الكويت:الحسيني البجلاتي
عن عمر يناهز 78 عاماً، أسلم الفنان القدير الكويتي عبدالحسين عبدالرضا روحه في هدوء في أحد مستشفيات لندن، مساء أمس الأول، ورحل بعد نصف قرن من العطاء أضحك خلاله الكويت وبقية دول الخليج، التي بكته جميعاً في ليلة واحدة.
قلب «بوعدنان» العليل منذ سنوات لم يعد يحتمل صخب الحياة فدق بعنف مساء الأربعاء الماضي بعد إصابته بجلطة أثناء وجوده في لندن، وبعد 48 ساعة توقف تماماً عن النبض ليودع الحياة هادئاً بعدما ملأها بفنه وموهبته طوال 50 عاما.

نعى الشيخ محمد العبد الله، وزير شؤون مجلس الوزراء ووزير الإعلام بالوكالة، الراحل قائلاً: إن «الساحة الفنية الكويتية فقدت برحيل الفنان العملاق «بوعدنان» قامة فنية وقطباً من أقطاب نجوم المسرح الكويتي». وأضاف: إن المغفور له بإذن الله استطاع أن يخلد اسمه بين الكثير من الفنانين المشاهير على الساحة العربية والخليجية لاسيما شخصية «حسين» في المسلسل الكوميدي الخالد «درب الزلق» الذي يعد من أشهر وأبرز المسلسلات الخليجية على الإطلاق بمزاملة رفيق دربه الفنان الكويتي سعد الفرج.

وتطرق العبدالله إلى إسهامات الفنان الراحل في تأسيس فرقتي المسرح الوطني والمسرح العربي فضلاً عن تجاربه الرائدة في التأليف المسرحي والتلفزيوني والتلحين الموسيقي والغناء. وأضاف: إن أعمال فنان الكويت الذي اشتهر بشخصية «بوعليوي» تناولت على مدى سنوات جملة من الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية بأسلوب كوميدي نقدي سجل للراحل الكبير رسالة فنية هادفة. وأوضح أن عبدالرضا حمل من خلال أعماله هموم الشارع العربي والخليجي بشكل خاص في أزمنة مختلفة، إذ تمكن من ملامسة قلوب الجمهور عبر بساطة الطرح وعفوية الأداء ما أكسبه شهرة واسعة على المستويين الخليجي والعربي.
ولفت إلى أن الفنان الراحل من رواد الفن في منطقة الخليج العربي وأحد قلائل الفنانين الذين واصلوا العطاء في الخليج حتى سن متقدمة، مشيراً إلى دوره في تأسيس الحركة الفنية الخليجية إلى جانب مجموعة من الفنانين أمثال الراحلين خالد النفيسي وعلي المفيدي وغانم الصالح وغيرهم.
وأكد أن الفنان الراحل استطاع بفنه وموهبته وعطائه أن يسجل حضوره الدائم في قلوب الجماهير في كل الأعمال الكوميدية المسرحية والتلفزيونية والإذاعية التي شارك فيها منذ عام 1961.

