أضرار نفسية يخلفها «كورونا»

02:17 صباحا
قراءة 4 دقائق

عائشة عبد الله تريم

ليس هناك شك في أن العالم بعد «كورونا» لن يبقى كما عرفناه، فالتغيير الشامل والجذري قد فُرض علينا، وليس جميع البشر قادرين على الصمود في وجه هذا التغيير. إنها مرحلة مؤلمة من تاريخ البشرية.

العالم اليوم كله منهمك ومرتبك يحاول بشتى الوسائل محاربة «كورونا»؛ الوباء الذي يهدد الإنسانية بأكملها.
وفي هذا الوقت العصيب، أحببت أن أتصور نهاية لما يحدث، وأن أترك لمخيلتي العنان لتسرح في فضاء ما بعد الحلول. ماذا سيحدث بعد القضاء على هذا العدو الغاشم الذي جعل الأرض ومن عليها يصارعون للقضاء عليه؟.
فبعد أشهر من الذعر والشك والعزلة، سينتفض العالم في صراع آخر لتقييم الأضرار وإعادة التأهيل والبناء، لتعويض الخسائر الفادحة.
محللون وعلماء إحصاء وخبراء، يُجرون كل يوم حسابات لها أول وليس لها آخر، كل يتنبأ بمقدار الخسائر المادية والمعنوية التي مُني بها العالم بسبب هذا الفيروس الصغير الحجم، العظيم التأثير.
وبين هذه الحسابات وتلك، ربما نسي أصحاب الاختصاص، أضراراً لا تقل أهمية عن الأضرار الاقتصادية والمادية؛ أضراراً بليغة تقوم عليها أمور كثيرة، ألا وهي الأضرار النفسية التي ستنعكس على كل المجتمعات في العالم.
لقد قرأنا كثيراً في الروايات الخيالية عن بلاء سيصيب العالم أجمع فيوقفه عن الحركة، بعد قرون من التقدم والهرولة بسرعة فائقة وراء التطور. كنا نلهث خلف مستقبل مجهول نعلم يقيناً نتائجه. وقد شجعتنا التوقعات الاجتماعية والاقتصادية العالمية على استباق الزمن لنستقرئ ما سنصير عليه بعد خمسين عاماً، لكن إذا كانت كل الحسابات ترجح ورود أخطاء فيها قد تسببها عوامل خارجية غير متوقعة، فإن أحداً لم يتوقع ما يحدث اليوم!
«كورونا» فيروس لا يرحم يندسّ في أجسامنا خُفية، يهجع فيها أسابيع قبل أن يعلن عن وجوده بكل جرأة، وذلك ما جعلنا نعيش حالة من التساؤل المستمر: هل نحن حاملون للفيروس؟ إلى متى سيحول بيننا وبين أقرب الناس إلينا فلا نقترب منهم ولا نلمسهم كي لا ننقل إليهم العدوى؟، ها نحن نجزع من أن يمتد الفيروس فيضرب بقبضته أكثرنا ضعفاً؛ أولئك الذين لا يستطيعون المقاومة فيتمكن منهم ويسيطر عليهم، وحين يعرف
أحدنا أنه صار تحت رحمة «كورونا»، فإنه لا يخشى عوارضه اللئيمة وخوض معركة الصراع من أجل البقاء، بقدر ما يخشى أنه سيكون في مواجهتها وحيداً، أو ربما في مواجهة الموت بين غرباء لم يرهم من قبل.
الوحدة هي أكثر النتائج ترويعاً سواء لمن أصيب بالفيروس الخفيِّ أم من لم يصب، وحدة في المرض، ووحدة في مواجهة نتيجة قد تكون حتمية، ألا وهي الرحيل عن الدنيا.
العزلة الذاتية والبعد الاجتماعي شرطان أساسيان من أجل الوقاية، ومن أجل ألا ننقل العدوى، فسواء كان هذا الخيار من أجل قهر خوف عشش فينا، أم من أجل حرصنا على الآخرين، فإننا نشعر بتوقف عجلة الحياة، وها نحن نعيش حجراً ذاتياً ووقائياً دون اعتراض، مقاومين كل اندفاع نحو الحياة من أجل البقاء على قيد الحياة!. هي عزلة يرى كثيرون فيها سجناً يقيد حرية اجتماعية فُطرنا عليها، فكيف استعبدنا «كورونا» ونحن أحرار؟.
