إعداد: عبير حسين

تقلب ذاكرة اليوم صفحات التاريخ القديم لتقف مشدوهه أمام حدثين فريدين من عهد الإمبراطورية البيزنطية تجاوزت فيهما مكائد السياسة ومؤامرات القصور كل الحدود، لتصل في أولهما الرغبة في الحكم إلى «اللامعقول» عندما تجردت الإمبراطورة إيرين من كل مشاعر الإنسانية والأمومة فدبرت مكيدة و«سملت» عيني ابنها إقصاءً له من الحكم ورغبة منها في قيادة الجيوش. بينما على العكس منها في الحادثة الثانية بحث الإمبراطور كارل السادس عن تأمين وراثة عرشه بعد وفاة ابنه البكر الوحيد، فأصدر مرسوماً بتعيين ابنته ماريا تيريزا وريثة شرعية وهو الإعلان الذي سبق ولادتها ب 4 أعوام.
في مثل هذا اليوم من عام 767 تجردت الإمبراطورة «إيرين» زوجة الإمبراطور ليو قسطنطين الخامس من كل مشاعر الأمومة، فدبرت بدم بارد مؤامرة ضد ابنها الإمبراطور «قسطنطين السادس» ب «سمل» عينيه، وهي الحادثة التي توفي بعدها بأيام قليلة.
المثير أن ذاكرة التاريخ تحتفظ بسجل هائل من فشل الإمبراطورة في تدبير أمور الحكم بعد وفاة زوجها، إذ لم تمتلك أي مهارة لقيادة الإمبراطورية في وقت كانت تواجه فيه أطماعاً من كل جيرانها. ولم تقنع «إيرين» أبداً بدورها «وصية على العرش» فعمدت إلى ممارسة الحكم وعزل كبار قادة الجيش الموالين لزوجها الراحل، وكان لسياستها العسكرية المتخبطة، وخياراتها السيئة لقادة المناطق الحدودية دورها الكبير في تعرض الجيش البيزنطي إلى خسائر فادحة على الجبهة الشرقية بعد اجتياح القوات العباسية بقيادة هارون الرشيد زمن خلافة والده المهدي لمناطق واسعة من الإمبراطورية البيزنطية، ما اضطرها إلى دفع جزية طائلة تجاوزت 70 ألف دينار سنوياً لمدة 3 أعوام لمقر الخلافة في بغداد.
لم تتوقف هزائم «إيرين» عند العرب، بل خسرت أراضي أخرى من البلغار، ما دفع ابنها «قسطنطين السادس» إلى الظهور في المشهد السياسي محاولاً الحفاظ على ملكه، ونجح بالفعل على الرغم من صغر سنه في حشد قوات الجيش حوله خاصة أنه كان مفضلاً من كبار القادة الذين يدينون بالولاء لوالده الراحل. وهنا ساءت العلاقة بين الأم وابنها، وزادت الأمور تعقيداً بعد فشل الصغير في قيادة المعارك، فكان قرارها القاسي بالتخلص منه. وبعد انفرادها بالحكم حملت الوثائق البيزنطية توقيعها الإمبراطوري إذ أطلقت على نفسها«إمبراطور باسيليوس»، كما سكت العملات والأختام بصورتها. المثير أن «إيرين» لم تهنأ بالعرش أبداً إذ لم تجلس عليه سوى 5 سنوات فقط احتدم خلالها الصراع على السلطة، وتعرضت لمكيدة من النبلاء بالاشتراك مع وزرائها فتم عزلها ونفيها في 802 إلى جزيرة «لسبوس» واضطرت هناك للعمل «بالغزل» حتى تعيل نفسها، لتموت قهراً بعد ذلك بأقل من عام.
وعلى حين تخلصت «إيرين» من ابنها، ذهب الإمبراطور«كارل السادس» آخر الأباطرة الرومان إلى أبعد مدى لضمان وراثة العرش في أبنائه مخالفاً بذلك ميثاق والده ليوبولد الأول الذي أبرم «ميثاقاً للوراثة» 1703 تقرر فيه مبدأ الوراثة للابن البكر. وبعد وفاة أكبر أبنائه لم ينجب الإمبراطور لسنوات طويلة، وخوفاً منه على ضياع العرش أصدر «أمراً امبراطورياً» في مثل هذا اليوم من عام 1713 تؤول بموجبه كل أراضي مملكته في النمسا وبوهيميا والمجر إلى ابنته التي أطلق عليها «ماريا تيريزا» التي ولدت بعد ذلك ب 4 سنوات، المثير أن الحكم انتقل بالفعل بعد وفاته إلى «ماريا تيريزا» التي حملت لقب «أرشيدوقة» وتزوجت في الثامنة عشرة من عمرها بفرانسيس ستيفن دوق اللورين، وواجهت صراعات ومكائد هائلة من كل الرافضين لتصرف والدها لتفقد عرشها في النهاية بعد حروب دامية لسنين.