الخبر السار أن موسى قرر منذ الربع الأخير من سنة 2015 أن يكتب مذكراته التي اختار لها عنوان «كِتَابِيَهْ»، الذي استمده من الآية القرآنية الكريمة «فَأَمَّا مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤوا كِتَابِيَهْ (الحاقة - 19)؛ ليخط فيها شهادته على الأحداث التي عاصرها من المواقع المختلفة التي شغلها طيلة حياته المهنية، كاشفاً الكثير من الأسرار التي ستحظى باهتمام المواطن المصري والعربي في كل مكان. تأتي مذكرات موسى - كما يقول في مقدمة الجزء الأول -»في ثلاثة أجزاء منفصلة وإن متتابعة مترابطة، يسرد الجزء الأول منها نشأتي حتى أصبحت وزيراً للخارجية وينتهى بخروجي من الوزارة، ويتعامل الجزء الثاني من المذكرات مع السنوات العشر التي قضيتها على رأس الجامعة العربية. فيما يتعلق الجزء الثالث بما بعد ذلك، أي من 25 يناير 2011 وحتى إقرار الدستور في عام 2014 وتولي الرئيس عبد الفتاح السيسي حكم مصر».
اعتباراً من اليوم تنشر «الخليج» حلقات من الجزء الأول من مذكرات عمرو موسى - التي تصدر قريباً عن «دار الشروق»- والتي قام بتحريرها وتحقيقها وتوثيقها، الكاتب الصحفي، خالد أبو بكر، مدير تحرير جريدة «الشروق» القاهرية. وجاء هذا الجزء في 654 صفحة من القطع المتوسط، حاملاً بين دفتيه 33 فصلاً موزعة على قسمين؛ الأول تناول حياة موسى من الميلاد سنة 1936، إلى نهاية عمله مندوباً دائماً لمصر في الأمم المتحدة في مايو 1991، فيما تم تخصيص الثاني للسنوات العشر التي قضاها وزيراً للخارجية، والتي انتهت في مايو 2001.
لعل أهم ما يميز هذه المذكرات - كما يقول الناشر إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة دار «الشروق» في تقديمه لها - إن عمرو موسى يقدم فيها منهجاً جديداً في كتابة المذكرات السياسية لا يعتمد فقط على الذاكرة البشرية، التي تقف عند حدود بعينها، وتنتابها الكثير من عوامل التعرية، أقلها الخلط والخطأ والنسيان. بل إنه يكتبها من»الوثائق الرسمية»التي تنطق ب»الحقيقة المجردة»، التي لا تقبل شكاً أو جدلاً، ولا تحمل شبهة انحياز. أو من خلال «شهادات مسجلة وموثقة» لآخرين شاركوه صناعة الأحداث، أو كانوا قريبين منها من موقع (شهود العيان)، وجميعهم على قيد الحياة».
تبقى نقطة في غاية الأهمية وهي أن هذه الحلقات التي سننشرها من الجزء الأول من مذكرات عمرو موسى لن تغني عن قراءة الكتاب بكامله، الذي تكشف صفحاته الكثير من الأسرار الشخصية والعملية في حياة وزير الخارجية المصري التاريخي؛ وبعبارة أخرى نقول: إن ما سينشر في هذه الحلقات - وإن عرضناه على لسان موسى بصيغة المتكلم - هو اختزال شديد جداً للنص الأصلي بتفاصيله الكثيرة والجديدة والمشوقة في آن واحد.
طفولة في رحاب الوفد
ولدت في 3 أكتوبر 1936م، في حي منيل الروضة بالقاهرة. كان من الأحياء الهادئة، التي تقبل على السكنى فيها الطبقة المتوسطة في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي. النيل من الأشياء التي ارتبطت بها منذ مرحلة باكرة من حياتي. أذكر بمزيد من السعادة تلك المرات التي أخذتني فيها والدتي السيدة «ثريا حسين الهرميل» للتنزه على صفحة هذا النهر العظيم. لا زلت أشعر بقبضة يدها وهي تمسكني بقوة خلال ركوبنا المراكب الشراعية التي كنا نتجول بها في مياهه.
