مارلين سلوم

هل تكون «نتفليكس» الشبكة الأمريكية «الترفيهية»، منصة «جاسوسية» في بيوتنا؟ هل هي من تلك الوسائل التي تستخدمها الأيادي «الإسرائيلية» لاختراق عقول العرب، أم أننا نتوهم، والعروض التي «تتحفنا» بها عن الجاسوسية، و«بطولات» الموساد ورجاله، ما هي إلا مجرد أعمال فنية ندفع لمشاهدتها في قلب دارنا؟
لا تنفصل السياسة عن الشاشة أبداً، ولا يمكن لعرض تلفزيوني، أو إلكتروني، أن يأتينا بلا هدف، أو وعي، أو خطة. حتى العروض التافهة والفن الهابط والبرامج السخيفة التي تتكاثر على بعض المحطات، هي سياسة أيضاً، إنما هدفها تتفيه العقول، وتسطيح الفكر، كي يبقى من يشاهدها «ساذجاً»، مشغولاً بالقشور، بينما على الجانب الآخر، هناك من يعمل بصمت، ويخطط، ويخصص للإنتاج البرامجي والفني مبالغ ضخمة وإمكانات عالية، لأنه يرى الشاشة بعين «الجاسوس» المتسلل إلى عقر دارك، لابساً أجمل التصاميم، مبهراً بكلامه ووسامته، فيسلب عقلك ويتركك مشدوهاً مشغولاً به، مصدقاً ما يرويه لك، وما يصوره على أنه حقيقة، كي تبقى أسيره دائماً.
لا يمكن للشاشة أن تكون بريئة من السياسة، فمنطق «العروض الترفيهية» بمعناها ومفهومها البسيط «البريء» الذي كان يسود قديماً، لم يعد له وجود، ولا في عالم الخيال، أو «الفانتازيا»، والرومانسية، وأفلام الكرتون الطفولية. ويبدو أنه بات علينا أن نشكك في كل وسيلة تأتي إلينا عارضة منتجها باعتباره الأفضل، والمصمم «خصيصاً من أجل راحة المشاهد». والتشكيك يأتي من باب الحذر، وفهم الآخر، لا من باب التوجس و«المشي جنب الحائط»، فالعكس هو المطلوب، والحماية الواجبة اليوم تفرض علينا أن نتسلح بالسلاح نفسه، وأن نكون على قدر الآتي إلينا بخيره، وشرّه.
لماذا نتحدث عن خير الشاشة وشرّها إذا جاز التعبير؟ لأن السّم صار كثيراً. والمتعطشون إلى غسل أدمغة الشباب العرب كثر أيضاً، والهجمات تأتي من الجانبين الأمريكي و«الإسرائيلي» حيناً، والتركي حيناً آخر، والمتسللون اللاعبون على أوتار تشويه التاريخ وتضليل الشعوب يقفون خلف الكواليس، يموّلون بسخاء إنتاج أفلام ومسلسلات وبرامج، كي يحققوا نصراً خبيثاً، يهدمون به دولاً عربية، ويزرعون الشك في نفوس أهلها، ويخلقون فتناً لا تعد ولا تحصى للفصل بين الجيش، والشعب، فيتزعزع الأمن، وتولد الفوضى «غير الخلاقة»، ويأتي الخريف العربي مسقطاً كل أوراق الأمن، والأمان.