واختتم العبدالله بقوله: إن الساحة الفنية الكويتية والخليجية والعربية فقدت واحداً من رموزها الكبار ممن أشاع البهجة والسرور في قلوب جمهور المسرح والدراما.
ونعى مجيد الجزاف الوكيل المساعد لقطاع التلفزيون، الفنان الراحل قائلاً: بمزيد من الحزن والأسى، وإيماناً بقضاء الله الذي لا راد لقضائه، تنعى وزارة الإعلام واحداً من رجالات الكويت المخلصين وأبنائها المتميزين، وفناناً من الفنانين الذين ذاع صيتهم ليس في دولة الكويت فحسب وإنما في منطقة الخليج والعالم العربي. وتابع: الفنان الراحل من مواليد 1939 وهو من أبرز الممثلين الكويتيين الذين اشتهروا بخفة الظل وروح الفكاهة والتندر وسرعة البديهة وكوميديا الموقف. كما أن الفقيد يرحمه الله من رواد فن التمثيل في منطقة الخليج العربي ومن مؤسسي الحركة الفنية في الخليج حيث بدأ في أوائل ستينيات القرن العشرين وتحديداً عام 1961 في مسرحية «صقر قريش». ولمع نجمه الفني وذاع صيته الإبداعي في الوسط الفني الكويتي والخليجي والعربي في كثير من الأعمال الخالدة التي لا تمحوها ذاكرة الأيام ولا السنون، حيث تظل عالقة في مخيلة كل متابع للحركة الفنية ومنذ عقود خلت، حيث قدم أعمالا كثيرة وهي التي تميزت بالإبداع والتفرد الفني فضلا عن دوره الفني الرائع في هذه الأعمال. وإننا إذ ننعى الفقيد الغالي بكل حزن وأسى، فإن عزاءنا أنه باق وخالد في ذاكرة الفن الخليجي والعربي، وأنه باق في قلوب أحبابه ورواده ومتابعي حركته الفنية التي أثرت المكتبات الإبداعية.
وأوضح الفنان طارق العلي أنه على اتصال دائم مع نجل الفنان الراحل بشار عبدالحسين عبدالرضا، لحين الانتهاء من ترتيبات نقل الجثمان من لندن إلى الكويت لتشييعه إلى مثواه، متوقعاً أن يحدث ذلك غداً.
وتذكر العلي بداياته الفنية وكيف سانده الراحل الكبير في تثبيت أقدامه في عالم الفن والكوميديا، مؤكداً أنه كان يعطي بلا حدود ويشجع جميع المواهب الجديدة ويمنحها فرصاً للظهور والتألق، ولم يكن أبداً من الفنانين الأنانيين الذين يستحوذون على العمل أو يخشى من وجود مواهب إلى جواره، بالعكس كان يفضل أن يخدم عمله الفني بأفضل العناصر لأنه في النهاية محسوب له ولاسمه ولتاريخه.
وعن الراحل القدير، يقول الناقد الفني ورئيس قسم الفنون في جريدة «النهار» عبد الستار ناجي: يمثل النجم القدير عبد الحسين عبد الرضا أحد أبرز نجوم الوسط الفني ليس في الكويت وحدها بل على المستويين الخليجي و العربي، حيث الشموخ المقتدر والبصمة الفنية التي راحت تتأكد حتى تحول إلى «أيقونة» خالدة في مسيرة الحركة الفنية في دولة الكويت.
وقال الكاتب المسرحي بدر محارب: وداعاً الفنان والإنسان والصديق والأخ الأكبر عبدالحسين عبد الرضا، مؤكداً أنه حالة فنية استثنائية ليس في المجال الفني الكويتي والخليجي فقط ولكن في مجال الحركة الفنية العربية بشكل عام، فقد كان الفنان الخليجي الأول الذي استطاع أن يخرج من إطار المحلية إلى العربية متخطياً حاجز اللهجات، وبات الفن الذي يقدمه يخاطب الجماهير العربية كلها من أقصى الشمال إلى الجنوب.
وقال الروائي طالب الرفاعي: للكويت العزاء ببقاء أعماله المبدعة التي باتت علامة فارقة ليس في تاريخ الفن الكويتي فقط ولكن في تاريخ الفن العربي، فلم يكن عبدالحسين مجرد كوميديان عادي يقدم أعمالاً للتسلية والضحك لكنه كان مبدعاً وفيلسوفاً يؤرخ لتاريخنا السياسي وواقعنا الاجتماعي بأعماله الخالدة التي ستبقى مرجعاً مهماً شاهداً على تاريخ تلك الحقبة السياسية والاجتماعية.وشبّه أستاذ النقد المسرحي د.نادر القنة، الفنان عبدالحسين عبدالرضا ب«موليير الكويت» و«فيلسوف الصناعة الكوميدية»، وأكد أنه واحد من القلائل الذين قدموا الكوميديا بوعي مدرك لأهميتها الفنية ليس فقط من أجل المتعة والإضحاك وهو هدف نبيل في حد ذاته ولكن من أجل أن تبقى حية وشاهدة على تفاصيل الحياة الاجتماعية في الكويت والخليج في النصف قرن الذي وهب موهبته وفنه لتلك المهمة العظيمة، وهذا يفسر بقاء أعماله خالدة وباقية حتى الآن حتى في مخيلة الأجيال الحديثة، وبقائه متربعاً فوق القمة طوال تلك السنوات.
وطالبت الناقدة الفنية ليلى أحمد، تلفزيون الكويت بوضع صورة فقيد الشعب الفنان القدير عبدالحسين عبدالرضا، على شاشته لثلاثة أيام متتالية تقديراً لفنان ساهم مع آخرين في تأسيس تلفزيون الكويت. وتابعت: «حتى وهو يبين تعب قلبه في رحلة حياته، كان يقولها بكوميديا ومن دون نكد، في آخر مسلسل شارك فيه «سيلفي 3».
واختتمت أحمد بقولها: «أضحك عبدالحسين الخليج كله نصف قرن، وفي ليلة واحدة أبكى الجميع، رحم الله الفنان القدير وجزاه بقدر ما أمتعنا».

