«الأخبار المزيفة».. من ترامب إلى «الواتساب»

03:37 صباحا
قراءة 3 دقائق
عائشة عبد الله تريم
ترافق تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتَّحدة الأمريكيّة، مع مصطلح «الأخبار المزيفة» الذي اعتدنا على سماعه منه ومن أعضاء حكومته، فقد بات الرئيس الأمريكي وفريقه يواجهون أي سؤال لا يرغبون في الإجابة عنه أو نقضه أو صدّه بمصطلح «الأخبار المزيفة».
وما يعنيه دونالد ترامب وفريق عمله بمصطلحهم الذي يتكرر اليوم على مسامع العالم هو تلك الأنباء المغلوطة التي يتم تركيبها فتنتشر بين الناس على أنها أخبار حقيقية ومنطقية تدعمها وسائل التواصل الاجتماعيّ.
وبينما كان المشاهدون يركزون أنظارهم على إدارة ترامب، راح زعيم العالم الحرّ يتّهم وكالات الأخبار البارزة بتلفيق المعلومات وتزوير الحقائق وكأن معظم النّاس حول العالم لا يستطيعون التّمييز بين الأخبار الحقيقيّة والأخبار الملفّقة.
لقد أظهرت دراسات حديثة أنّ النّاس يميلون بطبيعتهم إلى تكذيب أي خبر إذا كان مضمونه لا يتوافق مع إيديولوجيّاتهم ومعتقداتهم، وقد باتت الضبابية تلف اليوم ذلك الحد الفاصل بين ما هو حقيقيّ وما هو ملفّق في عالم الصّحافة، فغدت الأخبار غير واضحة وغير مقنعة. كما أن السرعة الفائقة التي تنهال فيها الأخبار على الناس، أوجدت مرضاً صامتاً تفشى بين الناس محدثاً إرباكاً لدى متابعي الأخبار في العالم.
في الواقع، لقد باتت الأخبار أشبه بقصف أصاب المتلقين بالتوتر فأصبحوا غير قادرين على الغربلة للتمييز بين الصح والخطأ، بين الحقيقي والمزيف، وتراجعت طاقاتهم أمام ذلك الضباب الذي يبحثون وسطه عن الحقيقة بين أكوام الكذب والتلفيق في مجتمعات تفشى فيها المرض الإعلامي الصامت الذي لم يرحم أحداً. وصار الناس حول العالم يتلقون في كل ساعة، بل في كل دقيقة، ملايين القصص المجزأة والمتناثرة من هنا وهناك، ويستقبلون عناوين وصوراً مزيفة؛ سياسية، صحية وحتى دينية.
وما يغذي هذا المرض الخطير الذي لا يقل خطورة عن الأمراض العضوية والنفسية المنتشرة بين الناس، هو وسائل التواصل الاجتماعي، والتطبيقات التي تضخ الرسائل الواحدة تلو الأخرى مثل تطبيق «الواتساب» الذي يجعل المعلومات المتدفقة تنمو وتكبر كما كرة الثلج وهي تنتقل من مستقبِل إلى آخر عن طريق إعادة الإرسال بين مستخدمي التطبيق الذين لا يتوانى أحدهم عن إرسال الرسائل بسرعة البرق إلى كل الأشخاص المدرجين في قائمة الأصدقاء لديه.
لقد تحولت عملية إعادة الإرسال في «الواتساب» خصوصاً، إلى هستيريا جماعية لا تحكمها أي قيود تتعلق بالزمن أو بالحالة، فالرسائل تتدفق من دون استئذان في أي وقت من النهار أو من الليل وكأن مصير البشرية بات معتمداً على تلقي الرسائل وإعادة توجيهها.
والأمر المرعب حقاً أن متلقيِّ الرسائل يأخذونها على محمل الجد دائماً، ذلك أن هذه الرسائل التي تحمل أخباراً ومعلومات مجهولة المصدر والمصدَّر تضع قناع الحقيقة وتشق طريقها عبر المحادثات اليومية بين المستخدمين وحتى غير المستخدمين، وتتحول إلى نصائح قيمة وعلاجات فعالة! وماذا تكون النتيجة؟ ثقافة مبتذلة توجّهها معلومات مشكوك فيها تقدّم معرفة عن العالم مثيرة للجدل.
وعلى وقع هذه الثقافة الرخيصة، باتت المؤسّسات الصّحفيّة والعلميّة والتّربويّة المحترفة تعيش معاناة كبيرة، وإذا كان القارئ غير مهتم بالبحث عن الحقيقة ومصداقية المراجع فأين يذهب ذلك بتلك المؤسّسات الّتي تكرّس مصادرها كلّها في سبيل ترويج بضاعتها؟
في الواقع، الحال محزنة، ذلك أن هذه البلوى قد تمركزت في المجتمعات الأكثر تعلّماً، وهي حالة تتطلّب تقويم المصادر الموثوقة ودعمها. لذا، على النّاس أن يرفضوا أن يكونوا مسماراً في آلة دفق الأخبار الملفّقة، ولا يكون ذلك إلا بوضع حدّ لإعادة توجيه الرّسائل التي تحملها؛ لأنّها من جهة وسيلة للمعلومة المزيّفة، ومن ثم َّ لأن الناس يستقبلونها كمعلومة حقيقية يثرون بها ثقافتهم.
من «الواتساب»، نغرف الغث والسمين، فإذا ما فتنك عنوان ما، فاستقص ِ عنه، وإذا أثّر فيك خبر ما فابحث عن التّفاصيل، وعندما تتناول حديثاً ما لا تجعل «الواتساب» مرجعك الوحيد.
إنّ المجتمع يتألّف من شعب، وأهمّ شعبه المعرفة، وعلى الرّغم من قصورها فإنّها أصبحت ملوّثة وكذلك سوف يكون مستقبلها.
إنّ سيل المعلومات الّذي يتقاطع مع المجتمع مستمرّ في الاندفاع؛ وفي أثناء فيضانه لا بدّ للعالم من تصفيته لأنّنا كما سائر أمور كوكبنا قد تعوّدنا أن نجعله مكباً للنّفايات..

[email protected]

عن الكاتب

​رئيس تحرير صحيفة Gulf Today الإماراتية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"