تعرف الصهيونية جيداً كيف تدير آلتها الإعلامية، هي التي اعتمدت منذ سنين بعيدة، تعود إلى زمن الحرب العالمية الأولى، على «البروباجندا»، وتصوير الأفلام الوثائقية والسينمائية، وتمكنت من أدواتها فغسلت عقول الناس حول العالم، وكسبت تعاطف دول، وشعوب، واستغلت الصناعة السينمائية فأحكم «اللوبي» الصهيوني سيطرته على «هوليوود»، وجعلها كالخاتم في إصبعه، يحركه كيفما شاء، يلبسه حيناً ويخلعه حيناً، كي يبدو «بريئاً» من كل تهمة توجه إليه.
وتعرف الصهيونية أيضاً أن الشاشة بكل تصنيفاتها، ومسمياتها، وأدواتها، سلاح فتاك، يدمر العقول، ويخدم المصالح إذا عرف المرء كيف يستفيد منه، ويستخدمه، فهل يعرف العرب كيف يتسلحون بالشاشة، وكيف يستغلونها للوصول إلى «الآخر»، ومواجهة العدو، أياً كان، وأينما كان؟
دعونا لا نصدر الأحكام، لكن ماذا نقول عن شبكة مثل «نتفليكس» تحرص على تقديم «إنتاج غير عادي» للجمهور خصوصاً العربي؟ ماذا نسمي شبكة تقدم مسلسلاً من 6 حلقات من إنتاج «الإسرائيلي» جدعون راف، ويحمل اسم «الجاسوس»؟
الحلقات مخصصة لسرد قصة إيلي كوهين، الجاسوس «الإسرائيلي» الذي انتحل صفة رجل أعمال سوري اسمه كامل أمين ثابت، وتم زرعه في سوريا، وتسلق الحبال حتى تقرب من رجال السلطة، وكبار ضباط الجيش، ورجال الأعمال، وأقام بالقرب من مقر قيادة الجيش السوري، وكاد أن يكون نائباً لوزير الدفاع فيها، لولا أن تم اكتشاف أمره، وإعدامه شنقاً في ساحة المرجة في دمشق.
وسبق «الجاسوس» عرض مجموعة أفلام وثائقية ومسلسلات عن قصص لجواسيس، وحكايات مفبركة عن الحرب الدائمة بين «إسرائيل» والعرب.
نحن في زمن الحروب الإلكترونية، بل قل في زمن «الجاسوسية فليكس». يشغلونك بالتراشق السياسي العلني والتهديدات، والتهويل، بينما يعمل فريق منهم على فتح معابر أخرى للوصول إلى عقر دارك، فيرمون لك السموم مغلفة بقوالب من الفن الجميل، والإبهار المتقن. تتلقف رسائلهم، وتتأثر بما يعرضونه عليك من أفلام، ومسلسلات، ومعلومات، وشرائط وثائقية. قد تكون أنت من المحصنين العالمين ببواطن الأمور، وبالخبث الصهيوني الموصول منذ عصور، فتستدرك الأمر، وترفض تلك المهازل التي تشاهدها، أما الأجيال الشابة والفتية، فهي ما زالت يانعة بلا خبرة في التاريخ والسياسة، سريعة التأثر بما تشاهده، خصوصاً من خلال الفن والسينما، والتلفزيون، ومن السهل استمالتها، وغسل أدمغة أبنائنا العرب بترهات وأكاذيب يحب الكيان «الإسرائيلي» أن يصورها لهم على أنها حقائق ملموسة، و«بطولات» تاريخية من ملفات الجاسوسية السرية.

