تتوقف ذاكرة اليوم عند أحد أهم أعلام الفقه والقانون في الوطن العربي الذي شارك في كتابة دساتير عدة دول عربية، إضافة إلى كونه أول من وضع مخطط لإنشاء اتحاد عربي قبل قيام جامعة الدول العربية، حيث نحتفي بذكرى كتابة الفقيه القانوني العلامة عبد الرزاق السنهوري، لثاني الدساتير العراقية بالعام 1964 بعد إنجازه مهمة كتابة قانونها المدني بالعام 1935.
ولد السنهوري بمدينة الإسكندرية بمصر لأسرة فقيرة، وعاش طفولته يتيماً، حيث توفي والده الموظف بمجلس بلدية الإسكندرية تاركاً أمه وسبعة من البنين والبنات ولم يكن السنهوري يبلغ من العمر أكثر من ست سنوات. بدأ تعليمه في الكتّاب بتشجيع من والده الذي كان يقدم له الجوائز ترغيباً له في التعليم، ثم انتقل بعد وفاة والده إلى مدرسة راتب باشا الابتدائية ثم التحق بمدرسة رأس التين الثانوية فالمدرسة العباسية الثانوية بالإسكندرية ومنها حصل على الشهادة الثانوية، وكان ترتيبه الثاني على طلاب مصر. قرأ في مرحلة مبكرة من عمره درر التراث العربي وأهمها كتب: الأغاني، والأمالي، والعقد الفريد، إلى جانب ديوان المتنبي الذي كن له كثيراً من الإعجاب، وفضّله على غيره من شعراء العربية.
حصل السنهوري على درجة الليسانس في الحقوق عام 1917 من مدرسة الحقوق الخديوية بالقاهرة (باللغة الإنجليزية)، وجاء ترتيبه الأول، رغم أنه كان يعمل موظفاً بوزارة المالية إلى جانب دراسته. تأثر في مرحلة شبابه بالزعيم المصري الوطني مصطفى كامل، وتبنى فكرة الجامعة الإسلامية التي كان يدعو إليها، كما كان معجباً بالكواكبي وعبد العزيز جاويش ومحمد فريد وجدي.
سافر إلى فرنسا 1921 لدراسة الدكتوراه بجامعة ليون، وهناك أنجز رسالته التي عرفت ب (مواد البرنامج)، كما أنهى رسالته للدكتوراه بعنوان (القيود التعاقدية على حرية العمل في القضاء الإنجليزي)، ونال عنها جائزة أفضل رسالة دكتوراه بالجامعة ذلك العام. وخلال وجوده هناك أنجز رسالة أخرى للدكتوراه عن (فقه الخلافة وتطورها لتصبح هيئة أمم شرقية)، رغم عدم تكليفه بها وتحذير أساتذته من صعوبتها.
عيّن بعد عودته 1926 مدرساً للقانون المدني بكلية الحقوق بالجامعة المصرية. وشارك في المعارك السياسية والفكرية التي كانت تموج بها الحياة في مصر قبل الثورة، وكان قريباً من كل تيارات التغيير والإصلاح رغم عدم انضمامه لحزب أو تنظيم. في العام 1934فصلته الحكومة من الجامعة لأسباب سياسية، منها تأسيسه ل «جمعية الشبان المصريين»، سافر بعدها إلى العراق في عام 1935 بدعوة من حكومتها، فأنشأ كلية للحقوق، وأصدر مجلة القضاء، ووضع مشروع القانون المدني للدولة العراقية، ووضع عددًا من المؤلفات القانونية لطلاب العراق التي عاد إليها مجدداً بالعام 1943، حيث شارك في كتابة ثاني الدساتير العراقية، ليرحل بعدها إلى دمشق حيث أنجز أول مخطط لإنشاء اتحاد عربي 1944 قبل قيام الجامعة العربية، ووضع مشروع معهد الدراسات العربية العليا الذي تأجل تنفيذه حتى 1952 في إطار جامعة الدول العربية.
شغل السنهوري منصب وزير المعارف في أكثر من وزارة مصرية، أسس خلالها جامعتي ( فاروق الأول) الإسكندرية حالياً، وجامعة محمد علي. وتحتفظ سجلات التاريخ بمجهوداته البارزة في إدخال تطويرات إدارية وتنظيمية هائلة على مجلس الدولة خلال توليه رئاسته.
شارك السنهوري في وضع الدستور المصري بعد إلغاء دستور 1923، وسافر إلى ليبيا التي وضع لها قانونها المدني عام 1953 دون مقابل، كما وضع المقدمات القانونية لدساتير عدة دول عربية، وفي بداية الستينات أسهم في وضع دستور الكويت.