والدي الدكتور محمود أبوزيد موسى. كان يعمل مدرساً في كلية الآداب بجامعة القاهرة. بعد عودته من فرنسا وتخرجه في جامعة ليون دخل مجال السياسة مثله مثل شباب تلك الأيام الذين تعلموا في أوروبا ويستندون إلى أسر عميقة الجذور، وانتخب نائباً في مجلس النواب عن حزب الوفد في أواخر عشرينات وأوائل ثلاثينات القرن الماضي، وكان مقرباً من الزعيم مصطفى النحاس باشا؛ لأنه كان من ضمن مجموعة شباب حزب الوفد التي تلقت تعليماً جيداً في الخارج، وكان الحزب يستند إليهم ويراهن عليهم، ويعدّهم للمستقبل في محاولة مدروسة لتواصل أجياله.
في هذه الفترة تركنا حي منيل الروضة، وانتقلنا إلى شارع سعيد المتفرع من شارع قصر العيني. كان منزلنا مشرفاً على حدائق مجلس الوزراء، الذي كان قصراً للأميرة شويكار ومبناه الفخم وأشجاره الوارفة آنذاك. على الناحية الأخرى من هذه الحدائق يربض البرلمان بقبته التاريخية. يومياً كنت أطل من النافذة على هاتين المؤسستين (مجلس الوزراء والبرلمان)، وكثيراً ما حكت لي والدتي عن أهميتهما، التي تبدت لي من خلال متابعتي للحركة الدؤوبة حولهما، لاسيما من الضباط والجنود الذين كانوا يرتدون ملابس التشريفة بألوانها الزاهية المبهجة.
بعد أن بلغت الخامسة بقليل، أصيب أبي بالفالج (نوع من الشلل)؛ الأمر الذي قلب نظام الأسرة. من بين الوصفات التي وصفت له كي تتحسن حالته العيش في الريف، حيث البعد عن التوترات بما فيها العمل في الجامعة والسياسة. تحقق ذلك بأن دعانا جدي لوالدتي النائب الوفدي في مجلس النواب «حسين بك الهرميل» للإقامة معه في منزله الكبير ب«محلة مرحوم»، الواقعة إلى جوار مدينة طنطا. كان بيتاً رحباً يسميه الناس هناك «السرايا»، ولذلك كان من السهل أن يخصص لنا فيه - والدي ووالدتي وأنا - جناحاً كاملاً.
خلال تلك الفترة التقيت ببعض زعماء الوفد الكبار في مناسبات عديدة؛ فعندما بلغت السادسة من عمري، جاء لزيارة جدي، القطب الوفدي الكبير، مكرم عبيد باشا، قبل أن يتم فصله من حزب الوفد في يوليو 1942م. أنشدت أمامه نشيداً للترحيب به، يقول مطلعه «أهدي لمكرم باشا الورد»، وبعد ذلك بسنوات قليلة زارنا فؤاد باشا سراج الدين الذي أصبح سكرتيراً عاماً للوفد.
لم يكن جديداً علي أن أقف أمام مكرم عبيد باشا للترحيب به في هذه السن الصغيرة؛ فقبل هذه الزيارة خطبت في الجماهير خلال مؤتمرات جدي الانتخابية الخاصة بالانتخابات البرلمانية التي أجريت في مارس 1942م، والتي فاز فيها الوفد بأغلبية كبيرة بعد أن قاطعها «الأحرار الدستوريون» و«السعديون».
أول مرة زرت فيها النحاس باشا مع جدي كانت في إجازة نصف العام سنة 1946م. قدمني جدي إليه بقوله: «هذا عمرو بن الدكتور محمود موسى»؛ فاحتضنني الباشا وقبلني وربت على كتفي، وأجلسني على حجره، وظل يسألني بعض الأسئلة من تلك التي تسأل للأطفال في مثل سني: في أي سنة دراسية أنت؟ وفي أي مدرسة؟.. وعندما أجيب يرد مبتسماً: ما شاء الله.. ما شاء الله.
