القاهرة: «الخليج»
لم تعد الإدانة تكفي لمواجهة جماعات التطرف والتكفير التي ابتلي بها العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة، فمواجهة هذه الجماعات الضالة تتطلب حصارا فكريا يكشف أباطيلها ويعريها أمام جماهير المسلمين في كل مكان.
وأحدث هذه المواجهات الفكرية تمثلت في موسوعة علمية تبناها العالم الأزهري د. علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ومفتي مصر السابق، حيث كلف مجموعة من الباحثين المتخصصين في العقيدة والشريعة الإسلامية والسنة النبوية والفقه الحضاري بحصر أكاذيب التكفيريين والرد عليهم بما يدحض أباطيلهم.
وقد أكد د. جمعة في مقدمة الجزء الأول من الموسوعة العلمية، الذي يرد على الفكر المتشدد في أمور العقيدة، أن هذه الجماعات الضالة التي ابتلي بها عالمنا الإسلامي وزاد خطرها في السنوات الأخيرة تحتاج إلى مواجهة فكرية جادة، إذ لم يعد الحل الأمني كافيا لحماية مجتمعاتنا العربية والإسلامية من مخاطرها.
منيت الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل بجماعات الخوارج وحركات البغي الذين خالفت أفعالهم أقوالهم، وزينوا للناس ظواهرهم على حساب بواطنهم، وتحول الدين عندهم إلى طقوس وممارسات خلت من القيم والأخلاق والمعاملات الإنسانية، حتى صاروا أضر على الدين من أعدائه الصرحاء ومناوئيه الألداء، وكانوا نقطة سوداء في حياة الأمة؛ لا يكاد المسلمون يفرغون من القضاء على فتنة من فتنهم حتى تظهر لهم نابتة هنا أو هناك، وكلما انقطع لهم قرن أطل لهم قرن آخر.. حتى يخرج آخرهم مع الدجال؛ كما جاء في الحديث الشريف.
وقد أصيبت الأمة في هذا العصر بأشد نوابتهم وأضرها على الدين، حين خرجت خارجتهم على الخلافة الإسلامية بإيعاز من الاستعمار وأذنابه، الذي شجع تلاميذهم الجدد، ونفخ رمادهم، وفرح بضلالهم، فقتلوا المسلمين، وسفكوا الدماء، وانتهكوا الحرمات، وعاثوا في الأرض فسادا وإفسادا بدعوى الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تكاد تخبو لهم نابتة شر في مكان حتى تظهر في مكان آخر، ولا يرى الناس منها إلا كيانات شيطانية تسمّت بالأسماء الإسلامية، وجماعات تلبس رداء الإسلام، وتحمل قلوبا شديدة الخصام.
وأكثر ما تميزت به أوائل هذه النوابت في العصر الحديث: هو غيابها عن علم أصول الفقه، وافتقارها الشديد إلى دراسة مسائله والاطلاع على مدارسه، وافتقادها الأشد لميزانه الدقيق في إدراك قواعد الفهم وسبل الاستنباط، حتى ظهر عوارهم أمام علماء الأزهر الشريف وهم يردون فتنتهم، وصار هذا الصرح الشامخ والمعهد الباذخ والطود الراسخ أكبر شوكة في حلوقهم، وأشد قاصمة لظهورهم.
ومن هنا جاء هذا الجزء من موسوعة «الرد على خوارج العصر» متناولاً ما شوهه هؤلاء الجهلاء من هذا الركن المهم من أركان العلوم الإسلامية، تصحيحا لصورته، وإثباتا لانقطاعهم عنه وافتقادهم سنده الصحيح رواية ودراية.
سر تشددهم وتطرفهم
في محاولة لمعرفة أوجه الخلل عندهم تناول البحث شيئا من هذه الممارسات وأسبابها، وذلك من خلال نقاط كثيرة؛ منها:
** الطعن في القواعد والضوابط الأصولية، بدعوى أنها مخالفة للكتاب والسنة النبوية، وجهل هؤلاء أن علم الأصول هو علم الفحول، ويحتاج إلى دقة الفهم وعمق التفكير، وقواعده الأصولية مسوغة لتنوع طرق الاستنباط، ومعينة على معرفة أسباب اختلاف العلماء والمذاهب، وذلك كله لا يتناسب مع أحادية الرأي وديكتاتورية الفكر التي انتهجها الخوارج في تعاملهم مع المخالف، ولذلك كان ديدنهم الطعن في قواعد أصول الفقه التي صعبت على أفهامهم، وإنكار دقائقه التي لا تتلاءم مع سطحيتهم.
