وُلد فاقداً لأطرافه، لا ساقين، لا يدين، ولا ذراعين.. خبر ميلاده كان صدمة لوالديه، ومعضلة احتار فيها الطاقم الطبي الذي ساعد في إخراجه للحياة. هذا ما حدث مع نيك فيوتتش، الذي ولد عام 1982بهذه الحالة، لكنه تمكن بعد سنوات أن يتغلب على كل الصعاب ويصبح رمزاً قادراً على التحفيز وتغيير حياة الملايين.
بجسم ضئيل وقدم بطول إصبع وإيمان بحجم الجبال، استطاع أن يتحدى العقبات، ويحول المعاناة إلى نجاح، وقبل أن يتجاوز الخامسة والثلاثين أصبح مالكاً لشركة عالمية يعمل بها المئات وكاتباً مشهوراً، تصنف صحيفة «نيويورك تايمز» كُتبه ضمن الأكثر مبيعاً وتأثيراً بالعالم، ومتحدثاً تحفيزياً يتنقل بين قارات العالم، ليلهم الملايين. والأكثر من ذلك أن يصبح زوجاً وأباً لأربعة أطفال، وتمتد مظلته الخيرية لتشمل رعاية العديد من الأطفال في مناطق متفرقة حول العالم.
قبل أن أقابله وجهاً لوجه بإحدى محاضراته، التي حضرها 10 آلاف شخص من جميع الأعمار والجنسيات بدبي، غالبني شعور قوي بالتعاطف، ربما أشففت عليه مما عاناه في طفولته وخشيت أن ينتقل إليه هذا الشعور، ولكن بعد لحظات قليلة من بداية الحوار، تسربت طاقته الإيجابية لداخلي وقادتني ابتسامته الواثقة، التي لم تغب عن وجهه طوال فترة الحوار، إلى التعرف على مشوار حياته وآرائه وإنجازاته وإحباطاته..
وبدأت الحوار بسؤال عن الماضي.. عندما تعود بذاكرتك إلى الوراء كيف تشعر؟، فجاءني الرد في كلمة واحدة أكد حروفها وكأنها يشعر بطعم كل حرف فيها: «الامتنان»
وأضاف قائلاً: «أشعر بالامتنان لمجرد أنني بقيت على قيد الحياة. عمري حالياً 37 عاما، وبدأت معاناتي منذ يوم ولادتي عندما أخبر الطبيب أسرتي بأن فرص بقائي على قيد الحياة ضعيفة، وأن طفلهم الذي ولد للتوّ، كجسد بلا أطراف لن يحظى أبداً بحياة طبيعية، لن يجد فرصة للتعليم ولن يستطيع المشي، وعانت أسرتي كي تمنحني حياة طبيعية قدر الإمكان، وبعد سنوات عانيت طويلاً لكي أتفهم وأتكيف مع فكرة إنني مختلف.
في فترة بداية الثمانينات، حين ولدت بموطني أستراليا، لم تكن المدارس الحكومية تطبق نظام الدمج لذوي الاحتياجات الخاصة مثلي، وبالتالي لم يتم قبولي بأي من المدارس، ولكن والدتي انطلاقاً من إيمانها بقدراتي الذهنية وقدرتي على الاستيعاب ورغبتها المحمومة في توفير فرص متكافئة لي في الحياة والتعليم، ذهبت للمحافظ وطالبت بدمجي داخل المدرسة الحكومية كتجربة استثنائية أولى من نوعها، وبالفعل كنت أول طفل من ذوي الإعاقة ينضم للمدرسة، ولكنني بالطبع عانيت طويلاً مضايقات بعض الأطفال وتنمّرهم ضدي لمجرد اختلافي عنهم بالشكل. كنت أشعر بالعجز وقلة الحيلة وأشعر أنني شخص غير مرغوب فيه فقررت في سن التاسعة أن أنهي حياتي وأنتحر غرقاً في حوض الاستحمام بالبيت وغافلت والدتي وأسقطت وجهي تحت مستوى الماء في الحوض، وما زلت أذكر هذه الثواني التي بقيتها مستعداً لشهيق عميق يحمل الماء إلى رئتي لأموت، ولكنني في آخر لحظة تذكرت كلمات الحب والتشجيع والدعم التي كان والداي يكررانها باستمرار على مسامعي، تذكرت أن هناك من يحبني ومن يهتم لأمري فعلاً وأن هناك من سيتألم لفراقي. أذكر أن مشاعر الحب وشعوري بالمسؤولية والامتنان نحوهم هو الذي أنقذني، وهو الذي جعلني أرفع وجهي بسرعة وأتنفس الهواء من جديد. أنا أدين بحياتي لهذا القدر من الدعم والحب وأشعر بعميق الامتنان له.