توفي والدي أوائل سنة 1945م، ولكن وجود جدي في حياتي خفف نسبياً وقع غياب الأب على نفسي؛ فقد أولاني هذا الرجل العظيم عناية ورعاية خاصة، لم يحظ بها أي من أحفاده الآخرين. ذهبت بعد ذلك إلى المدرسة الابتدائية، ومع دخولي إياها لبست «البنطلون الطويل» لأول مرة، قبلها كنت أرتدي «الشورت» مثل معظم أطفال ذلك الزمان. كان لبس البنطلون الطويل واحداً من المطالب التي ألحّيت بها على أمي. أول بنطلون أرتديه كان رمادياً، لبسته مع جاكيت أخضر، وطربوش، فكان هندامي معقولاً، لكن هذه القيافة والشياكة كانت تذهب إلى خبر كان عندما نلعب الكرة في المدرسة؛ ففي المرات التي كنا لا نجد فيها كرة نلعب بها، كنا نلعب بطربوش واحد منا!
كانت والدتي مهتمة جداً بأن أظل على علاقة جيدة بأسرة الوالد، في قرية «بهادة» بمركز قليوب (تتبع الآن مركز القناطر الخيرية)، بمحافظة القليوبية. في بداية كل إجازة صيفية ترسلني إلى أسرة والدي لأقضي معهم أسبوعين قبل أن أتوجه معها وجدي إلى المصيف بالإسكندرية.
الحياة الجامعية
حصلت على التوجيهية (الثانوية العامة) سنة 1953م، بمجموع بلغ 58,8%، وأعلنت كلية الحقوق بجامعة القاهرة أنها ستقبل الطلاب الجدد بمجموع حده الأدنى 60% للقسم الأدبي. لم يكن هناك نظام التنسيق المعمول به الآن لدخول الجامعات. أخذت أوراقي وذهبت لتقديمها في هذه الكلية؛ فرفض الموظف استلامها مني. قال: «إن مجموعك أقل من الحد الأدنى ب0,2% (اثنين من عشرة في المئة) انتظر أسبوعين، قد يتقرر تخفيض الحد الأدنى».
لم أرتح لموضوع الانتظار لأسبوعين؛ فقررت الذهاب لمقابلة عميد الكلية لأعرض الأمر عليه. لم أكن أتخيل حرماني من دخول كلية الحقوق التي هي رغبة أكيدة لي وأمل لوالدتي، ناهيك عن اللوم الذي كنت أتوقعه لأنني لم أحصل على ال60% المطلوبة. سألت أحد السعاة عن مكتب العميد، فسألني عن سبب المقابلة فحكيت له الواقعة. قال لي: «اذهب إلى الشيخ محمد أبو زهرة، وكيل الكلية، والمسؤول عن قبول الطلاب الجدد».
توجهت إلى الشيخ أبو زهرة في مكتبه، فما أن رآني حتى قال بصوته الجهوري، وبلهجة عدوانية لطيفة كانت معروفة عنه: «إيه؟.. عايز إيه يا ولد؟.. أنت مين؟ وجاي ليه؟». قلت: اسمي فلان.. وعندي مشكلة صغيرة، وهي أن مجموعي أقل من الحد الأدنى للقبول بالكلية ب 0,2%، وأنا أريد أن تقبلني في الدفعة الجديدة.
باغتني بنفس لهجته الحادة: مش قادر تجيب 60%؟ ده أنت خيبان بقى.. خيبان هه. لماذا لا تنتظر كام يوم ربما نوافق؟ أجبت: لماذا أنتظر والأمر عند فضيلتك، والفصل بين يديك؟ (اندهشت أنا نفسي لهذه الجملة البليغة التي صدرت مني دون إعداد ويبدو أنه «انبسط» منها أيضاً)، وبالفعل كتب على الملف الذي يحتوي على أوراقي «أوافق ويسجل»، وقبلت في كلية الحقوق.
في هذه الفترة تزوجت والدتي من رجل فاضل هو المرحوم المهندس محمد عبد الرجمن عبد الباري (من قرية زاوية البقلي في المنوفية). كان مفتشاً عاماً لمشروعات الري في الغربية ومقره طنطا، وقد أسهم هذا الرجل الكريم في تربيتي؛ فعلمني دوام الصلاة، وأشرف على توجيهي بتسامح وتفهم لحاجات الشباب، وسهل لي التمتع ببعض الحريات الإضافية التي لم تكن حياة القرية ومجتمعها يتفهمها جيداً.