** تحريم العلوم العقلية وتجنبها وأثر ذلك في نقص استيعاب العلوم النقلية، فحرم هؤلاء تعلم علوم المعقولات، وجعلوا علم المنطق من البدع المنكرة والمحظورات الشرعية، وصاروا ينظرون إليها نظر الحذر منها، المترصد لضلالاتها وبدعها، وصار هذا التحريم من أكبر الأسباب التي أدت بهم إلى هذا الخلط والتخبط في تناول علم أصول الفقه.
** القراءة التطويعية مع التلقي دون مناقشة، حيث عمد هؤلاء في طريقة تدريسهم لعلم الأصول إلى إلغاء المنهج الأصولي القائم على المناقشة وإثارة الأسئلة للوصول إلى الفهم، والاستعاضة عن ذلك بمنهج تلقي الإجابات المسبقة الذي يفرغ عملية الدرس الأصولي من مضمونها.. كما عمدوا إلى قراءة كتب الأصول بمناهج مختلفة عن مقاصد أصحابها، وتفسيرها بطريقة تطويعية؛ لتظهر متوافقة مع المشرب المتشدد الذي يريدون حمل الناس عليه.
الاستهانة بالمقاصد الشرعية
ومن الموضوعات التي تناولها البحث: استهانة النابتة بالمقاصد الشرعية العليا (حفظ النفس، والعقل، والدين، والعرض، والمال)، حيث جاء الإسلام بالحفاظ على هذه المقاصد الشرعية الكلية العليا، وعلى هذه المقاصد دارت أحكام الشريعة.. كما حافظ الإسلام على النفوس والمهج والأرواح؛ فجعل الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو السلم والتعايش، ونهى عن الاعتداء وسفك الدماء، ودعا إلى احترام المعاهدات وعقود الأمان بين الناس.
أما عند المتشددين فقد أدى غياب الدرس الأصولي وتهميشه في بيئتهم الثقافية إلى استهانتهم بل وتضييعهم لكثير من المقاصد الشرعية العليا. ومن تجليات ذلك عندهم:
** استباحة احتقار المسلمين واستسهال الطعن في أعراضهم: حيث أباح الخوارج لأنفسهم وأتباعهم احتقار الخلق، والطعن في أعراض إخوانهم المسلمين، والوقوع بالسب والشتم في من لم يكن على شاكلتهم ولم يوافقهم على مشاربهم الشاذة، فلم يسلم منهم عالم من علماء المسلمين إلا لمزوه أو غمزوه.
** رفض التعايش والسلم، ومحاربة مبادئ المواطنة والمعاملة بالمثل: حيث جعلوا عداء المسلم لغير المسلمين ركنا سادسا من أركان الإسلام، وعدوا إقامة المسلم في بلاد غير المسلمين، أو حتى في بلاد المسلمين بين غير المسلمين، من العلامات الدالة على كفره، وأن المسلم لا بد أن يكنّ العداوة لغير المسلمين، ولا بد له أن يصرح لهم بهذه العداوة حتى ولو تركوه من غير إنكار عليه، وأنكروا مبدأ المواطنة والمعاملة بالمثل، وألفوا في ذلك الرسائل؛ محتجين بأحاديث اقتطعوها عن سياقاتها ليصلوا بذلك إلى تأييد مشاربهم المتطرفة بما يتيح لهم إطلاق ألسنتهم بتكفير من لا يوافق مناهجهم الفاسدة.
** الأصل عندهم في العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو الحرب والقتال وليس السلم، وأنه يجب على المسلمين شن الحرب ضد غير المسلمين في كل مكان.. أما الذي عليه علماء الأمة أهل المنهج الوسطي: فهو ما فهمه المسلمون عبر العصور؛ من أن الأصل في العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين هو التعايش والسلم وليس الحرب؛ لقوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾.
**دعواهم أن سبب القتال هو مجرد الكفر لا ردع العدوان وصد الطغيان؛ حتى استهانوا بالنفوس والمهج واستسهلوا الهجوم وسفك الدماء بلا حجة ولا برهان، ومحوا مصطلح «الآخر» من الوجود في قاموسهم الفكري الذي ينسبونه زوراً إلى الشرع؛ فرسخوا في عقول أتباعهم أنه حيثما وجد الكفر وجد القتل ووجب القتال حتى لو فني الناس تقتيلا وسفكا للدماء.
