إعداد: عبير حسين
أفاضت على العالم علماً وثقافة ونوراً، كانت حاضرة أكبر مسجد في العالم إلى جانب 3 آلاف مسجد آخر، وصاحبة 10 آلاف دار تحيط بها الحدائق الغناء ونوافير المياه وفق نظام ري متطور سابق لعصره وأوانه، كانت في العام 935 أكثر مدن العالم اتساعاً بفضل نشاطها التجاري ونهضتها العمرانية. ولأن ذاكرة التاريخ غالباً «سوداوية» تحتفظ في أكثر الأحيان بأخبار الصراعات والحروب والمآسي والمؤامرات والدسائس، فإن مناسبتنا اليوم تأتي على ذكرى سقوط قرطبة حاضرة الخلافة الأموية في الأندلس وعاصمتها لأكثر من 500 عام، والتي سقطت في مثل هذا اليوم من العام 1236 أمام قوات فرناندو الثالث ملك قشتالة.
لعقود طويلة، اعتبرت قرطبة منارة للحضارة الإسلامية على أراضي القارة العجوز، وانفردت حينها بنهضة تجارية وثقافية وعمرانية مازالت أطلالها شاهداً عليها حتى اليوم، ويبقى أهم إنجازات الأمويين هناك في التوسع في التعليم العام الذي جعل عامة الشعب يجيد القراءة والكتابة، في الوقت الذي كان ذلك حكراً على أبناء طبقة النبلاء في أوروبا. ولم يقتصر التعليم حينها على تدريس علوم الدين فقط، بل توسعت لتشمل نهضة ثقافية واسعة، ضمت علوم الرياضيات والفلك ونبغ عشرات العلماء العرب وقتها، ولعل أبرزهم الخوارزمي ومن بعده ابن السمح القرطبي وابن الصفار. أما الكيمياء فقد نقلها الأندلسيون إلى دائرة التجريب والمراقبة ولعل من أشهر علمائهم عباس ابن فرناس الذي اشتهر إلى جانب محاولته للطيران باستنباط طريقة لكيفية صناعة الزجاج من الأحجار بعد معالجتها كيميائياً.
تنوع النشاط الاقتصادي في عهد الدولة الأموية ما بين زراعة وصناعة وتجارة، وأبدوا اهتماماً خاصاً بالزراعة فأصلحوا وسائل الري ونظموها، وشيدوا الجسور والقناطر، وشقوا القنوات، واستغلوا المياه المتساقطة من الجبال وحفروا لها أحواضاً لتجميعها، كما برعوا في فنون تنسيق الحدائق، وأدخلوا إلى أوروبا نباتات لم تكن معروفة من قبل كالأرز وقصب السكر والزيتون والمشمش والقطن والفستق.
اهتم الأندلسيون بالعديد من ألوان الأدب كالشعر والنثر وعلوم اللغة والتأريخ وكتب السير والتراجم، وبرزت أسماء كثيرة في تلك الفنون في عهد الدولة الأموية في الأندلس. ومن أشهر الأسماء يلمع ابن عبد ربه وكتابه «العقد الفريد» الذي كان موسوعة ثقافية تبين أحوال الحضارة الإسلامية في عصره، وتناول فيه السياسة وفنون الحرب والنوادر وفضائل العرب وطبائع البشر. وبرز أيضا ابن شهيد صاحب «رسالة التوابع والزوابع» ذات الإطار الخيالي الخصب. وألف الأندلسيون كتبا في علوم اللغة، بل وخاضوا في مواضيع لم يسبقهم إليها أحد ككتاب «تصاريف الأفعال» لابن القوطية، وهو أول كتاب يتناول الأفعال الثلاثية والرباعية.
برع الأندلسيون في فنون العمارة، ويعتبر «مسجد قرطبة» أفضل شواهدها وأشهرها وصنفته اليونيسكو كموقع للتراث العالمي، وإلى جانبه تحضر مدينة الزهراء التي مازال التنقيب جارياً عن بقاياها حتى اليوم، خاصة وأنها اشتهرت ب «دار الروضة» وهي قصر عبد الرحمن الناصر الذي جلب إليه الماء من الجبل، إضافة إلى الناعورة والحمامات العربية وغيرها.
لهذا وغيره الكثير كانت «قرطبة» أهم وأكبر مدن الأندلس مطمعا دائما لملوك قشتالة الذين استغلوا اقتتال كل من ابن هود وابن الأحمر (أشهر أمراء المدن حينها بعد تفكك الدولة وهي الفترة التي عرفت بملوك الطوائف) وتقدم عدد من فرسان قشتالة المغامرين نحو المدينة ونجحوا في السيطرة عليها بعد قتل كثير من سكانها وفرار آخرين مستنجدين بابن هود الذي وقفت قواته تشاهد ما يحدث عند أسوار المدينة دون أن تتقدم للدفاع عنها، وهو ما تحفظه ذاكرة التاريخ جيداً ولا يمكنها تناسيه أو تجاوزه.