في الجامعة وجدنا آفاقاً واسعة تتفتح أمامنا. لم يكن هناك تسجيل للحضور أو الانصراف؛ ولذلك نجحت في تكوين شلة واسعة جداً من الطلبة، كنا نذهب إلى كلية الآداب و«بوفيها» الشهير أو نذهب إلى حفلات السينما الصباحية، وغير ذلك من حركات الشباب وأنشطته وشقاوته..
من المحاماة للخارجية
بعد تخرجي عملت محامياً تحت التمرين، كان كل ما أصنعه هو أن أطلب تأجيل بعض القضايا بتقديم بعض المبررات لهيئة المحكمة. في البداية كان الكاتب الذي يعمل بمكتب المحاماة الذي أتدرب فيه يساعدني على كتابة الصيغ الخاصة بطلب هذه التأجيلات. لكن في مرة من المرات ذهبت إلى محكمة الجيزة الجزئية لطلب تأجيل، وكنت قد درست أسباب التأجيل بهمّة لا بأس بها، وترافعت أمام القاضي، وحصلت بالفعل على ما أردت.
في أحد أيام سبتمبر من سنة 1958م، وبينما أهم لدخول محل «جروبي» الشهير في وسط القاهرة لمقابلة بعض أصدقائي، لمحت ذلك القاضي الذي ترافعت أمامه في محكمة الجيزة الجزئية - لم أعد أذكر اسمه الأول، لكن لقبه كان: ضياء الدين - يجلس مع اثنين من أصدقائه، فأشار لي، فذهبت إليه. بادرني بالقول: أنت ترافعت قدامي من كام يوم؟ قلت: نعم. قال لي: شوف يا ابني، إذا استطعت أن تتحمل مشاق المحاماة لمدة 10 سنوات ستكون أكبر محام في مصر، أنا أتنبأ لك بذلك، ومن الممكن أن تصبح وزيراً للعدل في يوم من الأيام.
أكرمني الله بأن التحقت بوزارة الخارجية سنة 1958، علماً بأن القبول في الخارجية لم يكن خلال هذه الفترة بالوساطة، كان الأمر يتوقف على قدرتك على اجتياز الامتحان السري والمقابلة الشخصية، وسلامة بعض التحريات الأمنية التي تجرى على المتقدم للتأكد من عدم قيامه بأي نشاط سياسي من الذي تعتبره الدولة موجهاً ضدها، مثل عضوية جماعة الإخوان المسلمين، أو أي من التنظيمات الشيوعية التي كانت تنتشر في مصر وقتها، وأنا لم يكن لي أي نشاط سياسي من هذا النوع خلال فترة الجامعة أو قبلها.
أول عمل استلمته في الوزارة كان في إدارة تسمى «إدارة الأبحاث». كانت تربط بين وزارة الخارجية ورئاسة الجمهورية، فأي شيء تريد الوزارة إرساله إلى الرئاسة يتم عبر هذه الإدارة المهمة. بعد ذلك نُقلت لأصبح سكرتيراً خاصاً لوكيل وزارة الخارجية الجديد، الفريق حافظ إسماعيل، بعد أن رشحني مدير «إدارة الأبحاث»، المستشار صلاح وصفي، رحمه الله، لهذا العمل.
مكثت فترة في مكتب إسماعيل، إلى أن جاءت الحركة الدبلوماسية، فعرفت أنني مرشح للعمل في سفارتنا في أثينا. دخلت عليه محتجاً. قلت له: «يا فندم أنا في مقتبل حياتي المهنية، وأريد أن أتعلم. ذهابي لأثينا يساوي عندي الذهاب إلى الإسكندرية بالضبط»، بعد كثير من التفاصيل ألحقت للعمل لدى سفارتنا في العاصمة السويسرية برن مع السفير فتحي الديب.
الديب كان رجلاً ذا عقل راجح وتجربة ثرية في الحياة، فكان متفهماً لانطلاق الشباب ممن في مثل سني، لكنه في الوقت نفسه كان قادراً على السيطرة على الأمور بشكل ممتاز. كان فاعلاً في القضية الجزائرية، وتربطه علاقات وثيقة جداً بقيادات الثورة الجزائرية؛ التي كانت تدعمها مصر.