** الاستهانة بالتكفير والمتواليات التكفيرية، وعدم الاعتداد بقول «لا إله إلا الله»: فقد استهان هؤلاء بتكفير المسلمين، حتى وصلوا إلى استخدام المتواليات التكفيرية التي تتوسع بها دائرة الاتهام بالكفر.. فضلا عن الاستهانة بكرامة الإنسان واستحلال أعراض الخلق من مخالفيهم تحت دعاوى تطبيق الدين.
** تولد خوارج العصر من رحم هذا الفكر، فهؤلاء الساعون في الأرض بالفساد؛ تكفيرا للمسلمين وإزهاقا للأرواح وسفكا للدماء؛ بدءا من حركة الإخوان في نجد «إخوان من طاع الله»، وطبعت الكتب ورصدت الأموال لنشر هذا الفكر التكفيري، إلى أن حمل لواء ضلاله بعد ذلك سيد قطب في صورة واضحة وعنيفة.. ثم ترجمه بعده بشكل إجرائي سلوكي تنظيمي: تلميذه شكري مصطفى، في تأسيسه «جماعة المسلمين» المعروفة باسم «جماعة التكفير والهجرة»، وتوالت بعد ذلك جماعات التكفير، ثم تبعتها جماعات التفجير والتدمير مؤخرا؛ ك«داعش» وغيرها، وكلها من رحم هذا البلاء والمستنقع الآسن تكفيرا وتفجيراً وتدميراً وتخريباً.
وهذا الفكر الأهوج هو الذي أصاب الأمة الإسلامية بالبلاء في أمنها ودمائها وأعراضها ومقدراتها؛ فاستحلت هذه الشراذم الفاسدة دماء المسلمين وحرماتهم وأعراضهم أحياء وأمواتا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه».
ومن بدعهم المنهجية: اختزال مصادر المعرفة عندهم في الوحي دون الوجود، مع أن الكل من الله، وخلطهم بين أنواع الدلالات المختلفة؛ الشرعية والعقلية والعادية والحسية والوضعية، وجهلهم بأقسام حكم العقل؛ فلا يفرقون بين الواجب والممكن والمستحيل، توسعهم في دعاوى نسخ الآيات القرآنية يقف حائلا دون فهم عموم الكتاب وهدايته، وزعمهم أن عدم فعل الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ناسخ للقرآن الكريم، وتقديمهم السنة على القرآن.
ومن بدعهم في العبادات: دعواهم سنية القبض بعد الرفع من الركوع، وأن التلفظ بالنية بدعة، وتبديع صلاة التسابيح، وتحريم تلقين الميت وقراءة القرآن له، وتحريم الذكر الجماعي المنظم مع إجازة الذكر الجماعي المشوش، وتبديع قنوت الفجر، وتبديع المداومة على قراءة السجدة في فجر الجمعة، ورفع اليدين في دعاء خطبة الجمعة، ومسح الوجه باليدين بعد الدعاء، والذكر بالسبحة، والصلاة في المساجد التي فيها أضرحة الصالحين، وقولهم بمشروعية الصلاة بالأحذية على سجاد المساجد.
ومن إطلاقاتهم وألفاظهم المبتدعة التي لم يسبقهم إليها سلف ولا خلف: إطلاقهم أن الله معنا بذاته، وأن له تعالى حدا، وأنه تعالى قاعد وجالس على عرشه، وأن له تعالى عينين، وأن عينيه في وجهه، وأن له يدين، كلتاهما يمين وفي كل منهما أصابع، وأن كلام الله تعالى الذي هو صفته القديمة حرف وصوت، وأن الحرف قديم، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينفع ولا يضر، وليس وسيلة عند الله، ولا يجوز التبرك به، وأن أبويه - عليهما السلام - كافران وأنهما في النار، وأن الاحتفال بيوم مولده الشريف فرح بالباطل، وأن الضريح النبوي وثن، فجل مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما يقوله الظالمون، ويفتريه الكاذبون.