علامات استفهام

«نتفليكس» في بيوتنا! أهلاً بالتكنولوجيا، وبكل جديد يطل علينا، فنتلقفه بشغف. والناس سعداء بالمشاهدة المتواصلة لها، والخدمة (المدفوعة) المميزة، والسخاء في الإنتاج الدرامي والبرامجي والسينمائي الخاص بها، لكن ماذا تقدم لنا هذه الشبكة الأمريكية، ووفق أي سياسة تعمل؟ فرحنا حين أنتجت وقدمت أول برنامج بالعربية، وأول مسلسل، وزاد الارتباط بها؛ حتى صرت تسمع اسمها على كل لسان. طبيعي أن ينجرف الناس خلف الموجات العالية، ويفرحون بالمغريات الجديدة، إنما حين تتكشف عورات فيها، لا بد من التوقف، ووضع ألف علامة استفهام.
ننفتح على العالم، نتابع برامج ومسلسلات وأفلاماً أمريكية، ولاتينية، وكورية، وتركية، تدخل بيوتنا بكامل إرادتنا، بل ندفع لمشاهدة بعضها. لا بأس، فالعالم صار قرية واحدة، كما يقولون، لكن في المقابل هل صنعنا شيئاً سوى أن نكون متلقين، وبامتياز؟ هل تقدمنا نحو هذا «العالم» بأعمال تقتحم بيوتهم لنقدم حقائقنا بأنفسنا، ووفق رواياتنا، وبتوقيع مؤلفين نعرفهم، ونثق بفكرهم، ووطنيتهم ووعيهم الثقافي، والتاريخي، والسياسي؟ هل أفلامنا عن النضال العسكري والسياسي ترتقي إلى الإنجازات التي حققها أبطالنا فعلياً؟ وهل عرفنا كيف نتجاوز محطة «رأفت الهجان» لننتج ما يشبهه، إن لم يكن يفوقه روعة، وإتقاناً، ونجاحاً، خصوصاً أننا تقدمنا في صناعة الدراما التلفزيونية، لا سيما البوليسية و«الأكشن»؟ وهل تجاوزنا مرحلة أفلام الجاسوسية التي لم تأت يوماً بمستوى العرض العالمي الذي يمكننا دفعه بقوة للانتشار في الخارج؟
لا شك في أننا نفخر اليوم بالفيلم المصري «الممر» للمخرج شريف عرفة، لأنه يثبت تقدمنا في هذه النوعية من الأعمال السينمائية، ولأنه يخدم رسالتنا، وتاريخنا، واستطاع أن يخدم الصورة العسكرية، والإعلاء من شأنها في عيون صغارنا، وشبابنا، لكننا نحتاج إلى الكثير من هذه الملفات التي يجب أن تفتح الطريق أمام الأجيال الجديدة لتتعرف إلى تاريخ دولنا، والمنطقة، ومواجهة «العدو»، سواء كان آتياً من الداخل عبر منظمات وجماعات متطرفة، أو من الخارج عبر بوابات «إسرائيل»، وتركيا، ومن ينتمي إليهما، أو يقف بجانبهما، أو يحتمي في ظل أي منهما، مثل «الإخوان».
«فوضى»، «الملاك» أشرف مروان أو كما يسمونه «الملاك المصري الذي أنقذ «إسرائيل»، «أسرار الموساد»، «منتجع الموساد» بالسودان، وغيرها من الأعمال التي عرضتها»نتفليكس«على التوالي. وبلغت بهم الوقاحة أقصى مداها، بجعل صهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أشرف مروان، الذي كان مصدر ثقة لدى الرئيس أنور السادات، خائناً لمصر، متبرعاً بالاتصال بالسفارة «الإسرائيلية» من أجل «إنقاذ الأبرياء فيها»، عندما علم بخطة السادات للهجوم على «إسرائيل»، منوهين بأن المسلسل مبني على قصة حقيقية، قصة «رجل واحد غيّر التاريخ»! ومن يدقق في «التاريخ»، ويشاهد «الملاك» أو «الجاسوس» عن إيلي كوهين، يدرك كم المغالطات والتناقض بين الأحداث التي ترويها الأعمال، والواقع كما حصل.
مسلسل «الجاسوس» فبركة فاضحة، ومغالطات تاريخية فجّة. يوهم المشاهد بأن إيلي كوهين الذي حمل اسم»المقاتل 88«في جهاز «الموساد»، نجح في مساعدة «إسرائيل» على تحقيق «نصر 67»، كما يسمونه، واحتلال الجولان، بينما المعروف أن كوهين أعدم في دمشق في 18 أيار/‏ مايو 1965، بينما الحرب قامت في حزيران/‏ يونيو 1967 وأدت إلى احتلال «إسرائيل» الضفة الغربية، وغزة، وسيناء، والجولان. والملاحظ في كل من «الجاسوس» و«الملاك» التركيز على اعتبار العميل كوهين، ومن يدّعون أنه عميل، أشرف مروان، «منقذ أرواح الأبرياء»، في «إسرائيل» طبعاً.
تلك الشبكة الأمريكية التي تقدم للعرب تاريخاً مزيفاً باعتباره جزءاً من تاريخهم، كيف تقدم العرب للغرب؟ أول مسلسل «عربي» تم تصويره خصيصاً ليعرض على «نتفليكس»، كان «جن» الذي شوه صورة الشباب والمجتمع الأردني. «فانتازيا»جمعت بين الدراما والرعب، سيئة من كل النواحي الفنية والأدبية والأخلاقية. لاحظ أن العمل يحكي عن الشباب ويحاول محاكاتهم كي يتقرب منهم. هل هكذا «نتشرف» بالمشاركة في قناة أمريكية؟ طبعاً تزامنت الضجة التي أثارها «جن»، مع ضجة أخرى أثيرت بسبب إعداد فيلم أمريكي عن «البتراء» اسمه «جابر»، يدعي حق اليهود في مدينة البتراء، وجنوب الأردن.
لن نقول إن كل ما تعرضه»إسرائيل«سواء عبر قنواتها الموجهة إلى العرب، أو من خلال شبكة «نتفليكس» أو عبر أفلام عالمية، مجرد أعمال مشوهة فنياً؛ فمنها ما هو رديء، ومنها المتقن، لدرجة أنها تدفع المشاهدين الشباب لتصديق كل ما فيها، والتشكيك في ما يعرفونه، أو يسمعونه. معيب بحقنا أن نستخف بعقل المفكر الذي يخطط لإقناع العالم برواياته عن «الموساد»، و«البطولات» وما تتعرض له«إسرائيل».