متى كانت نقطة التحول في حياتك؟
- فترة المراهقة كانت صعبة جداً مع محاولة التأقلم مع الظروف من حولي؛ فقد عانيت طويلاً العزلة والإحباط بسبب اختلافي، وفي عمر السابعة عشرة ظهرت بارقة أمل، حين استمع لحكايتي بواب المدرسة ونظر في عيني وقال لي: «يجب أن تصل حكايتك لغيرك من الطلاب، لأنها قصة ملهمة وبها الكثير من المعاناة والعديد من الإيجابيات»، ونظم لي جلسة مع 7 طلاب بالمدرسة وشجعني على القيام بدور المتحدث لأول مرة في حياتي وفوجئت برؤية دموع زملائي وتأثرهم لمعاناتي وتقديرهم لكفاحي وإصراري. وتكررت هذه الجلسات أكثر من مرة ومن بعدها تغيرت حياتي وتحسنت علاقاتي بزملائي، وأصبحت أشارك بكل المناسبات المهمة بالمدرسة كمتحدث وطالب ناجح يقدم مثلاً يُحتذى لأقرانه واتسعت شهرتي واستضافتني مدارس أخرى كمتحدث لإلهام طلابها ومن هنا بدأتُ مشواري.
مواجهة التنمّر
لم تنس أبداً تجربتك المريرة مع التنمّر وما زلت تتصدى لها في معظم محاضراتك.. لماذا؟
- عانيت التنمّر كثيراً أثناء فترة طفولتي بالمدرسة، وأدرك كم يسبب ذلك للأطفال من أذى. في طفولتي الأولى، لم أكتشف كم أنا مختلف عن أقراني إلا عندما بدأ الأطفال من حولي في استفزازي والتنمّر ضدي وقد نال مني ذلك بشكل كبير، وكان سبباً في أن أفقد رغبتي بالحياة. فيما بعد أدركت أن هذه المشكلة عامة ويعانيها كثير جداً من الأطفال. الإحصاءات والدراسات تشير إلى أن التنمّر يمثل السبب الأهم والأكثر تكراراً في حوادث إقدام الأطفال والمراهقين على الانتحار. لهذا السبب أكرّس الكثير من الجهد والوقت والمحاضرات لمحاربة التنمّر في المدارس، وزرت 995 مدرسة حول العالم وقمت بإجراء محاضرات بها لدعم ضحايا التنمّر والتغلب على هذه الظاهرة المقيتة، وتصحيح بعض المفاهيم حولها. فبعض الأهل ينصحون أبناءهم ضحايا التنمّر بتجاهل الأمر أو بالتصدي للمتنمّرين بمفردهم. ولكنني لا أحبذ هذه الحلول، أحاول أن أجعل أطفال المدرسة بأكملها يتصدون للتنمّر ويرفضونه. فالإحصاءات تقول إن 5% تقريباً من الأطفال والمراهقين في أي مدرسة يتنمّرون بأقرانهم الضعفاء، فيطلقون عليهم الألقاب المخزية أو يسخرون منهم، ولكن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بمساعدة الأغلبية، نحو 80% من الأطفال الذين ينشرون هذه السخرية ويستجيبون للمتنمّرين، بينما يقف 15% على الحياد بشكل سلبي، وأتوجه في محاضراتي لنبذ هذه الظاهرة ومحاصرة المتنمّرين وعدم نشر الشائعات السلبية وتقويضها حتى تنتهي.
* حدثنا عن طبيعة دراستك وحصولك على أكثر من شهادة جامعية؟
- في بداية شبابي وقبل دخولي للجامعة جلس معي والدي ليحدثني عن المستقبل، وأذكر أنه قال لي إنني من الصعب أن أجد فرصة توظيف في أي شركة أو مؤسسة تقليدية، لأن من سيقوم بتوظيفي يحتاج إلى أن يقوم بتوظيف شخصين معي لمساعدتي وهذا غير منطقي. وكان الحل الوحيد أن أكون صاحب العمل بمشروعي الخاص، وأقوم بتعيين الموظفين ليصبحوا عوضاً لي عن أطرافي المفقودة. وحصلت على بكالوريوس التجارة وإدارة الأعمال، بعدها تخصصت بدراسة التخطيط المالي والتسويق، وحالياً أدير شركتي الخاصة بنجاح متنامٍ. كما قمت بتأسيس منظمة غير حكومية بعنوان: «الحياة بلا أطراف» لتحسين حياة ذوي الإعاقة حول العالم، وخلال رحلتي المهنية التقيت 16 رئيس دولة وخاطبت 9 حكومات، وزرت 66 دولة بصفتي متحدثاً تحفيزياً أمام 6.5 مليون شخص استمعوا لي عبر محاضراتي المباشرة، وتُرجمت كتبي وأفكاري إلى30 لغة، وشهدت 99 مدرسة حول العالم ندواتي لمكافحة التنمر.