معاول لهدم السنة
ومن أهم وأخطر المباحث التي تطرق إليها الكتاب: بيان معاول الخوارج في هدم السنة النبوية الشريفة؛ حيث كشف البحث عن ضلالهم في تناول السنة وتخبطهم في التعامل معها، مع أنهم يظهرون أمام الناس بمظهر المنافح عنها، الناظر في أسانيدها، والممحص لمتونها، وينسبون أنفسهم إليها، ويضعون لأنفسهم ألقابا رنانة وأوصافا طنانة يفهمون بها الناس أنهم أهلها وحملتها وحفظتها، ويرمون بالضلال من لم يوافقهم على مناهجهم السطحية وأفهامهم السقيمة.. مع أن الناظر في حقيقة أقوالهم وطريقة تناولهم للسنة النبوية الشريفة يدرك أنهم أبعد الناس عن فهمها والتجرد في قبولها والقدرة على دراسة أسانيدها ومتونها، وأنهم يهدمون السنة باسم السنة، ويقفون حجر عثرة وحاجز صد بينها وبين الناس، وذلك من خلال المظاهر الآتية:
- القراءة المبتسرة المجتزأة السطحية للسنة النبوية، حيث يستدل هؤلاء على آرائهم الفاسدة، خاصة بما يكفرون به السواد الأعظم من المسلمين، بأحاديث مقتطعة من سياقاتها وأسباب ورودها ووقائع أعيانها، وهم يكتفون فيما يوردونه من المسائل بالنصوص التي توهم تأييدهم، غاضين الطرف عن باقي الأدلة والنصوص التي تكشف تدليسهم وتلبيسهم، كما أنهم يقرؤون السنة النبوية قراءة موجهة لا علاقة لها - في كثير من الأحيان - بمنظومة القيم التي جاء بها النبي المصطفى، صلى الله عليه وآله وسلم، والتي كانت عبر القرون أكبر مدخل لتبليغ العالمين دين الإسلام، وأعظم سبب لدخول الناس في دين الله أفواجا.
- بدعة تقسيمهم دواوين السنة الشريفة إلى صحيح وضعيف، وهذه بدعة نكراء لم يسبقهم إليها أحد من أهل العلم بالحديث؛ ودعواهم في ذلك أن أصحاب السنن كانوا متساهلين في إيراد الأحاديث الضعيفة، وأن هذا له أثر سيئ في المسلمين! وتعدى ذلك من كتب السنن إلى مصنفات العلماء الأخرى؛ وفي هذا تسلط على كتب السلف، وتجهيل لعلماء الأمة ومحدثيها فيما وضعوه من مصنفات هم أدرى بمنهجهم فيها!
- جرأة المتشددين على تضعيف السنن وتسلطهم على الأحاديث النبوية، وهذه بدعة أخرى سار عليها هؤلاء، وتربى عليها طلبتهم، ودرج عليها صغارهم؛ وهي جراءتهم الشديدة على الأحاديث النبوية الشريفة؛ تضعيفا لكثير من أسانيدها ومتونها، وطعنا في رواتها، حتى ولو كانت أحاديث في الصحاح المعتمدة عند علماء المسلمين.
- إنكار علم التجويد وكيفية الأداء في تلاوة القرآن، حيث زعموا أن التجويد غير لازم في قراءة القرآن وتعلمه.
- إنكار الكتابة القرآنية على المساجد وزخرفتها مع أن كتابة القرآن الكريم على جدران المساجد هو من الأمور المستحسنة التي درج عليها المسلمون عبر القرون في مساجدهم ومعاهدهم ومعالم حضارتهم التي عمروها وشيدوها في شرق الدنيا وغربها.
- إنكار بناء المساجد على أضرحة الصالحين، حيث حرموا بناء المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، وجعلوا ذلك من وسائل الشرك، وحرموا الصلاة في المساجد التي فيها قبور وأضرحة، وأبطلوها، وصنفوا في ذلك المصنفات المتكاثرة، وأقاموا عليها الدنيا وشغلوا بها الناس؛ حتى سموها «مشاهد الشرك»، وأوجبوا هدمها، وكفروا بها المسلمين، وسفكوا من أجل ذلك الدماء، وانتهكوا الحرمات، وكل ذلك بسبب سوء فهمهم من غير التفات إلى ما فعله المسلمون بالمقام النبوي الشريف، بل زادوا على ذلك اتهام المسلمين بمخالفة النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، حين وسعوا المسجد النبوي وبنوه على قبره الشريف ومقامه المنيف، صلى الله عليه وآله وسلم، وأوجبوا هدم المساجد التي بنيت على قبور الأنبياء والصالحين، ولولا حفظ الله تعالى لقبر رسوله المصطفى وحبيبه المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم لتسلطوا عليه بالهدم، ولكن الله سلم! ولا يزال بعض جهلتهم يدعون إلى ذلك إلى يومنا هذا! والله مبطل كيدهم، وكافٍ شرهم.
والحق أن دعوى التحريم هذه دعوى باطلة، وأن القول بأن الصلاة في هذه المساجد صلاة باطلة هو قول مبتدع لا سند له، بل أجازت الشريعة ذلك؛ بناء وصلاة، بل واستحبته، وذلك بالكتاب، والسنة، وفعل الصحابة، وإجماع الأمة الفعلي.