احتراف الخداع

نحن أمام محترفي صناعة الخدع البصرية والسمعية، ومحترفي تزييف حقائق وأحداث، والفبركة الإعلامية والفنية. بارعون في الإخراج، ولهم باع طويل في صناعة السينما والتلفزيون. لذا لا يمكن الاستخفاف بقدرتهم على خداع الشباب العربي من خلال شبكة تلفزيونية ارتبطوا بمشاهدتها، بعدما وصلت إليهم تحت ستار الخدمة السريعة، والإنتاج الخاص بها، وبمشاهديها، والجودة العالية في الصورة، والصوت، والتقنيات كافة.
«نتفليكس» التي أسسها ريد هاستينجز، ومارك راندولف، أنفقت العام الماضي نحو 12 مليار دولار لإنتاج أعمال خاصة بها، ويقال إنها تنفق 15 مليار دولار أخرى خلال هذا العام. إنما هذا يدل على أنها تتبع خطة مدروسة جيداً من أجل الانتقال من كونها شاشة لعرض محتوى ما تنتجه شركات كبرى عالمية منها «ديزني مثلاً، وفق عقود أبرمتها مع تلك الشركات، لتصبح منتجة لأفلامها ومسلسلاتها، فتتحكم في مضمون ما تقدمه للمشاهد لتخدم مصلحة الصهيونية أولاً.
واللافت أن تستثمر «نتفليكس حالياً في ما تقدمه للمشاهد أكثر من أي شبكة تلفزيون أمريكية أخرى، من أجل خدمة سياستها التي برزت مؤخراً، وبشكل واضح ومباشر. وبين عرض مسلسل وفيلم عن الجاسوسية، وتشويه تاريخ النضال العربي في وجه»إسرائيل«، لا بد من تمرير برنامج ساخر أو حلقات من مسلسل أمريكي، أو عربي.
لماذا لم نصل بعد إلى التفكير في «العدو»، بمستوى ذكائه وحرفيته نفسيها؟ لماذا نتعامل كعرب مع أي منتج فني، سواء كان سينمائياً، أو تلفزيونياً، يأتينا عبر خطوط الإنتاج»الإسرائيلية«، أو التركية، من منطلق الرفض والهرولة إلى الاستنجاد والتحذير؟
المفروض أن نكون قد تجاوزنا مرحلة «الصدمة»، وشطبنا من قاموسنا «المفاجأة». والمفروض أن نكون عرفنا كيف نحوّل الفن لدينا من تصنيف «الترفيه المطلق» إلى خانة «السلاح الناعم والموجَّه»، وأدخلناه ضمن استراتيجيات الدول، وخططها التنموية، والقومية، والوطنية، والعسكرية والأمنية. نعم الفن سلاح عسكري، يصيب العقول بدقة متناهية، ولا يخطئها، يخترق القلوب أيضاً، ويوجّه الأنظار نحو أهداف محددة، لكننا للأسف لا نتسلح به إلا نادراً، ولا نعتمده ضمن استراتيجيات دولنا كإحدى الوسائل المهمة والضرورية في مواجهة أي عدو، وفي تقديم أنفسنا للخارج وليس التصدي للعدوان فقط. نحن نخاطب أنفسنا، ولا نضع في اعتبارنا العالم الخارجي الذي نفرض عليه أن يرانا ويسمعنا، ويشاهد إنجازاتنا. ولا نخرج من دائرة مخاطبة الذات، لمخاطبة عقول»صغارهم وشبابهم«، واختراق قنواتهم بإنتاج سخي من توقيع أهم مؤلفينا، وكتّابنا، ومخرجينا.

