يعود الكثيرون من الباحثين والمؤرخين إلى كتاب «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان، حتى إن القارئ يجد الإحالة إلى هذا الكتاب في الكثير من الكتب التي تترجم لمشاهير الكتاب والأدباء والأعلام في تراثنا العربي الإسلامي، ووصلت شهرة الكتاب إلى أن وصفه البعض بأفضل الكتب المؤلفة في فن الترجمة. تعود أهمية الكتاب، بل فرادته ليس إلى تتبع ورصد حياة الأعلام وحسب، ولكن هناك أيضا القدرة على رصد الأحداث التاريخية من خلال علاقتها بالبشر، فضلا عن تنوع هائل في الشخصيات التي يترجم لها ابن خلكان، والذي غلف كل هذا الجهد برؤية متوازنة، تشعر وأنت تقرأ «وفيات الأعيان» بموضوعية واضحة من قبل المؤلف بعكس الكثير من الأعمال الشهيرة أيضا التي تناولت الموضوع نفسه، بالإضافة إلى الأسلوب السلس والموجز في تصوير حياة الشخصية وإنجازاتها وما قدمته من إسهامات، فلا يمكنك أن تتصفح الكتاب وتقرأ عن هذا أو ذاك إلا وتدرك أنك أمام قاموس يترجم لحياة وتحولات البشر.
يحدثك ابن خلكان في بداية معجمه/ قاموسه/ كتابه/، وكلها أوصاف تنطبق على مؤلفه، بحس القارئ الموسوعي الذي يلهث وراء الكتب ويعشق القراءة، يتكلم عن دأبه طوال عمره في تجميع سير الأعلام حتى تشكلت لديه مسودات ضخمة غير مرتبة عن هؤلاء على مدار سنين عديدة، ولكن المشكلة أنه كلما أراد أن يعود للقراءة عن أحدهم لا يصل إليه بسهولة لكون أوراقه غير مرتبة، ولنا أن نتخيل كمية تلك الأوراق، الأمر الذي دفعه للتفكير جدياً في لملمة هذه الأوراق و إصدارها في كتاب، يقول: «هذا مختصر في التاريخ، دعاني إلى جمعه أني كنت مولعاً بالاطلاع على أخبار المتقدمين من أولي النباهة وتواريخ وفياتهم..فوقع لي منهم شيء حملني على الاستزادة وكثرة التتبع، فعمدت إلى مطالعة الكتب الموسومة في هذا الفن، وأخذت من أفواه الأئمة المتقنين له ما لم أجده في كتاب، ولم أزل على ذلك حتى حصل عندي منه مسودات كثيرة في سنين عديدة، وغلق على خاطري بعضه فصرت إذا احتجت إلى معاودة شيء منه لا أصل إليه إلا بعد التعب في استخراجه، لكونه غير مرتب، فاضطررت إلى ترتيبه».
ولد أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان في عام 608 ه، في مدينة أربيل، كان والده فقيهاً في المدرسة النظامية في بغداد، وتنقل معه من بغداد إلى الموصل إلى حلب، وتتلمذ مؤرخنا على يد الكثير من علماء هذه المدن، ودرس اللغة وعلومها والفقه والتاريخ، وفي القاهرة عين في وظيفة نائب قاضي القضاة ولم يبلغ الثلاثين من العمر، ثم عين قاضيا للقضاة في دمشق، وتفرغ للتدريس في آخر سنتين من حياته وتوفي في عام 681ه، ووصفه الكثيرون بالورع والثقة في النقل عن الآخرين.
بدأ ابن خلكان في كتابة مؤلفه في القاهرة في عام 654 ه، وانتهى منه في عام 672، وتوجد نسخة من الكتاب بخط المؤلف في المتحف البريطاني، وترجم الكتاب إلى لغات عدة، فنشر في ألمانيا بين عامي 1834 و1835، وفي فرنسا، وطبع في تركيا في عام 1867، وفي مصر طبع أكثر من مرة.
يتبع ابن خلكان في ترجماته أسلوب المعجم، فالشخصيات مرتبة ألفبائيا، «فرأيت على حروف المعجم أيسر منه على السنين»، ولا يضم الكتاب أحدا من الصحابة أو التابعين رضوان الله عليهم إلا في ما ندر، ولا حتى الخلفاء نظراً ل «المصنفات الكثيرة في هذا الباب»، يقول عن منهجه في التعامل مع من يترجم لهم: «ولم أقصر هذا المختصر على طائفة مخصوصة مثل العلماء أو الملوك أو الأمراء أو الوزراء أو الشعراء، بل كل من له شهرة بين الناس ويقع السؤال عنه ذكرته وأتيت من أحواله بما وقفت عليه، مع الإيجاز حتى لا يطول الكتاب، أثبت وفاته ومولده إن قدرت عليه، ورفعت نسبه على ما ظفرت به، وقيدت من الألفاظ ما لا يؤمن تصحيفه، وذكرت من محاسن كل شخص ما يليق به من مكرمة أو نادرة أو شعر».
في قاموس ابن خلكان طائفة واسعة من العلماء والشعراء والفقهاء والمؤرخين و القادة والمتصوفين..الخ. يكتب باختصار وأحيانا باستفاضة خاصة إذا كانت الشخصية ترتبط بحدث تاريخي ما أو مكان أطلق عليه اسم أحد القادة أو الوزراء، أو واقعة مؤثرة في مسار الفكر، وهو ما نجده عند الترجمة مثلاً للوزير شاور بن مجير في أواخر الدولة الفاطمية وعلاقته بأسد الدين شيركوه، وبرجوان أحد قادة الخليفة العزيز بالله الفاطمي والذي تنسب إليه حارة برجوان في القاهرة، والأمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن الكريم وغيرهم.