لم تعد الإدانة تكفي لمواجهة جماعات التطرف والتكفير التي ابتلي بها العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة، فمواجهة هذه الجماعات الضالة تتطلب حصارا فكريا يكشف أباطيلها ويعريها أمام جماهير المسلمين في كل مكان.
وأحدث هذه المواجهات الفكرية تمثلت في موسوعة علمية تبناها العالم الأزهري د. علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ومفتي مصر السابق، حيث كلف مجموعة من الباحثين المتخصصين في العقيدة والشريعة الإسلامية والسنة النبوية والفقه الحضاري بحصر أكاذيب التكفيريين والرد عليهم بما يدحض أباطيلهم.
وقد أكد د. جمعة في مقدمة الجزء الأول من الموسوعة العلمية، الذي يرد على الفكر المتشدد في أمور العقيدة، أن هذه الجماعات الضالة التي ابتلي بها عالمنا الإسلامي وزاد خطرها في السنوات الأخيرة تحتاج إلى مواجهة فكرية جادة، إذ لم يعد الحل الأمني كافيا لحماية مجتمعاتنا العربية والإسلامية من مخاطرها.
منيت الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل بجماعات الخوارج وحركات البغي الذين خالفت أفعالهم أقوالهم، وزينوا للناس ظواهرهم على حساب بواطنهم، وتحول الدين عندهم إلى طقوس وممارسات خلت من القيم والأخلاق والمعاملات الإنسانية، حتى صاروا أضر على الدين من أعدائه الصرحاء ومناوئيه الألداء، وكانوا نقطة سوداء في حياة الأمة؛ لا يكاد المسلمون يفرغون من القضاء على فتنة من فتنهم حتى تظهر لهم نابتة هنا أو هناك، وكلما انقطع لهم قرن أطل لهم قرن آخر.. حتى يخرج آخرهم مع الدجال؛ كما جاء في الحديث الشريف.
وقد أصيبت الأمة في هذا العصر بأشد نوابتهم وأضرها على الدين، حين خرجت خارجتهم على الخلافة الإسلامية بإيعاز من الاستعمار وأذنابه، الذي شجع تلاميذهم الجدد، ونفخ رمادهم، وفرح بضلالهم، فقتلوا المسلمين، وسفكوا الدماء، وانتهكوا الحرمات، وعاثوا في الأرض فسادا وإفسادا بدعوى الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تكاد تخبو لهم نابتة شر في مكان حتى تظهر في مكان آخر، ولا يرى الناس منها إلا كيانات شيطانية تسمّت بالأسماء الإسلامية، وجماعات تلبس رداء الإسلام، وتحمل قلوبا شديدة الخصام.
وأكثر ما تميزت به أوائل هذه النوابت في العصر الحديث: هو غيابها عن علم أصول الفقه، وافتقارها الشديد إلى دراسة مسائله والاطلاع على مدارسه، وافتقادها الأشد لميزانه الدقيق في إدراك قواعد الفهم وسبل الاستنباط، حتى ظهر عوارهم أمام علماء الأزهر الشريف وهم يردون فتنتهم، وصار هذا الصرح الشامخ والمعهد الباذخ والطود الراسخ أكبر شوكة في حلوقهم، وأشد قاصمة لظهورهم.
ومن هنا جاء هذا الجزء من موسوعة «الرد على خوارج العصر» متناولاً ما شوهه هؤلاء الجهلاء من هذا الركن المهم من أركان العلوم الإسلامية، تصحيحا لصورته، وإثباتا لانقطاعهم عنه وافتقادهم سنده الصحيح رواية ودراية.
سر تشددهم وتطرفهم
في محاولة لمعرفة أوجه الخلل عندهم تناول البحث شيئا من هذه الممارسات وأسبابها، وذلك من خلال نقاط كثيرة؛ منها:
** الطعن في القواعد والضوابط الأصولية، بدعوى أنها مخالفة للكتاب والسنة النبوية، وجهل هؤلاء أن علم الأصول هو علم الفحول، ويحتاج إلى دقة الفهم وعمق التفكير، وقواعده الأصولية مسوغة لتنوع طرق الاستنباط، ومعينة على معرفة أسباب اختلاف العلماء والمذاهب، وذلك كله لا يتناسب مع أحادية الرأي وديكتاتورية الفكر التي انتهجها الخوارج في تعاملهم مع المخالف، ولذلك كان ديدنهم الطعن في قواعد أصول الفقه التي صعبت على أفهامهم، وإنكار دقائقه التي لا تتلاءم مع سطحيتهم.