الجدل المخيف

هل يمكن أن تؤتي جهود الكيان «الإسرائيلي» لغسل أدمغة الشباب العربي عبر أعمال درامية وسينمائية أكُلها، وتجني ثمار مخططاتها للاستحواذ على عقولهم، وإدارتها كيفما تشاء؟
يمكن أن يحدث ذلك، والدليل هو حالة الجدل التي أثارها سابقاً فيلم «الملاك»، وشكوك البعض في أشرف مروان، وبعده الجدل الذي صاحب عرض مسلسل «فوضى»، وحالياً مسلسل«الجاسوس» على مواقع التواصل الاجتماعي.
معظم الآراء على «تويتر» وغيره تهاجم ألاعيب «إسرائيل» وتفضح الهدف من ورائها، وتقر بتفاهة هذه الأعمال، مشككة في قيمتها الفنية، إلا أن هناك آراء، وإن كانت محدودة، تعبر عن انبهارها بمثل هذه الأعمال، وهي تتزايد، وستشكل رأياً عاماً حال التزامنا الصمت، واكتفائنا بمصمصة الشفاه، ومواصلتنا نهجنا السلبي، وتوهم أن حقائق التاريخ والجغرافيا لا تغيرها أعمال فنية.

تكرار أمجاد «الهجان» ينتظر صحوة درامية

بداية رحلة السينما المصرية مع الأفلام التي تتناول قصص الجاسوسية والصراع مع «إسرائيل»، كانت عام 1964، مع فيلم «الجاسوس» للمخرج نيازي مصطفى، واللافت أنه كان من بطولة فريد شوقي وتأليفه، بمشاركة بدر نوفل، وحوار محمد أبو يوسف، وسيناريو عبد الحي أديب. وتناول الفيلم قصة ضابط من جهاز المخابرات في البحرية (فريد شوقي) يكشف شبكة تجسس لحساب «إسرائيل»، زعيمها (عادل أدهم) خبير بحري سابق في «إسرائيل»، يدير مصنع تحفٍ في خان الخليلي، ويتعاون مع مغنية (آن سميرنر) تعمل في ملهى ليلي من أجل الإيقاع بالشباب من القوات المسلحة، ومن خلالهم يتجسس على الجيش وأسلحته.
تطورت أفلام الجاسوسية لاحقاً في مصر، وفي 1978 حقق «الصعود إلى الهاوية» نجاحاً بارزاً (بطولة محمود ياسين ومديحة كامل) مع المخرج كمال الشيخ، والكاتب المعروف بأسلوبه المميز في أدب الجاسوسية صالح مرسي، الذي بنى الأحداث وفق قصة مأخوذة عن إحدى عمليات المخابرات العامة المصرية. وتوالت الأفلام لكنها لم ترتق كلها إلى المستوى المطلوب، إلا أنها تبقى أفلاماً تحكي عنا ولنا، ولم يحقق منها سمعة يصل صداها إلى الخارج إلا القليل.
أما في الدراما التلفزيونية فكان «دموع في عيون وقحة» عام 1980 من أوائل المسلسلات التي تناولت الجاسوسية، وهو من ملفات المخابرات المصرية أيضاً، وكتبه صالح مرسي وأخرجه يحيى العلمي، ثم قدم هذا الثنائي «رأفت الهجان» في 1988 الذي يعتبر الأشهر بين المسلسلات العالقة في أذهان الناس، وهو ملحمة وطنية عن قصة الجاسوس المصري رفعت علي سليمان الجمال، وصل صداها إلى «إسرائيل» وهز «الموساد».
ولا ننسى الضجة التي أحدثها مسلسل «فارس بلا جواد» عام 2002 لمحمد صبحي، وإخراج أحمد بدر، وتناول فيه ما جاء في كتاب «بروتوكولات أبناء صهيون»، ثم غابت دراما الجاسوسية عن شاشاتنا، لنترك الساحة للعدو يعبث بنا وبتاريخنا كيفما يشاء.

