضايا ومعرفتها بشكل حقيقي وكامل.

تشريح الدعاية الهجومية

يبدأ الكاتبان بتشريح الدعاية الهجومية أو حملات الدعاية الموجّهة بشكل مركز تجاه جهات معينة، ويقولان: السمة المنظمة للتلاعب الذي تمارسه وسائل الإعلام التجارية تتضمن إطلاق ما نسميه «الدعاية الهجومية»، أي مهاجمة وتشويه سمعة «الأعداء الرسميين»، غالباً ما يحضرون طريقة «للعمل» أو «التدخل» نوعاً ما.
ويضيفان: هذه الحملات الدعائية الموجّهة هي هجمات سريعة الحركة مصمّمة لإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر في أقل وقت ممكن، وهي: 1) قائمة على ادعاءات بوجود أدلة جديدة دراماتيكية. 2) مرتبطة بتكثيف عاطفي عالي المستوى وغضب أخلاقي. 3) مدعومة بشكل واضح من إجماع خبراء وأكاديميين ووسائل إعلام تجارية قوية. 4) مدعومة بتوجيه إدانات قوية لكل من تسول له نفسه التشكيك في الإجماع الواضح. 5) غالباً ما تحدث في توقيت غير متوقع. 6) تتميز بالتنافر الأخلاقي الفكاهي المأساوي.
كما يتوقفان عند تجربتهما في تأسيس «ميديا لينس» في الفصل الثاني من الكتاب قائلين: عندما بدأنا «ميديا لينس» في 2001، كان هدفنا هو اختبار حدود حرية التعبير في كل وسائل الإعلام التجارية، لكن بشكل خاص في وسائل الإعلام المشهورة بنزاهتها وصدقها، وكما هو واضح حدود التفكير المنطقي لم يكن لصالح الصحافة اليمينية مثل «ذا صن» و«ذا تايمز»، بل لصالح «الجارديان»، و«الإندبندنت»، و«تشانل4»، و«بي بي سي».
بدأ «ميديا لينس» مع توقع أن الصحفيين المحترفين سوف يرغبون في خوض غمار الجدل المنطقي كما يقولان، ويضيفان: «افترضنا أن الصحفيين سوف يدافعون عن أنفسهم ضد اتهامات التشويه والتحيّز المدعومة بالأدلة. لأجل دعم هذا الهدف، كنا مصممين على بذل أقصى جهودنا للحفاظ على نبرة مؤدبة وغير عدوانية. إلا أنه سرعان ما اتضح أن الصحفيين الحاصلين على أوسمة شعروا بالفزع المفاجئ. ببساطة كنا نطرح عليهم أسئلة مثل: لماذا تقول هذا أو تكتب هذا، باعتبار أن فلاناً قال هذا؟ يركزان في هذا الفصل على تجربة «بي بي سي» في التعامل مع قضايا حساسة، ويدعمان كلامهما بأمثلة واضحة.

الحقيقة الفلسطينية المغيّبة

إذا لم تكن تفهم التغطية الإعلامية المتعلقة ب«إسرائيل» وفلسطين، فهو بسبب أن: الحقيقة مروعة للغاية، ومحرجة للغاية، بالنسبة لبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وبشكل فعلي وحقيقي ل«إسرائيل»، الحليف الرئيسي للدولتين، بالتالي لا بدّ لهذه الحقيقة أن تخفى، وأن تبعد عن الأنظار، وأن تضلل. في النهاية، الجهل قوة. هكذا يدخل المؤلفان موضوع التغطية المتحيزة للقضية الفلسطينية.
يقولان: في عام 2009، تحدّينا جيرمي بوين محرّر «بي بي سي» لشؤون الشرق الأوسط حول السجل الطويل لشبكة»بي بي سي«بشأن التغطية الإخبارية المتحيّزة لهذه القضايا. أجاب بوين: أوردنا الحقائق حول احتلال»إسرائيل«العديد من المرّات، وسوف نفعل ذلك مرة أخرى.
ويوضحان أكثر: لكنّهم لم يفعلوا. هذا الأمر ببساطة غير صحيح. ما هو غير معروف لغالبية الرأي العام البريطاني هو أن أعداداً ضخمة من الفلسطينيين تعرضت للقتل، وأجبرت على الاقتلاع من أرضها عندما تم تأسيس دولة»إسرائيل«في 1948. المؤرخ «الإسرائيلي» إيلان بابيه وصف الواقع في كتاب صادم بعنوان»التطهير العرقي في فلسطين«. على النقيض من محتوى هذا الكتاب، مشاهدو ومستمعو»بي بي سي«لم يسمعوا بوين أو أي تقرير من»بي بي سي«يتحدّث عن ممارسة»إسرائيل«التطهير العرقي في فلسطين أثناء عملية تأسيس الدولة. لكن الحقائق واضحة بما يكفي.
أشار بابيه إلى أن أكثر من نصف سكان فلسطين الأصليين، ما يقارب 800 ألف، اقتلعوا من أراضيهم وبيوتهم، وتعرّضت 531 قرية للتدمير. هذا الفعل تم على يد القوات العسكرية للكيان الذي أصبح ما يسمى ب»إسرائيل«خلال عملية أطلق عليها «الخطة داليت». كان الهدف هو ممارسة التطهير العرقي لجزء كبير من»العناصر العربية«العدائية في فلسطين. مجازر مروعة حدثت في دير ياسين، عين الزيتون، طنطورة، وأماكن أخرى.
يتوقف الكتاب عند الرقابة الموجودة في «الجارديان»، ويتناولان أحد نماذج الارتهان والخضوع الإعلامي خشية التهجم على الحساسيات «الإسرائيلية» في 2014، عندما أنهت «الجارديان» خدمات الصحفي القدير لديها نافذ أحمد حينما كتب مقالاً عن الحرب في غزة، وذلك حين أشار الصحفي إلى أن «إسرائيل» كانت تسعى إلى خلق «مناخ سياسي» لاستغلال احتياطيات الغاز على شواطئ غزة ( 1.4 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، بقيمة 4 مليارات) والتي اكتشفت على ساحل غزة في عام 2000.