** تحريم العلوم العقلية وتجنبها وأثر ذلك في نقص استيعاب العلوم النقلية، فحرم هؤلاء تعلم علوم المعقولات، وجعلوا علم المنطق من البدع المنكرة والمحظورات الشرعية، وصاروا ينظرون إليها نظر الحذر منها، المترصد لضلالاتها وبدعها، وصار هذا التحريم من أكبر الأسباب التي أدت بهم إلى هذا الخلط والتخبط في تناول علم أصول الفقه.
** القراءة التطويعية مع التلقي دون مناقشة، حيث عمد هؤلاء في طريقة تدريسهم لعلم الأصول إلى إلغاء المنهج الأصولي القائم على المناقشة وإثارة الأسئلة للوصول إلى الفهم، والاستعاضة عن ذلك بمنهج تلقي الإجابات المسبقة الذي يفرغ عملية الدرس الأصولي من مضمونها.. كما عمدوا إلى قراءة كتب الأصول بمناهج مختلفة عن مقاصد أصحابها، وتفسيرها بطريقة تطويعية؛ لتظهر متوافقة مع المشرب المتشدد الذي يريدون حمل الناس عليه.
الاستهانة بالمقاصد الشرعية
ومن الموضوعات التي تناولها البحث: استهانة النابتة بالمقاصد الشرعية العليا (حفظ النفس، والعقل، والدين، والعرض، والمال)، حيث جاء الإسلام بالحفاظ على هذه المقاصد الشرعية الكلية العليا، وعلى هذه المقاصد دارت أحكام الشريعة.. كما حافظ الإسلام على النفوس والمهج والأرواح؛ فجعل الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو السلم والتعايش، ونهى عن الاعتداء وسفك الدماء، ودعا إلى احترام المعاهدات وعقود الأمان بين الناس.
أما عند المتشددين فقد أدى غياب الدرس الأصولي وتهميشه في بيئتهم الثقافية إلى استهانتهم بل وتضييعهم لكثير من المقاصد الشرعية العليا. ومن تجليات ذلك عندهم:
** استباحة احتقار المسلمين واستسهال الطعن في أعراضهم: حيث أباح الخوارج لأنفسهم وأتباعهم احتقار الخلق، والطعن في أعراض إخوانهم المسلمين، والوقوع بالسب والشتم في من لم يكن على شاكلتهم ولم يوافقهم على مشاربهم الشاذة، فلم يسلم منهم عالم من علماء المسلمين إلا لمزوه أو غمزوه.
** رفض التعايش والسلم، ومحاربة مبادئ المواطنة والمعاملة بالمثل: حيث جعلوا عداء المسلم لغير المسلمين ركنا سادسا من أركان الإسلام، وعدوا إقامة المسلم في بلاد غير المسلمين، أو حتى في بلاد المسلمين بين غير المسلمين، من العلامات الدالة على كفره، وأن المسلم لا بد أن يكنّ العداوة لغير المسلمين، ولا بد له أن يصرح لهم بهذه العداوة حتى ولو تركوه من غير إنكار عليه، وأنكروا مبدأ المواطنة والمعاملة بالمثل، وألفوا في ذلك الرسائل؛ محتجين بأحاديث اقتطعوها عن سياقاتها ليصلوا بذلك إلى تأييد مشاربهم المتطرفة بما يتيح لهم إطلاق ألسنتهم بتكفير من لا يوافق مناهجهم الفاسدة.
** الأصل عندهم في العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو الحرب والقتال وليس السلم، وأنه يجب على المسلمين شن الحرب ضد غير المسلمين في كل مكان.. أما الذي عليه علماء الأمة أهل المنهج الوسطي: فهو ما فهمه المسلمون عبر العصور؛ من أن الأصل في العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين هو التعايش والسلم وليس الحرب؛ لقوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾.
**دعواهم أن سبب القتال هو مجرد الكفر لا ردع العدوان وصد الطغيان؛ حتى استهانوا بالنفوس والمهج واستسهلوا الهجوم وسفك الدماء بلا حجة ولا برهان، ومحوا مصطلح «الآخر» من الوجود في قاموسهم الفكري الذي ينسبونه زوراً إلى الشرع؛ فرسخوا في عقول أتباعهم أنه حيثما وجد الكفر وجد القتل ووجب القتال حتى لو فني الناس تقتيلا وسفكا للدماء.