طارق الشناوي: الفن والإبداع خط الدفاع الأول عن الأمن القومي

في رأي الناقد السينمائي طارق الشناوي، يجب أن ننظر إلى جعل «نتفليكس» من نفسها منصة للترويج ل«إسرائيل» من عدة نواح، أهمها مدى استعدادنا نحن كعرب لإنتاج مثل هذه الأعمال، لنرد بها على الآخر. وبحسب الشناوي، فإن «نتفليكس» مفتوحة للجميع، ومفاتيح التواصل معها متاحة، وما يتحكم في الأمر هو العامل الاقتصادي.
ويلفت إلى أن «إسرائيل» قدمت قبل مسلسل «الجاسوس»، فيلم «الملاك» عن أشرف مروان، وللأسف لم نتحرك ونرد على هذه الأكاذيب، رغم أنه بالنسبة لنا (للمصريين وأيضاً للعرب)، وطني شريف، وأقيمت له جنازة عسكرية، وكان صهر الرئيس جمال عبدالناصر، ومن أقرب الناس لأنور السادات.
ويضيف: طبعاً «الملاك» كان به الكثير من نقاط الضعف الفنية، وهذا لا يعني عدم الرد عليه. ويؤكد أنه يعتبر الفن والإبداع خط الدفاع الأول عن الأمن القومي، وأنه إذا كان من حقنا إنفاق المليارات على التسليح باعتباره أداتنا للدفاع عن أمننا وأماننا، فأيضاً يجب ألا نبخل في الإنفاق على الفن والإبداع، وتحديداً السينما والدراما باعتبارهما الأكثر انتشاراً.

«الهتك» سموم تركية بأموال «الإخوان»

المعروف أن هناك شركات ومجموعات على علاقة وثيقة بالرئيس التركي طيب رجب أردوغان، تسيطر على غالبية وسائل الإعلام الرئيسية هناك. يعرفون أهمية دور الدراما والسينما والفن عموماً، لذا يركزون على بث أعمال تجذب العرب، والدليل شدة تأثر شعوبنا بالمسلسلات التركية ودبلجتها إلى العربية، وتحقيقها نجاحاً جماهيرياً لا تعرفه في بلدها الأم!
تستوقفنا رغبتهم الجامحة في التركيز على إنتاج أفلام وبرامج عربية سواء بشكل واضح وصريح أو «من الباطن» فيكون الاسم الظاهر لأحد المنتمين لجماعة «الإخوان»، بينما الداعم والمموّل والموزع لمختلف أنحاء العالم تركي. آخرها كان فيلم «الهتك» الذي أنتجته «أفلام سينما البحر»، سيناريو وحوار وإخراج محمد البحراوي، المعروف بانتمائه ل «الإخوان»، وتناولته الصحافة التركية باعتباره فيلماً جيداً وجريئاً، وروجت له بل احتضنته وسارعت إلى نشره عالمياً.
حين تشاهد هذا الذي يسمونه فيلماً، تشعر بحجم المهزلة، وبأن تلك النوعية من الأعمال تسقط بشكل تلقائي ولا داعي لبذل مجهود منا كي نرد عليها. «الهتك» يفبرك أحداثاً من أجل تشويه صورة الجيش المصري وخلق شرخ بينه وبين الشعب، وهو شديد الرداءة فنياً، ممثلوه مجموعة من المبتدئين بلا أي موهبة أو «كاريزما» أو أداء سليم، الموسيقى المرافقة سيئة أيضاً ومزعجة لا تتحملها للحظات فما بالك وهي ترافقك طوال الفيلم؟ لا سيناريو ولا حوار ولا حبكة مقنعة، ما يؤكد لك أنه مجرد وسيلة لبث سموم بلا أي فن ولا وعي ولا منطق.

