الشارقة: «الخليج»

خاض الإنسان قبل عشرات الآلاف من السنوات معركة طويلة لقهر الظلام، بدأها باستخدام النار للتدفئة وطرد الضواري وإنارة ظلام لياليه الطويلة، ومن بعدها فطن إلى إمكانية استخدام الزيوت المستخرجة من باطن الأرض للاشتعال فملأ الأصداف والحجارة المجوفة بالنفط والدهن، لتبقى مشتعلة أوقاتاً أطول ، ودللت على ذلك بعض النقوش القديمة على جدران المعابد المصرية والتي أشارت إلى نساء يحملن أطباقاً مفتوحة ينبعث منها وهج خفيف ينسل منه شعاع ضوئي يستدل به على المكان. ولم تتلكأ البشرية طويلاً بحثاً عن أدوات أفضل لإنارة فترات أطول فكان اختراع الشموع نحو 500 عام قبل الميلاد.
وفي الطريق الطويل نحو «النور» قدمت حيتان العنبر الخدمة الأكبر للإنسانية والتي اعتمد عليها العالم قرونا طويلة ( من السابع عشر وحتى العشرين) كمصدر للزيوت عالية الجودة لإضاءة المصابيح. وسجلت عدة روايات كلاسيكية ذائعة الصيت رحلات الصيد الطويلة التي كان الأوربيون ينطلقون بها لأشهر طويلة لمطاردة صغار الحيتان والنيل منها، وتحولت رواية «موبي ديك» للنرويجي هرمان ملفيل إلى أسطورة وثقت عملية الصيد، وكيفية إحداث ثقب في منطقة محددة بالحوت، واستخراج الدهون منها، ومن ثم تخزينها في براميل عملاقة كانت تقدر بها قيمة السفن العائدة إلى الموانئ.
تعرضت حيتان العنبر للصيد المكثف طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بفعل الطلب المرتفع على الزيوت المستخرجة من شحومها، والتي كانت تستخدم في عدة صناعات مثل، زيوت المصابيح، وأقلام الرصاص، والشمع، والمواد المانعة لتسرب المياه.إضافة إلى العنبر المادة الصلبة الشمعية والقابلة للاشتعال التي تنتجها أمعاء الحيتان، والتي كانت تستخدم على نطاق واسع في صناعة العطور. وفي عام 1784 اخترع الكيميائي السويسري إيميه اركاند مصباحا ذا فتيلة أنبوبية وركب عليها مدخنة من أجل توجيه الهواء نحو الشعلة لزيادة فعالية المصباح الزيتي. وفي 1799 سجلت أول براءة اختراع في باريس لمصباح يعمل على حرق الغاز، وظهرت المحاولة الأولى لاستخدام مصابيح لإنارة شوارع في مدينة باريس عام 1842.
اتبع اكتشاف النفط في الولايات المتحدة عام 1859 انتشار واسع لما يعرف بمصابيح الزيت وظهر أول نموذج لمصباح كهربائي متوهج ذي فتيلة من الفحم في 1878 على يد الكيميائي جوزيف شوان، وكان الأمريكي توماس إديسون أول من صنع المصباح المتوهج المفرغ ذي الفتيل من الكربون، والذي يعمل لعدة أيام بلياليها دون أن يحترق في عام 1879. وفي 1902 ظهر المصباح الكهربائي المتوهج بالفتيلة المصنوعة من الأوزميوم.
وفي عام 1932 استخدمت الفتائل الملفوفة في المصابيح المتوهجة وملئت بغاز الأركون الخامل ومن بعدها تم صناعة أول مصباح مملوء ببخار الزئبق والذي أصبح يستخدم في إنارة الشوارع. وفي عام 1939 صنع مصباح الفلوريسنت ذو الشكل الأنبوبي والضوء الأبيض البراق والذي يستخدم في إنارة المكاتب والمدارس والقاعات العامة وفي عام 1951 ظهرت مصابيح الزينون المستخدمة في الملاعب والساحات العامة.ورغم كل التطور الذي شهده عالم الإضاءة في العقود الماضية،ما زال المصباح الكهربائي المتوهج هو الأكثر شعبية للضوء الاصطناعي، لرخص ثمنه وصغر حجمه.