إعداد: عبير حسين
تأخذ ذاكرة اليوم مقعدها وسط ملايين المشاهدين الذين تابعوا في مثل هذا اليوم من العام 1973 أولى جلسات البث المباشر للاستماع إلى الشهود في أشهر الفضائح السياسية الأمريكية التي اشتهرت ب «فضيحة ووترجيت»، التي تسببت في استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون من منصبه ليصبح الرئيس الوحيد المستقيل في تاريخ الرئاسة الأمريكية، إلى جانب إدانة 48 شخصاً، اضافة إلى فقدان الحزب الجمهوري 5 مقاعد في مجلس الشيوخ، و49 مقعداً في مجلس النواب لصالح منافسه التقليدي الحزب الديمقراطي، وتبقى اهم آثارها في اجراء تغييرات دستورية تتعلق بتمويل الحملات الانتخابية وإخضاعها للرقابة الفيدرالية.
منذ الكشف عنها مطلع السبعينات أصبحت «ووتر جيت» رمزاً للفضائح في الصحافة الغربية، واحتلت مكانها الخاص في «القاموس الصحفي» الذي أصبح يرمز ب «جيت» لكل فضيحة فساد سياسي أو مالي، أو حتى تلك المرتبطة بأعضاء الأسر المالكة والحاكمة، اضافة إلى الصفقات المشبوهة في عالم المال والأعمال.
كان «شريط لاصق» هو الشرارة الصغيرة التي أشعلت نار الفضيحة بعدما لاحظ أحد حراس الأمن في مبنى «ووتر جيت» بواشنطن وجوده على أقفال عدة أبواب في المبنى، وبعد إزالته، عاد مرة ثانية ليجده مثبتاً على ذات الغرف التي كانت مقراً لنواب ديمقراطيين وأثار ذلك شكوكه فسارع إلى ابلاغ الشرطة التي ألقت القبض على أشخاص يزرعون أجهزة تنصت سرية على المكالمات الهاتفية لأعضاء اللجنة القومية للحزب الديمقراطي.
في البداية أدين خمسة أشخاص اتهموا بأن لهم علاقة بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، كما أدين شخصان آخران في القضية بتهمة «التجسس والشروع في السرقة»، ثم توسع التحقيق لاحقا بعدما كشف صحفيا «واشنطن بوست» بوب وودورد وكارل برنشتاين عن وجود علاقة بين قضية التجسس والشروع في السرقة ومحاولة التغطية عليها من قبل جهات رسمية كوزارة العدل، ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية والبيت الأبيض. ولعدة أشهر لاحقة لمع اسم الصحفيان اللذان كانا أول من أسس لمفهوم «الصحافة الاستقصائية» بسلسلة تحقيقات جريئة وكاشفة رفضا خلالها الإفصاح عن مصدر معلوماتهما التي ثبت صحتها ودقتها، واتفق على تسميته وقتها «Deep throat» أو «الحنجرة العميقة»، والذي ظلت شخصيته الحقيقية سراً مجهولاً حتى عام 2005 حين كشف عن هويته وكان مارك ويليام فيلت المسؤول في مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI.
لم تتوقف الفضيحة عند إصدار احكام الإدانة على المتورطين الخمسة، بل زادت نارها اشتعالاً بعدما كشف جيمس مكورد أحد المدانين عن تورط جهات كبرى في القضية ليتوسع التحقيق شاملاً البيت الأبيض، ما دفع الرئيس نيكسون إلى اقالة اثنين من كبار مستشاريه بسبب علاقتهما بالقضية في محاولة لإيقاف تدهور شعبيته.
كشفت التحقيقات الخاصة بالفضيحة رفض نيكسون تسليم أشرطة تسجيل صوتية طلبت منه، وخاض بعدها معركة قاسية لمدة 10شهور أقال خلالها المدعي العام، الا ان المحكمة الدستورية العليا قضت بعدم أحقية الرئيس استخدام سلطته التنفيذية وحجبه الأشرطة، فاضطر إلى تسليمها إلى لجنة التحقيق التي اكتشفت تعرض اجزاء طويلة منها ( 18 دقيقة) للإلغاء المتعمد، وكان ذلك سبباً وراء موافقة القضاة العشرة للمحكمة الدستورية العليا على توجيه 3 تهم اليه وهي استغلال النفوذ، وعرقلة مسار القضاء، وعدم الانصياع له، اضافة إلى اتهامه «بالكذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي»، ليعتبر بذلك شريكاً مباشراً في فضيحة «ووتر جيت» ليسارع بإعلان استقالته عبر خطاب متلفز تجنباً لعزل الكونجرس له.