أحمد عاطف: تاريخ من توظيف الأكاذيب

المخرج والناقد السينمائي أحمد عاطف، ينبّه إلى دأب الصهيونية منذ بداية مشروعها الاستيطاني، إلى استخدام السينما في التأثير على الرأي العام، وربما لهذا كان اليهود أول من امتلكوا دور العرض في العالم، وفي نيويورك تحديداً، وبعدها بدؤوا تأسيس شركات الإنتاج العالمية.
واستمراراً لهذا النهج بدأت السينما الأمريكية، ومعها سينما «إسرائيل» ودول أخرى مناصرة لها، وفق عاطف، إنتاج مجموعة من الأفلام التي تروج للمشروع الصهيوني.
ويواصل: بعد إقامة الكيان «الإسرائيلي»، ضخ اليهود الكثير من المال لغسل أدمغة الرأي العام العالمي، وجعله ينسى أصحاب الأرض والحق، وفي 1960 أنتجوا فيلم «الخروج» الذي يدعو العرب لنسيان قضية فلسطين وتقبل وجود الكيان، وبعد حرب 67 ارتفع منحنى السينما الصهيونية وقدموا «معركة سيناء» عام 68 و«اهمس باسمي» عام 72، وقام العديد من المخرجين اليهود بإنتاج أفلام عن المحرقة لا تخلو من المبالغة في الأرقام والأحداث، ومنهم ستيفن سبيلبرج في «قائمة شندلر»، و«يوم الاستقلال» لرونالد ايمرج وغيرهما.
بعدها جاءت مرحلة التطبيع بالقوة، وقادتها شركة «جرين هاوس» التي سعت لاستقطاب مخرجين عرب، ويوجد للشركة موقع على الإنترنت لمن يريد معرفة المخرجين العرب الذين ذهبوا وانخرطوا معهم. ولا ننسى محاولة تقديم أفلام يتعاون فيها صهاينة مع فلسطينيين، ومن أهمها «عجمي» لمخرجين «إسرائيلي» وفلسطيني اسمه إسكندر قبطي، الذي استعان به بعد ذلك معهد الدوحة للأفلام كخبير تعليمي، وكأن قطر تكافئه على تعاونه مع الصهاينة، علماً أن قبطي لم يكن الوحيد الذي سار في هذا الطريق.
وبعد تاريخ طويل من المحاولات، يعتبر عاطف «نتفليكس»، التي جعلت من نفسها منصة للترويج للزيف «الإسرائيلي»، مرحلة جديدة بدأت مع فيلم «الملاك»، وبعده «فوضى» وهو من أوقح المسلسلات، لأن كاتبه وبطله كانا ضباطاً في «الموساد»، وهو عمل مملوء بالأفكار العنصرية التي تحط من شأن الشخصية الفلسطينية، وأخيراً مسلسل عن «الجاسوس» إيلي كوهين.
ويستبعد عاطف أن تتوقف هذه المنصة عن الدعاية للصهيونية وتبني المزاعم «الإسرائيلية»، واصفاً «نتفليكس» بشبكة حولها الكثير من علامات الاستفهام، خاصة أن مؤسسها ريد هاستينجز من الكوادر التي تعمل مع المخابرات الأمريكية، وكان عضواً في مؤسسة «بيسكوربس» التي مارست غسل الأدمغة في عديد من الدول من خلال برنامج يرفع شعار السلام ويخلو من أي سلام.

عبد الرحيم كمال: الرد بأعمال محلية ذات قيمة عالمية

وجود منصة رقمية لعرض وإنتاج المسلسلات مثل «نتفليكس»، ليس شيئاً سيئاً، السيئ هو عدم وجود منصات تعرض وتنتج مسلسلات وأفلاماً عربية الهوى والهوية، وفق الكاتب المصري عبد الرحيم كمال.
كمال يصف «الملاك» بفيلم ركيك وضعيف في عناصره بشكل عجيب، ولا تعلق منه لقطة واحدة في الذاكرة. ويقول: «لست مشغولاً بأهدافهم ولا أحمل سوء ظن تجاه تلك المنصة، ولكن ظللت طوال مشواري في ما أملكه وهو قلمي وأفكاري، معبراً عن أفكار ذات هوية مصرية عربية، رافضاً الاستيراد والتنميط وتقديم أعمال درامية مستوردة، فليقدموا أفكارهم ولنبدأ نحن، لدينا «الخواجة عبد القادر» و«الكنز»، ليعرضوا بضاعتهم وليكن الرد ببضاعة محلية ذات قيمة فنية عالمية».
ويتابع: «تقديم أعمال محلية خالصة يصنع قوة حقيقية، ذلك في ظني أفضل من مهاجمة الآخر دون تقديم أعمال. العالم يتجه إلى التنوع، وفي نفس الوقت وجودنا الفني ضمن هذا التنوع يخلق فرصة حقيقية حتى يرى العالم حكاياتنا، ويمنع الآخرين من تقديم صورة مشوهة أو مغلوطة أو مغرضة أو مضللة، وذلك لن يتاح إلا بعقول تمتلك حكايتها الخاصة والمتفردة».