طلب «المفتش العام لجوجل» ورحل

يقول الكاتب والروائي إسماعيل عبد الله رئيس مجلس الأمناء والأمين العام للهيئة العربية للمسرح: بالتأكيد المصاب جلل والفقيد عظيم، وخسارة كبيرة لنا هذا الهرم الفني الخليجي، المدرسة الفنية التي نهلت منها الأجيال وستظل تنهل من إرثه الأجيال القادمة.
ويتابع: تربطنا بالراحل علاقة جيدة، فكان مفعماً ومحباً للحياة، ويصر على مواصلة مشواره الفني رغم مرضه، لدرجة أن شغفه وحبه للمسرح لم يمنعاه آخر أيامه من أن يطلب مني إنجاز نص مسرحي لتقديمه بعد انتهاء أزمته الصحية، ووقتها استغربت كثيراً، وأجبته بأن صحته لا تسمح بتقديم عمل مسرحي، إلا أنه فاجأني برده قائلاً: «الوقوف على خشبة المسرح هو حياتي وطالما أتنفس سأقدم مسرحاً، وبالفعل كتبت العمل وانتهيت منه تماماً وهو بعنوان «المفتش العام لجوجل»، وتحدثنا فيه، وكان من المفترض تقديمه الفترة المقبلة، ولكن لم يمهله الوقت لتقديمه».
تواصل حتى الساعات الأخيرة
عن الساعات الأخيرة في حياة عبد الحسين عبد الرضا، قال الفنان سعيد سالم الذي تجمعه بالراحل صداقة قوية: دائماً ما كان بيني وبينه تواصل يومي عبر الهاتف، ولا تطأ قدمي أرض الكويت إلا وأذهب إليه؛ للاطمئنان على صحته، وقبل سفره إلى لندن بساعات كنت أطمئن عليه تليفونياً بشكل مستمر، وبعد وصوله لتلقي العلاج بأحد المستشفيات البريطانية كنت يومياً على تواصل مع نجله عدنان، وآخر اتصال بيننا كان قبل الوفاة بثلاث ساعات ونصف الساعة تقريباً في التاسعة والنصف مساء الجمعة؛ حيث أخبرني نجله قائلاً «حالته لا تسر نهائياً»، وبعدها علمت بالوفاة قبل الواحدة من صباح السبت.
ويتابع سالم: يعجز اللسان عن هذا الشخص فأول عمل تشاركنا فيه، ورؤيتي للمرة الأولى له كانت وكأني أعرفه منذ 20 عاماً وكان من خلال مسلسل «الحيالة»، فكان نعم الأخ والصديق والناصح والمعلم، الجميع يستفيد منه ويتعلم منه كل الالتزام، التفاني في العمل، وبالفعل يعز علينا فراقه.
ويتابع سالم عن آخر أعماله مع الراحل كضيف شرف في مسلسل «سيلفي 2»: طلبه وليد الإبراهيم رئيس مجلس إدارة مجموعة «إم بي سي» شخصياً للمشاركة مع ناصر القصبي من خلال العمل وطلب منه المشاركة ولو كضيف شرف خصوصاً أن حالته الصحية كانت سيئة إلى حد ما، وبالفعل وافق على المشاركة وطلب من المسؤولين عن العمل أن أكون متواجداً في تلك الحلقة، ومشاركته مشاهده وبالفعل حدث من خلال حلقة «قلب أبوي» ضمن حلقات مسلسل «سيلفي2».
وأنهى سالم حديثه معزياً شعب الكويت والشعب الخليجي والعربي.
نهاية الفن الأصيل
«الفن الراقي والأصيل في الخليج اليوم أسدل الستار عليه، والبركة في كل الأصليين الآخرين الذين من الممكن أن يكملوا المسيرة».
هكذا بدأ الفنان والمنتج أحمد الجسمي حديثه عن عبد الحسين عبد الرضا.
وأكمل: الكوميديا الحقيقية التي تنشأ من موضوع ومن موقف اليوم غادرنا صانعها وأستاذها ومعلمها الأول، فقد خسرت اليوم أخاً كبيراً، وصديقاً عزيزاً، وأباً ومعلماً، فضلاً عن أنه خسارة فنية كبيرة، وعزاؤنا فيمن يتبع نهجه وأسلوبه، ولكن لن يتكرر عبدالرضا.
ويضيف: نحن في الوطن العربي بأكمله بحاجة ماسة لمثل هذه الشخصية التي كانت تجمعنا وتنسينا همومنا وتضحكنا وتفرحنا، اليوم هو وقته ولكن للأسف رحل عنا.
ويتابع: علاقتي كانت قوية جداً معه ومع أسرته فهو رجل قيم، خير، لا ينافق، لا يجامل، ويساعد أي شخص ولا يتردد.