** الاستهانة بالتكفير والمتواليات التكفيرية، وعدم الاعتداد بقول «لا إله إلا الله»: فقد استهان هؤلاء بتكفير المسلمين، حتى وصلوا إلى استخدام المتواليات التكفيرية التي تتوسع بها دائرة الاتهام بالكفر.. فضلا عن الاستهانة بكرامة الإنسان واستحلال أعراض الخلق من مخالفيهم تحت دعاوى تطبيق الدين.
** تولد خوارج العصر من رحم هذا الفكر، فهؤلاء الساعون في الأرض بالفساد؛ تكفيرا للمسلمين وإزهاقا للأرواح وسفكا للدماء؛ بدءا من حركة الإخوان في نجد «إخوان من طاع الله»، وطبعت الكتب ورصدت الأموال لنشر هذا الفكر التكفيري، إلى أن حمل لواء ضلاله بعد ذلك سيد قطب في صورة واضحة وعنيفة.. ثم ترجمه بعده بشكل إجرائي سلوكي تنظيمي: تلميذه شكري مصطفى، في تأسيسه «جماعة المسلمين» المعروفة باسم «جماعة التكفير والهجرة»، وتوالت بعد ذلك جماعات التكفير، ثم تبعتها جماعات التفجير والتدمير مؤخرا؛ ك«داعش» وغيرها، وكلها من رحم هذا البلاء والمستنقع الآسن تكفيرا وتفجيراً وتدميراً وتخريباً.
وهذا الفكر الأهوج هو الذي أصاب الأمة الإسلامية بالبلاء في أمنها ودمائها وأعراضها ومقدراتها؛ فاستحلت هذه الشراذم الفاسدة دماء المسلمين وحرماتهم وأعراضهم أحياء وأمواتا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه».
ومن بدعهم المنهجية: اختزال مصادر المعرفة عندهم في الوحي دون الوجود، مع أن الكل من الله، وخلطهم بين أنواع الدلالات المختلفة؛ الشرعية والعقلية والعادية والحسية والوضعية، وجهلهم بأقسام حكم العقل؛ فلا يفرقون بين الواجب والممكن والمستحيل، توسعهم في دعاوى نسخ الآيات القرآنية يقف حائلا دون فهم عموم الكتاب وهدايته، وزعمهم أن عدم فعل الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ناسخ للقرآن الكريم، وتقديمهم السنة على القرآن.
ومن بدعهم في العبادات: دعواهم سنية القبض بعد الرفع من الركوع، وأن التلفظ بالنية بدعة، وتبديع صلاة التسابيح، وتحريم تلقين الميت وقراءة القرآن له، وتحريم الذكر الجماعي المنظم مع إجازة الذكر الجماعي المشوش، وتبديع قنوت الفجر، وتبديع المداومة على قراءة السجدة في فجر الجمعة، ورفع اليدين في دعاء خطبة الجمعة، ومسح الوجه باليدين بعد الدعاء، والذكر بالسبحة، والصلاة في المساجد التي فيها أضرحة الصالحين، وقولهم بمشروعية الصلاة بالأحذية على سجاد المساجد.
ومن إطلاقاتهم وألفاظهم المبتدعة التي لم يسبقهم إليها سلف ولا خلف: إطلاقهم أن الله معنا بذاته، وأن له تعالى حدا، وأنه تعالى قاعد وجالس على عرشه، وأن له تعالى عينين، وأن عينيه في وجهه، وأن له يدين، كلتاهما يمين وفي كل منهما أصابع، وأن كلام الله تعالى الذي هو صفته القديمة حرف وصوت، وأن الحرف قديم، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينفع ولا يضر، وليس وسيلة عند الله، ولا يجوز التبرك به، وأن أبويه - عليهما السلام - كافران وأنهما في النار، وأن الاحتفال بيوم مولده الشريف فرح بالباطل، وأن الضريح النبوي وثن، فجل مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما يقوله الظالمون، ويفتريه الكاذبون.