أفاضت على العالم علماً وثقافة ونوراً، كانت حاضرة أكبر مسجد في العالم إلى جانب 3 آلاف مسجد آخر، وصاحبة 10 آلاف دار تحيط بها الحدائق الغناء ونوافير المياه وفق نظام ري متطور سابق لعصره وأوانه، كانت في العام 935 أكثر مدن العالم اتساعاً بفضل نشاطها التجاري ونهضتها العمرانية. ولأن ذاكرة التاريخ غالباً «سوداوية» تحتفظ في أكثر الأحيان بأخبار الصراعات والحروب والمآسي والمؤامرات والدسائس، فإن مناسبتنا اليوم تأتي على ذكرى سقوط قرطبة حاضرة الخلافة الأموية في الأندلس وعاصمتها لأكثر من 500 عام، والتي سقطت في مثل هذا اليوم من العام 1236 أمام قوات فرناندو الثالث ملك قشتالة.
لعقود طويلة، اعتبرت قرطبة منارة للحضارة الإسلامية على أراضي القارة العجوز، وانفردت حينها بنهضة تجارية وثقافية وعمرانية مازالت أطلالها شاهداً عليها حتى اليوم، ويبقى أهم إنجازات الأمويين هناك في التوسع في التعليم العام الذي جعل عامة الشعب يجيد القراءة والكتابة، في الوقت الذي كان ذلك حكراً على أبناء طبقة النبلاء في أوروبا. ولم يقتصر التعليم حينها على تدريس علوم الدين فقط، بل توسعت لتشمل نهضة ثقافية واسعة، ضمت علوم الرياضيات والفلك ونبغ عشرات العلماء العرب وقتها، ولعل أبرزهم الخوارزمي ومن بعده ابن السمح القرطبي وابن الصفار. أما الكيمياء فقد نقلها الأندلسيون إلى دائرة التجريب والمراقبة ولعل من أشهر علمائهم عباس ابن فرناس الذي اشتهر إلى جانب محاولته للطيران باستنباط طريقة لكيفية صناعة الزجاج من الأحجار بعد معالجتها كيميائياً.
تنوع النشاط الاقتصادي في عهد الدولة الأموية ما بين زراعة وصناعة وتجارة، وأبدوا اهتماماً خاصاً بالزراعة فأصلحوا وسائل الري ونظموها، وشيدوا الجسور والقناطر، وشقوا القنوات، واستغلوا المياه المتساقطة من الجبال وحفروا لها أحواضاً لتجميعها، كما برعوا في فنون تنسيق الحدائق، وأدخلوا إلى أوروبا نباتات لم تكن معروفة من قبل كالأرز وقصب السكر والزيتون والمشمش والقطن والفستق.
اهتم الأندلسيون بالعديد من ألوان الأدب كالشعر والنثر وعلوم اللغة والتأريخ وكتب السير والتراجم، وبرزت أسماء كثيرة في تلك الفنون في عهد الدولة الأموية في الأندلس. ومن أشهر الأسماء يلمع ابن عبد ربه وكتابه «العقد الفريد» الذي كان موسوعة ثقافية تبين أحوال الحضارة الإسلامية في عصره، وتناول فيه السياسة وفنون الحرب والنوادر وفضائل العرب وطبائع البشر. وبرز أيضا ابن شهيد صاحب «رسالة التوابع والزوابع» ذات الإطار الخيالي الخصب. وألف الأندلسيون كتبا في علوم اللغة، بل وخاضوا في مواضيع لم يسبقهم إليها أحد ككتاب «تصاريف الأفعال» لابن القوطية، وهو أول كتاب يتناول الأفعال الثلاثية والرباعية.
برع الأندلسيون في فنون العمارة، ويعتبر «مسجد قرطبة» أفضل شواهدها وأشهرها وصنفته اليونيسكو كموقع للتراث العالمي، وإلى جانبه تحضر مدينة الزهراء التي مازال التنقيب جارياً عن بقاياها حتى اليوم، خاصة وأنها اشتهرت ب «دار الروضة» وهي قصر عبد الرحمن الناصر الذي جلب إليه الماء من الجبل، إضافة إلى الناعورة والحمامات العربية وغيرها.
لهذا وغيره الكثير كانت «قرطبة» أهم وأكبر مدن الأندلس مطمعا دائما لملوك قشتالة الذين استغلوا اقتتال كل من ابن هود وابن الأحمر (أشهر أمراء المدن حينها بعد تفكك الدولة وهي الفترة التي عرفت بملوك الطوائف) وتقدم عدد من فرسان قشتالة المغامرين نحو المدينة ونجحوا في السيطرة عليها بعد قتل كثير من سكانها وفرار آخرين مستنجدين بابن هود الذي وقفت قواته تشاهد ما يحدث عند أسوار المدينة دون أن تتقدم للدفاع عنها، وهو ما تحفظه ذاكرة التاريخ جيداً ولا يمكنها تناسيه أو تجاوزه.