في هذا السجن الذي الذي فرضناه على أنفسنا اتقاء شر الوباء، نواصل الكفاح بعقولنا نحن ومن على الأرض جميعاً، كي نوقف زحف عدو يترصدنا في التجمعات والأماكن العامة متخفياً، لكن لا بد أن تترك هذه العزلة
انعكاساتها على نفسياتنا، خصوصاً أننا لا نعرف متى سنتحرر من الأصفاد التي كبّلتنا دون سابق إنذار.
لقد شبه علماء النفس الاجتماعي الآثار التي سيخلفها «كوفيد 19» بتلك التي خلفتها الحروب العالمية الكبرى؛ صفارات إنذار وحظر تجوال والتزام البقاء في المنازل التي باتت ملاجئ تحمينا.
حياتنا لن تكون بعد «كورونا» كما كانت عليه قبله، وإذا كان المثل يقول «اعرف عدوك»، فإن عدونا متخف يكتنفه الغموض، ويصعب علينا التكيف عقلياً مع ما يفعله بنا، أما المشكلة الكبرى في سباقنا مع هذه الجائحة، فتتمثل في أن العدائين غير قادرين على مضاعفة سرعتهم في ماراثون لم يُحدد لهم فيه خط النهاية الذي ما زال وهماً، ومزيجاً من التوقعات والتخمينات.
ليس هناك شك في أن العالم بعد «كورونا» لن يبقى كما عرفناه، فالتغيير الشامل والجذري قد فُرض علينا، وليس جميع البشر قادرين على الصمود في وجه هذا التغيير. إنها مرحلة مؤلمة من تاريخ البشرية، وتجربة نفسية شائكة ومتشابكة تحتاج آثارها إلى دراسات واسعة لسنوات عديدة بعد الجائحة، فلكل هزة ارتدادات، ولكل صدمة ردود فعل؛ لذا يجب أن يكون العالم جاهزاً لمد يد العون لأولئك الذين سيحتاجون إلى دعم نفسي مباشرة بعدما يصبح الوباء وتداعياته خلفنا.
وإذا كان من الصعب علاج الآثار العضوية، فإن علاج الآثار النفسية سيكون أكثر صعوبة، وسيحتاج جيل الشباب الذي عايش المحنة إلى مساعدة ليعود إلى طبيعته مرة أخرى.
لكن لو نظرنا من زاوية أخرى، فإننا نرى أن هذا الخلل الذي أحدثه «كورونا» في النظام العالمي له جوانب لا تخلو من الإيجابية، فلقد أعاد للروح سكونها بعدما كادت تضيع في متاهات الحياة التي كانت تتشابك وفق نظام تسارع رهيب، فلربما سيتعلم الناس ضبط جنوحهم نحو المستقبل، فيعيدون تقييم مساراتهم، وينظرون بشكل أكثر عمقاً إلى علاقاتهم ببعضهم بعضاً.
وأخيراً، قد نجرؤ في هذه المرحلة العصيبة، ونقول إن جائحة مخيفة بهذا الحجم، كانت الوحيدة القادرة على التخفيف من وطأة المنافسات العامة، لكن كثيرين منا لن يفهموا هذا الدرس للأسف؛ لأن المرآة التي أرغمنا «كوفيد 19» على النظر فيها خالية من المرشحات، وقد عكست صورة الحقيقة بأقسى ملامحها، وإذا لم نُمعن النظر في هذه الصورة، فإن كل عذابنا في التصدي للفيروس سيكون بلا فائدة، فإذا كنت أيها القارئ ممن يتمتعون بالصحة ويمتلكون الوسائل الدفاعية الطبيعية في مواجهة «كورونا»، فاغمر أحاسيسك واحضنها بقلبك، فكل مأساة يصاحبها شعور بنعم الله علينا، وما علينا إلا اكتشافها والتفكر فيها.

[email protected]

عن الكاتب

​رئيس تحرير صحيفة Gulf Today الإماراتية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"