مع تعدد مهامك كيف تقوم بكل هذه الأدوار حالياً ؟
- دور الأب أصعب الأدوار بحياتي، فأكثر ما أعانيه هو عدم قدرتي على احتضان أطفالي بين ذراعيّ أو اللعب معهم كأي أب، ولكنني أتحايل على هذا الأمر بأفكار خلاقة وزوجتي أيضاً امرأة خارقة تقوم بكثير من الجهد لتعتني بهم وبي ؛ فأسرتي هي أكبر النعم التي أشكر عليها ربي في كل لحظة من حياتي. لقد كان حلماً بعيد المنال أن أستطيع تكوين أسرة وأن أجد زوجة تحبني كما أنا وتنظر لي بإعجاب رغم كل ظروفي، وأحرص أن أكون حاضراً دائماً في حياتها وحياة أولادي وأن أستطيع أن أنقل لهم كل المبادئ والقيم التي تعلمتها من والديّ.
أنت تلهم الملايين، فما هو مصدر الإلهام بحياتك؟
- والداي هما مصدر الإلهام في حياتي، فأبي وأمي كانا شخصين مكافحين ومحفزين على النجاح، وتحملا الكثير من المعاناة بشبابهما وأدارا الأزمات بحياتهما بنجاح مبهر. ومنحاني طاقة حب ودعم وساعداني على أن أمتلك الثقة في نفسي. ولعل الظروف الصعبة التي عاشاها منحتهما هذه الصلابة. وحالياً تلعب زوجتي هذا الدور، فهي مصدر إلهام متجدد بالنسبة لي، فهي «زوجة فوق العادة» تتحمل مسؤولية رعايتي و4 أطفال صغار في الوقت نفسه، وتدير شؤون حياتنا وتوزع علينا جميعاً طاقة حب وحنان لا تنضب وأدين لها بالكثير وبأنها أحبتني بالأساس رغم ظروفي.
الخوف من الوقت
ما هي أهم مخاوفك الشخصية التي لا تزال تطاردك حتى الآن ؟
- لا أخشى المرض أو الموت أو الفقر، ولكن أكثر ما يمكن أن يخيفني هو الوقت، فهو فرصة للعيش والعمل وتحقيق الآمال. وأخاف دائماً مروره قبل أن أحقق ما أتمناه في حياتي. كما أخشى أن أفقد تواضعي يوماً أو عدم الحفاظ على طبيعتي وشخصيتي الحقيقية كما هي.
ما أهم مصادر السعادة في حياتك؟
- عائلتي الصغيرة أهم مصادر السعادة والأمان في حياتي. فمنذ عام 2016 بعد إصابتي بوعكة صحية شعرت بتقصيري معهم وانشغالي عنهم، فبدأت أكرّس الكثير من وقتي لأسرتي وأقلل من رحلات العمل والسفر المتكرر لأنني تعلمت أن هناك أوقاتاً ومراحل بالحياة إذا ضاعت منك فلا يمكن استعادتها أبداً أو شراء بديل عنها بالمال. ولذلك أحرص على تمضية وقت أطول مع زوجتي، أشتري لها وروداً وهدايا، وأشارك أبنائي لحظات مرحهم ومراحل نموهم وأكون حاضراً في حياتهم بشكل أكبر، فهذه مهمة ومسؤولية لا يجب أن يقوم بها أحد غيري.
* ما هي رسالتك للشباب بالعالم العربي؟
- أؤكد للشباب العربي أن هناك فرصة لكل شاب أن يقوم بتحسين حياته وصناعة مستقبل أفضل لذاته وأسرته ووطنه، ولكن لابد أن يسبق ذلك تغيير نظرته لذاته وقدراته حتى يستطيع تغيير واقعه إلى الأفضل وتحسين صورته الذهنية أمام الجميع. وأنصح أن يعود الشباب للإنصات والاستفادة من خبرات الأجيال الأكبر من دون الاستعلاء عليها، كما أعتقد أن آفة معظم الشباب والمراهقين في هذه الأيام هي أنهم يفتقدون الأصدقاء الحقيقيين على أرض الواقع بعد أن أصبح العالم الافتراضي والأصدقاء الافتراضيين يسيطرون على حياتهم.
