إعداد: عبير حسين
لم يتوقف الإنسان يوماً عن مطالعة السماء شغفاً بالنجوم اللامعة، والكواكب السيارة، وفضولاً في التعرف إلى الكون الواسع الذي يلفنا بالظلام والسكون اللانهائي، ليسجل مثل هذا اليوم في العام 1986 آخر مرور لمذنب هالي بالقرب من الأرض والذي يعد أقدم شغف عرفته البشرية بالفضاء الخارجي ويمتد عمره إلى 240 قبل الميلاد عندما سجلته الألواح المسمارية القديمة للحضارتين الصينية والبابلية. وتطور الشغف أكثر بمتابعة المذنب خلال العصور الوسطى في أوروبا وتحول إلى متابعة علمية دقيقة لتحديد دورات اقترابه من الأرض، برع فيها عالم الفلك الإنجليزي إدموند هالي الذي أطلق اسمه على المذنب تكريماً له بعد توثيقه علمياً أول مرور للمذنب في العام 1705 في كتابه الشهير «خلاصة علم الفلك من المذنبات» الذي قدمه بالتعاون مع إسحق نيوتن واعتماداً على قوانينه الجديدة للحركة والجاذبية.
يمكن رؤية «هالي» بالعين المجردة عند اقترابه من الأرض كل 76 عاماً، لذا يشتهر بأنه المذنب الوحيد الذي قد يبدو مرتين في حياة الإنسان، وينتظر عودته في العام 2061.
لم يكن المذنب هالي شغفاً العلماء أو هواة الفلك وحدهم، بل كان أحد أهم الموضوعات الفلسفية التي اهتمت بها الفلسفة الإغريقية القديمة، إذ روج «أرسطو» إلى أن «هالي» أحد الاضطرابات في الغلاف الجوي للأرض، بينما دحض تيخو براهي هذه الفكرة عام 1577 بعد اعتماده قياسات وحسابات فلكية تشير إلى أن المذنبات تكمن وراء القمر.
ورغم أن الفضل يعود إلى إدموند هالي في اكتشاف دورية المذنبات لكنه ليس أول من رصدها، فالتراث الإسلامي يزخر بوصف مذنبات كثيرة من بينها «هالي» نفسه. ويتضح هذا من تطابق تواريخ الرصد مع مواعيد ظهور المذنب (التي تتطلب فقط طرح 76عاماً من تاريخ آخر ظهور). وهنا تحدث «ابن إياس» عن ظهور مذنب «هالي» في كتاب بدائع الزهور عام 1454. كما سجل ظهوره ابن الأثير عام 1222، وقبل ذلك سجله المقريزي في رسالة إتحاف الحنفاء 989. كما سجله ابن الجوزي في كتاب المنتظم 913. أما أقدم تاريخ رصد فيه مذنب هالي فجاء في رسالة خاصة للفيلسوف الكندي وكتاب «الكامل في التاريخ» لابن الأثير عام 222 هجرية الموافق 837 ميلادية.
ويعد التسجيل الأخير أدق وأوضح رصد لمذنب هالي في التراث الإسلامي، فقد ألف عنه الفيلسوف أبو إسحق الكندي رسالة بعنوان «رسالة خاصة فيما رصد من الأثر العظيم الذي ظهر في سنة اثنين وعشرين ومئتين للهجرة» كما وصفه ابن الأثير في قوله «في سنة اثنين وعشرين ومئتين للهجرة ظهر عن يسار القبلة كوكب ذو ذنب وبقي يرى نحو أربعين ليلة وكان أول ما طلع من المغرب ثم رنا نحو المشرق وكان أبيض طويلاً فهال الناس وعظم أمره عليهم. وتتحدث الأخبار عن رعب جماعي أصاب الناس في ذلك الوقت اعتقاداً منهم أن كوكباً غريباً سيسقط على الأرض. وحين اختفى عن الأنظار بقي في ذاكرة الناس».
كما أن هناك مذنبات كثيرة - ورد ذكرها في الرسائل العلمية وكتب التراث العربية - لا تتفق مع دورة هالي - ولكنها تتوافق مع مذنبات أخرى تمر بالأرض في أوقات منتظمة، منها مثلاً المذنب أنكي صاحب أقصر دورة (3.3 عام فقط) والمذنب كوهوتيك (نحو 80عاماً).