أذكر خلال فترة عملي في سفارتنا في برن أن الرئيس جمال عبد الناصر كان يهتم بنظام غذائه، ولذلك كان من يخدمونه يرسلون من وقت لآخر من يأتي له بأصناف معينة من الطعام الخاص ب«الرجيم» من سويسرا. كانت أشياء بسيطة، وكان يأتي لإحضارها رجل ضخم الجثة، وكنت أنا المسؤول عن تسليمها له.
هذا الرجل كان يصر على أن «مصر هي أكبر دولة في الدنيا، وأن الرئيس عبد الناصر هو أعظم رئيس في العالم.. لا أمريكا ولا روسيا.. سيبك من الكلام الفارغ ده يا أستاذ عمرو، رئيسنا أهم شخصية في العالم.. والاثنين دول بيتنافسوا عليه وهو موريهم الويل.. ورغم كده شوف تواضعه.. الرجل يأكل فول وجبنة زي باقي الشعب»! ورغم حبي الشديد لعبد الناصر إلا أنني كنت أضحك على المنطق الذي يتحدث به هذا الرجل، بخاصة أن الرئيس ليس أهم رئيس في العالم.
البحث عن أخي علي موسى
بعد سنتين من ولادتي، ولد أخ لي هو طارق موسى غير أنه توفي طفلاً. بعد ذلك بقليل قيل لي إن لي أخاً آخر يعيش في فرنسا من أم تزوجها أبي وهو يتلقى العلم هناك واسمه «علي»، ثم أصبح «بيير»، مولود في 3 مارس 1922، أي أنه يكبرني ب14 سنة. حاول أبي أن يأتي به إلى مصر قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية إلا أنه واجه معارضة شديدة من أمه، التي تمسكت بأن بقاءه في فرنسا أفضل له من العيش في الشرق، وأن ذلك - وفقاً لما تراه هي- يصب في مصلحته.
اندلعت الحرب ووقعت فرنسا تحت الاحتلال الألماني. فور معرفة أبي بهذا الخبر سقط مصاباً بالفالج حزناً على ابنه الذي لم يستطع الاتصال به أو معرفة مصيره. ظل - يرحمه الله - يتعذب على فراش المرض من شدة القلق على ذلك الابن الذي يعيش في بلد يخوض حرباً طاحنة لا هوادة فيها، إلى أن توفي في سنة 1945، التي انتهت فيها الحرب دون أن يتمكن من معرفة مصير موسى الصغير في فرنسا.
تمر السنون والسؤال عن مصير أخي يكبر بداخلي. صار لغزاً كبيراً في حياتي أعمل جاهداً على حله. قبل وصولي برن أجريت محاولات عديدة للبحث عنه لكنها فشلت.
في إحدى الإجازات التي أمضيتها في باريس سنة 1962 - 1963 هداني تفكيري للبحث عن اسمه في دفتر التليفونات الخاص بهذه المدينة. لم أصدق نفسي عندما وجدت اسمه مكتوباً في هذا الدفتر. رجف قلبي بشدة. تذكرت أبي. خاطبته كأني واقف أمامه: يبدو أن الله قد أراد أن يريح قلبك الذي لاقيت ربك وهو موجوع على أخي.
حاولت تمالك أعصابي أثناء إمساكي بالسماعة لإجراء أول اتصال ب«بيير». قدمت له نفسي: أنا أخوك عمرو. ظهر متردداً في البداية وغير قادر على استيعاب ما أقوله له، فهو الآن في الأربعين من عمره، وبعد كل هذه السنوات يتلقى تليفوناً من شخص يقول له: أنا أخوك. كانت المفاجأة كبيرة عليه. قال إنه يعمل في قطاع البنوك، وإنه عائد لتوه من واشنطن، حيث كان يمثل فرنسا في أحد الاجتماعات الهامة، وأنه مسافر إلى إفريقيا في ظرف أيام قليلة.
قال بيير وقد بدأ يستوعب ما أقوله: «لابد أن نلتقي قبل أن تغادر فرنسا»، ودعاني إلى فنجان قهوة سريع معه بعد يومين. قضيت بقية اليوم واليوم التالي وأنا متوتر الأعصاب.. رحت أفكر فيما يمكنني أن أقول له.. هل أحكي له عن مرض والدنا بسبب خوفه عليه بعد اندلاع الحرب، أم أجعل اللقاء لطيفاً هيناً باعتباره لقاء تعارف أتوقع أن تتلوه لقاءات أخرى؟ انحزت إلى الخيار الثاني.