* ما أهم القيم التي تتبناها وتحرص على نقلها لأولادك؟
-ولدت لأم وأب من اللاجئين عاشا فترة من حياتهما بمخيمات اللاجئين في يوغسلافيا سابقاً، وعبرا المحيط بمركب صغير ليصلا إلى استراليا، حيث ولدت أنا، الابن الأكبر، ولديّ أخ وأخت أصغر مني، وكانت ظروفهما القاسية أكبر معلم لهما، فمن المعاناة التي مرّا بها اكتسبا قيم الصبر والصمود والتحدي والإصرار. وأنا ممتنّ لما قدماه لي من قيم أسعى لتعليمها لأطفالي.
تحرص دائماً على خوض المغامرة، فما هي مغامرتك القادمة؟
-أحب دائماً أن أضع لنفسي تحديات أسعى لاجتيازها بغرض شحذ إرادتي وقدرتي على الصمود والإنجاز، وقد استمتعت كثيراً بممارسة رياضة ركوب الأمواج ورياضة الغطس الحر لأعماق كبيرة وحالياً أنوي خوض مغامرة جديدة، هي قيادة دراجة بخارية بمفردي، في تجربة أريد أن أتحدى بها نفسي وقدراتي. ورغم خوضي لهذه المغامرات إلا أنها دائماً ما تكون محسوبة بعناية، فأنا أتحرى ضمانات السلامة والأمان لأن هناك فارقاً بين الشجاعة وتحدي الذات والتهور والمجازفة.
7 مبادئ للنجاح
* لن تعرف أبداً ما تستطيع تحقيقه حتى تبدأ بالمحاولة
* لا تتوقف أبداً عن المحاولة والسعي مهما طال الوقت
* العوائق تساوي الفرص
* الفشل هو المعلم
* المال يذهب ويأتي فهو ليس الهدف
* احلم بعيداً ولا تستسلم أبداً
* كن مؤمناً وممتناً للنعم التي لديك
نصائح للشباب
* لا تضع سعادتك بأشياء مؤقتة مثل الطعام أو الشراب أو الحفلات
* لا تنسَ أبداً من ساعدوك
* أحبَّ الناس بلا حدود ومن دون انتظار مقابل
* الخوف يمنعنا من المحاولة والطموح يعزز الشجاعة
* توقف عن الشكوى وابدأ بحل مشاكلك
* «كن نفسك» وثق بقدراتك
الإمارات مثال يحتذى
زار نيك فيوتتش دبي 5 مرات بصفته متحدثاً تحفيزياً، ويقول عن ذلك: «في كل مرة أكتشف الجديد بها، وأجدها محطة هائلة للطاقة الإيجابية. الإمارات في حد ذاتها قصة إلهام بدأت كحلم في عقل وقلب رجل مؤمن ومثابر ومبتكر ومبدع هو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي استطاع أن يحقق الحلم ويرسم لبلاده مساراً من التميز والنجاح. وهذا الحلم مستمر في النمو والازدهار، ويلهم كل من يعيش على أرضها أو يزورها، حيث تحولت إلى مثال يحتذى في التنمية والتعايش والتسامح بين الثقافات والجنسيات المتعددة».
انبهار ب «إن شاء الله»
عن مشاركته كمتحدث تحفيزي في الإمارات واختلاف الثقافة واللغة للتواصل مع المتلقي، يقول نيك فيوتتش: تعلمت الكثير من تنوع الثقافات بدبي ومناخ التسامح الذي يبدو جلياً في أجواء الصفاء والسلام بين الجميع ممن أقابلهم بمحاضراتي. وأثمن كثيراً توجه الإمارات واعتزازها بالماضي والتاريخ إلى جانب التطلع لمستقبل أفضل والسعي للتطور المستمر. ويضيف: من أهم المبادئ المرتبطة بالثقافة العربية الإسلامية التي أدهشتني وأثارت إعجابي وتقديري، هو مفهوم تجسده جملة «إن شاء الله» التي تجري على ألسنة الناس باستمرار وهو مصطلح يحمل مفهوماً بديعاً يعني الاستسلام والتسليم لمشيئة الله والاقتناع الكامل بإرادة الخالق العظيم وقدرته والقناعة التامة أن الاجتهاد والسعي بالحياة أمر ضروري يجب أن يقوم به الإنسان ولكن إدراك الهدف في النهاية مقترن بمشيئة الله وهذا الاعتقاد في حد ذاته أمر يبعد الفرد عن الإحباط والغضب واليأس في حالة الفشل في سعيه أحياناً طالما أنه قام بدوره ولم يقصر، لكن هذه مشيئة الخالق.