الصحافة الموضوعية

في الفصل الثاني عشر بعنوان: «الأخبار المزيفة» والصحافة الموضوعية والنموذج غير المرتبط بالأعمال، يتوقف الكاتبان عند موضوعية الصحافة ونزاهة الأخبار: في 2016، في أعقاب صعود ترامب و«بريكست»، قام الإعلام السائد بالتركيز على تحيّز الإعلام الجماهيري ونشره «الأخبار الكاذبة» إلى مجتمع «ما بعد الحقيقة». كثافة التركيز دفعت قواميس أكسفورد إلى إعلان أن مصطلح «ما بعد الحقيقة» هو «كلمة سنة 2016»، وأشارت إلى الظروف التي أصبحت فيها الحقائق الموضوعية أقل تأثيراً في تشكيل الرأي العام من النداءات العاطفية والاعتقادات الشخصية.
ويناقش الفصل أيضاً ارتباط الصحافة والإعلام بالأعمال، إذ يقول المؤلفان في هذا السياق: «سرعان ما نبدأ بالقلق بشأن النتائج والنجاح - وفوق كل ذلك»الاحترام«والكسب المالي - سندخل في عالم الأنا؛ نبدأ بمقارنة أنفسنا مع الآخرين، ونتنافس. تصعد الغيرة ونصبح متردّدين في مساعدة الآخرين، حتى وإن كان الناس الآخرون من أصحاب النوايا الحسنة يسعون في الاتجاه نفسه. عندما نركز على الأهداف - حتى هدف جعل العالم مكاناً أفضل - فإننا بذلك نوجّه اهتمامنا نحو المستقبل. ينبغي أن يكون التركيز على التمويل، والتسويق، والاحترام، والمكانة، والتوعية، والنجاح؛ كما ينبغي الحفاظ على الحافز الصادق والمخلص والكامل لأجل ما نفعله.
كما يرى المؤلفان أن المفتاح للعمل الصحفي الحقيقي والنزيه الذي يتخذ من الموضوعية شعاراً له هو بذل المزيد من الجهود في سبيل ترسيخ التعاطف الإنساني بدلًا من إثارة الأحقاد والغضب.
ويقولان في الخاتمة: لدى الرأي العام قوة هائلة لتوجيه الموارد من الإعلام التجاري المرتبط بالشركات إلى إعلام غير مرتبط بالشركات؛ وهو أمام تحدٍ.. وهذا التحدي لم يعد أضغاث أحلام، بل هو حقيقي وسبق أن حقق اختلافاً كبيراً. ولم يعد هناك من داعٍ للدفع أو بطريقة ما دعم الشركات الإعلامية التي تبيع السياسات المرتبطة بالشركات، والحرب الدائمة، والكارثة المناخية. كل ما نحتاجه هو دعم إعلام نزيه ومستقل يواجه هذا النظام التشويهي العنيف وغير المسؤول، والشعب كفيل بأن يتولى إتمام المهمة.

نبذة عن الكاتبين:

* ديفيد إدواردز هو المحرر المشارك والمؤسس المشارك ل«ميديا لينس».

وهو مؤلف كتاب «كن حراً لتكون إنساناً» (1995)، «ثورة الرأفة» (1998)، والمؤلف مشارك مع ديفيد كرومويل لكتاب «حرّاس السلطة» (2006)، وله أيضاً كتاب «اللغة الخبرية في القرن الحادي والعشرين» (2009).

* ديفيد كرومويل هو المحرر المشارك والمؤسس المشارك ل«ميديا لينس».

له عدد من الكتب منها «الكوكب الخاص» (2001)، ولماذا نحن الطيبون؟ (2012). وهو شريك مع ديفيد إدواردز في العديد من الأعمال التي ذكرناها أعلاه.