ذهبت إلى «الكافيه دي لابيه» قبل الموعد بساعة أو أقل قليلاً. جلست على مائدة تمكنني من رؤية كل من يدخل من الباب الرئيسي، وتمكن الداخل أيضاً من رؤيتها. تشاغلت بقراءة صحيفة.. الوقت يمر بطيئاً جداً. بدأ الناس يتقاطرون على «الكافيه» فهو وقت «شاي بعد الظهر». رحت أشخص ببصري صوب الباب الرئيسي متمنياً أن أتمكن من التعرف إلى أخي دون أن يتوه أو أتوه أنا منه. فجأة دخل «والدي» فوقفت وتوجه هو إليّ وتصافحنا. قلت «والدي» لأن بيير يشبه والدي تماماً. أول ما قاله لي: تعرفت إلىّ.. بسهولة يبدو أنك ذكي. قلت: «كل ما في الأمر أنك تشبه والدنا بشدة، لا يحتاج الأمر إلى ذكاء خاص»، فأظهر سروره بتأكيدي على شبهه الكبير بوالدنا.
انتهى اللقاء بأن اتفقنا على مداومة الاتصال دون الإعلان عن أخوتنا بالنظر إلى ظروفه الخاصة، فضلاً عن أن العلاقات المصرية- الفرنسية لم تكن في أحسن حالاتها، وخشي من تأثير ذلك في مكانته في فرنسا، وهو ما تفهمته بشدة، فهو ينطبق علي أيضاً، وإن بشكل أقل. مضت الأمور في أوقات لاحقة بتبادل الزيارات بيني وبين أخي، دعوناه - زوجتي وأنا - لزيارة القاهرة مع زوجته، واستضفناه في منزلنا في «سيدي عبد الرحمن»، ثم دعوناه مرة أخرى إلى حفل زفاف ابنتنا هانية، وحضر أيضاً مع زوجته. بيير موسى واحد من أهم وأشهر رجال البنوك في فرنسا، معروف بكفاءته العالية في عالم المال والبنوك، وله عدة كتب منشورة ومقروءة. تزوج ولم ينجب، ولا يزال حياً. وأزوره مرة كل شهرين.
عقاب أمي
خلال تلك الفترة بدأت تباشير الشباب تظهر عليّ، من الرغبة في تدخين سيجارة.. الإعجاب بفتاة.. إثقال الخطوة عندما ينادي عليّ أحد، في محاولة لإظهار أنني قد كبرت ولم أعد طفلاً. بعد أن تخطيت عامي الثالث عشر بقليل - في سنة 1949م - وصلني أول «سيجار» في حياتي. لا أذكر من أعطاه لي. يومها دخلت السينما مع مجموعة من الأصدقاء، فوجدتها مناسبة لإشعاله بداخلها.
لم أكن على دراية بكيفية تدخين «السيجار»؛ فسحبت نفساً عميقاً وكأنني أدخن سيجارة صغيرة. على إثر ذلك دخلت في نوبة إغماء.
حصلت على الثانوية العامة من مدرسة «طنطا الثانوية الجديدة»، لكن يجب أن أعترف هنا أنني في بداية هذه المرحلة أهملت بعض دروسي، وكانت النتيجة هي رسوبي في الصف الأول الثانوي. تسبب ذلك في صدمة كبيرة لي وللعائلة. عانيت كل ما يمكن أن يعانيه طالب راسب في أسرة مصرية تتصور لابنها مستقبلاً زاهراً فيفاجئها بالرسوب. كنت أعاير بهذا الرسوب طوال إعادتي للسنة «أنت من كان الأول على مدرسته في الابتدائية تسقط؟!»، هكذا كانت أمي تقول لي طوال الوقت. شددت من إجراءاتها العقابية ضدي؛ فكان الرسوب درساً قاسياً لي وعيته جيداً، وأصبحت من الناجحين حتى تخرجت في الجامعة.