يقول عن أبي الفتح برجوان: «كان من خدام العزيز، وكان نافذ الأمر مطاعا،.....ضربه أبو الفضل ريدان الصقلبي في جوفه بسكين فمات...ولما قتل خلف ألف سروال بألف تكة حرير، ومن الملابس والفرش والآلات والكتب والطرائف ما لا يحصى»، ويتتبع نسبه وقدرته على إدارة شؤون الدولة و الروايات المختلفة عن مقتله..الخ. وعن إصلاحات الوزير بدر الجمالي الذي ينسب إليه حي الجمالية في القاهرة، يقول: «أصلح الدولة، وكان وزير السيف والقلم، وإليه قضاء القضاة..وساس الأمور أحسن سياسة..وكان يلقب أمير الجيوش». ويتعاطف مع الإمام أحمد بن حنبل «كان إمام المحدثين، صنف كتابه المسند، وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، وقيل: إنه كان يحفظ ألف ألف حديث»، ثم يسترسل في محنته «وكانت مدة حبسه إلى أن أخلي عنه ثمانية وعشرين يوما، وبقى إلى أن مات المعتصم، فلما ولي الواثق منعه من الخروج من داره إلى أن أخرجه المتوكل وخلع عليه وأكرمه ورفع المحنة في خلق القرآن».
يعتبر الكتاب كذلك موسوعة في العلماء في مختلف حقول المعرفة، حتى تشعر أن مؤرخنا كان يسعى إلى جمع طبقات الأعلام في كل تخصص لولا اتباعه أسلوب التأليف الألفبائي في التوثيق لشخصياته، فالشعراء يتناثرون هنا وهناك، وفقهاء كل مذهب يطلون من مختلف زوايا الكتاب، وأصحاب أمهات الكتب يتواجدون في هذا الركن أو ذاك، كل ما على القارئ البحث عن الشخصية التي يريد القراءة عنها، فلا تفتح الكتاب حتى تتنقل في باب الهمزة من التابعي إبراهيم النخعي إلى إبراهيم المهدي، أخي هارون الرشيد، إلى النحوي إبي إسحاق الزّجاج إلى الإمام أحمد بن حنبل إلى الفقيه الشافعي ابن سريج إلى المؤرخ الخطيب البغدادي..الخ.
متعة القراءة
والممتع في «وفيات الأعيان» إحالة ابن خلكان قارئه إلى المصادر التي من الممكن أن تفيده في بحثه حول هذه الشخصية أو تلك، في سرده لقصة بشار بن برد ينصحك بالعودة إلى الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، ويعلق: فلا حاجة إلى الإطالة فيها، يعني سيرة بشار، وذكر، يقصد الأصفهاني، من أحواله وأموره فصولاً كثيرة، وعن البحتري يحيلك إلى أكثر من مصدر، وربما تشعر أنه يفضل عليه أبا تمام، وهو ما يفعله أيضا مع كُثير عزة، وربما تبتسم وهو يحكي لك نوادر أشعب الطفيلي، ويطلق عليه «أشعب الطامع». وفي قصة عبد الله بن المعتز يكتب بإسهاب عن مأساة هذا الأديب والشاعر الذي تولى الخلافة لمدة يوم وليلة، كان أديباً بليغاً شاعراً مطبوعاً مقتدراً على الشعر، قريب المأخذ، سهل اللفظ، جيد القريحة، حسن الإبداع للمعاني، مخالطاً للعلماء والأدباء، معدوداً من جملتهم.. ثم إن أصحاب المقتدر، الخليفة المخلوع، تحزبوا وحاربوا أعوان ابن المعتز وشتتوهم، وأعادوا المقتدر إلى دسته، واستخفى ابن المعتز في دار أبي عبد الله الحسين بن عبدالله المعروف بابن الجصاص..فأخذه المقتدر وسلمه إلى مؤنس الخادم فقتله وسلمه إلى أهله ملفوفاً في كساء.
يمتلئ الكتاب كذلك بترجمات للعلماء، يقول عن ثابت بن قرة: «أخذ كتاب إقليدس الذي عربه حنين بن إسحاق العبادي، فهذبه ونقحه وأوضح منه ما كان مستعجما... وله تآليف كثيرة في فنون من العلم... وانتقل إلى بغداد واشتغل بعلوم الأوائل فمهر فيها، وبرع في الطب». ولا يهمل ابن خلكان في كتابه الأعلام من النساء، يقول عن رابعة العدوية: أم الخير رابعة ابنة إسماعيل العدوية البصرية مولاة آل عتيك، الصالحة.. كانت من أعيان عصرها وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة، ثم يتتبع أخبارها وأشعارها ولقاءها مع سفيان الثوري، أو يترجم لامرأة تدعى شهدة بنت الإبري بالقول: «فخر النساء شهدة بنت أبي نصر بن الفرج بن عمر الإبري الكاتبة الدينورية الأصل البغدادية المولد والوفاة، كانت من العلماء».
عاش ابن خلكان في القرن السابع الهجري، وتنقل بين منارات ثقافية عدة: بغداد، حلب، القاهرة ودمشق، وبرع في علم الترجمة ذلك الذي تعددت مداراته في تراثنا وتنوعت، فهناك من ناحية المضمون تراجم وفق البلدان وتراجم وفق العلوم وتراجم وفق المذهب الفقهي أو التيار الفكري، وهناك أيضا من ناحية الشكل تراجم وفق حقب زمنية محددة، وتراجم الوفيات الملحقة بالسنوات وتراجم مرتبة أبجديا، هو الولع بالتأريخ للبشر بوصفهم البناء الذي تتأسس عليه الحضارة.