معاول لهدم السنة
ومن أهم وأخطر المباحث التي تطرق إليها الكتاب: بيان معاول الخوارج في هدم السنة النبوية الشريفة؛ حيث كشف البحث عن ضلالهم في تناول السنة وتخبطهم في التعامل معها، مع أنهم يظهرون أمام الناس بمظهر المنافح عنها، الناظر في أسانيدها، والممحص لمتونها، وينسبون أنفسهم إليها، ويضعون لأنفسهم ألقابا رنانة وأوصافا طنانة يفهمون بها الناس أنهم أهلها وحملتها وحفظتها، ويرمون بالضلال من لم يوافقهم على مناهجهم السطحية وأفهامهم السقيمة.. مع أن الناظر في حقيقة أقوالهم وطريقة تناولهم للسنة النبوية الشريفة يدرك أنهم أبعد الناس عن فهمها والتجرد في قبولها والقدرة على دراسة أسانيدها ومتونها، وأنهم يهدمون السنة باسم السنة، ويقفون حجر عثرة وحاجز صد بينها وبين الناس، وذلك من خلال المظاهر الآتية:
- القراءة المبتسرة المجتزأة السطحية للسنة النبوية، حيث يستدل هؤلاء على آرائهم الفاسدة، خاصة بما يكفرون به السواد الأعظم من المسلمين، بأحاديث مقتطعة من سياقاتها وأسباب ورودها ووقائع أعيانها، وهم يكتفون فيما يوردونه من المسائل بالنصوص التي توهم تأييدهم، غاضين الطرف عن باقي الأدلة والنصوص التي تكشف تدليسهم وتلبيسهم، كما أنهم يقرؤون السنة النبوية قراءة موجهة لا علاقة لها - في كثير من الأحيان - بمنظومة القيم التي جاء بها النبي المصطفى، صلى الله عليه وآله وسلم، والتي كانت عبر القرون أكبر مدخل لتبليغ العالمين دين الإسلام، وأعظم سبب لدخول الناس في دين الله أفواجا.
- بدعة تقسيمهم دواوين السنة الشريفة إلى صحيح وضعيف، وهذه بدعة نكراء لم يسبقهم إليها أحد من أهل العلم بالحديث؛ ودعواهم في ذلك أن أصحاب السنن كانوا متساهلين في إيراد الأحاديث الضعيفة، وأن هذا له أثر سيئ في المسلمين! وتعدى ذلك من كتب السنن إلى مصنفات العلماء الأخرى؛ وفي هذا تسلط على كتب السلف، وتجهيل لعلماء الأمة ومحدثيها فيما وضعوه من مصنفات هم أدرى بمنهجهم فيها!
- جرأة المتشددين على تضعيف السنن وتسلطهم على الأحاديث النبوية، وهذه بدعة أخرى سار عليها هؤلاء، وتربى عليها طلبتهم، ودرج عليها صغارهم؛ وهي جراءتهم الشديدة على الأحاديث النبوية الشريفة؛ تضعيفا لكثير من أسانيدها ومتونها، وطعنا في رواتها، حتى ولو كانت أحاديث في الصحاح المعتمدة عند علماء المسلمين.
- إنكار علم التجويد وكيفية الأداء في تلاوة القرآن، حيث زعموا أن التجويد غير لازم في قراءة القرآن وتعلمه.
- إنكار الكتابة القرآنية على المساجد وزخرفتها مع أن كتابة القرآن الكريم على جدران المساجد هو من الأمور المستحسنة التي درج عليها المسلمون عبر القرون في مساجدهم ومعاهدهم ومعالم حضارتهم التي عمروها وشيدوها في شرق الدنيا وغربها.
- إنكار بناء المساجد على أضرحة الصالحين، حيث حرموا بناء المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، وجعلوا ذلك من وسائل الشرك، وحرموا الصلاة في المساجد التي فيها قبور وأضرحة، وأبطلوها، وصنفوا في ذلك المصنفات المتكاثرة، وأقاموا عليها الدنيا وشغلوا بها الناس؛ حتى سموها «مشاهد الشرك»، وأوجبوا هدمها، وكفروا بها المسلمين، وسفكوا من أجل ذلك الدماء، وانتهكوا الحرمات، وكل ذلك بسبب سوء فهمهم من غير التفات إلى ما فعله المسلمون بالمقام النبوي الشريف، بل زادوا على ذلك اتهام المسلمين بمخالفة النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، حين وسعوا المسجد النبوي وبنوه على قبره الشريف ومقامه المنيف، صلى الله عليه وآله وسلم، وأوجبوا هدم المساجد التي بنيت على قبور الأنبياء والصالحين، ولولا حفظ الله تعالى لقبر رسوله المصطفى وحبيبه المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم لتسلطوا عليه بالهدم، ولكن الله سلم! ولا يزال بعض جهلتهم يدعون إلى ذلك إلى يومنا هذا! والله مبطل كيدهم، وكافٍ شرهم.
والحق أن دعوى التحريم هذه دعوى باطلة، وأن القول بأن الصلاة في هذه المساجد صلاة باطلة هو قول مبتدع لا سند له، بل أجازت الشريعة ذلك؛ بناء وصلاة، بل واستحبته، وذلك بالكتاب، والسنة، وفعل الصحابة، وإجماع الأمة الفعلي.