إعداد: محمد فتحي

في سماء التاريخ الحالكة، هناك نجوم تتلألأ في أركانها تظهر تارة وتختفي تارة أخرى، ولكن الإسكندر الأكبر المقدوني لا تزال أضواؤه تملأ أرجاء الأرض في كل موضع خطت فيه خيوله التي انطلقت من الشرق، ولم يوقفها شيء إلا بعد أن فتح الإمبراطور الإغريقي الشاب أغلب ممالك وحضارات العالم القديم، فمن بزوغ نجمه في مقدونيا لم يخفت بريقه إلا بعد انتهاء مهمته التاريخية ووفاته في مثل هذا اليوم عام 323 قبل الميلاد بمدينة بابل، ودفنه في مقبرته المفقودة بمدينة الإسكندرية.
أسدل الستار على حياة الإسكندر الأكبر الذي يعد من أشهر الفاتحين والغزاة عبر التاريخ في عمر 32 عاماً بعد أن مر على أقدم حضارات التاريخ يملأه الطموح بامتلاك العالم، ولكن لم يمهله القدر بعد أحداث عظام غيرت مسار التاريخ. على الرغم من قصر حياته، إلا أن كل سنة من سنوات عمره صنع خلالها التاريخ، فمنذ ولادته في مدينة بيلا اليونانية عام 356 قبل الميلاد كانت نشأته ملكية وتتلمذ على يد أشهر فلاسفة العالم القديم وهو «أرسطو»، كما ساهم حكمه لمملكته الإغريقية التي ورثها عن أبيه فيليب الثاني المقدوني في امتلاكه خبرة واسعة في إدارة الحكم، إضافة لذلك كان الإسكندر محاطاً بالعديد من القواد المخضرمين والجنود البواسل، وهو ما جعله على يقين بأنه قادر على فتح العالم والتغلب على أكبر القوى حينها.
وانطلق في عام 334 ق.م في حملة على بلاد فارس وانتزع منهم مصر التي كانت تحت وطأة احتلالها، وخلال إقامته في مصر تودد إلى المصريين الذين أحبوه وأطلقوا عليه ابن آمون، أكبر آلهتهم القديمة، وفيها بنى أشهر وأعرق مدنه التي حمل اسمه «الإسكندرية» على ساحل البحر الأبيض المتوسط، والتي تحولت فيما بعد لعاصمة مصر وأكبر مركز للعلوم والثقافة في العالم. تمكن الإسكندر من دحر الفرس وطردهم خارج آسيا الصغرى، ثم شرع في انتزاع ممتلكاتهم الواحدة تلو الأخرى، وتمكن الإسكندر في نهاية المطاف من الإطاحة بالشاه الفارسي داريوش الثالث، وفتح كامل أراضي إمبراطوريته خلال سلسلة من المعارك العنيفة، وبذلك امتدت إمبراطوريته من البحر الإدرياتيكي غرباً إلى نهر السند شرقاً.
كان طموح الإسكندر يتوق إلى الوصول لنهاية العالم، ولذلك قدم على غزو الهند، ولكنه اضطر إلى العودة بسبب احتجاجات قواده وأفراد جيشه بعد أكثر من 10 سنوات خارج الوطن. ساءت صحة القائد الشاب في طريق عودته البطيء وتوفي في مدينة بابل، ويقال إن قواده اختلفوا على تقسيم إمبراطوريته على جثته التي رقدت في سلام بمدينة الإسكندرية المصرية.
بعد وفاة الإسكندر نشبت عدة نزاعات جسيمة بين ممالكه مزقت إمبراطوريته وتصارع ما يعرف ب«ملوك الطوائف».
ترك الإسكندر إرثاً ثقافياً وحضارياً هائلاً، ويعود له الفضل في امتزاج الحضارة الإغريقية بثقافات الممالك القديمة كالفرعونية والفارسية، وترك آثاراً شاهدة على قوته وعظمته، كما أسس أكثر من عشرين مدينة تحمل اسمه في أنحاء مختلفة من إمبراطوريته، أبرزها وأشهرها هي مدينة الإسكندرية في مصر.