التسامح والتعايش.. جذور متشابكة

05:49 صباحا
قراءة 3 دقائق
سلطان حميد الجسمي
التسامح والتعايش من المفاهيم الباقية مع البشر عبر مرور العقود، لأنها مفاهيم أساسية لإقامة المجتمع الإنساني المتحضر، فالتسامح والتعايش مرتبطان ومتلازمان، لهما جذور متشابكة، فهما مصدر رقي للأمم والحضارات، ومكافحة الإرهاب والكراهية، ومصدر أساسي للسلام ومنع اندلاع الحروب التي تتسبب في الدمار وخراب العالم وتخلف آلاف الضحايا من الأطفال والنساء والرجال، ومن دونهما ينزل الإنسان إلى مستوى قد يفقد فيه إنسانيته، ويتحول إلى مصدر خطر وتهديد لجنسه.
مصدر التسامح والتعايش هو من الإنسان نفسه كفرد قبل أن يكون لدى المجتمعات، فالإنسان المتسامح المتعايش أساس رقي الحضارة، ينشر السعادة في المجتمع، وبذلك فإن المجتمع ينعم بالأمن والاستقرار، ويصبح مجتمعاً متسامحاً متعايشاً.
لا بد أن نكون على يقين بأن التسامح والتعايش يشكلان عمود الرقي للممارسات اليومية في المجتمع المتحضر، وهما مفهومان رئيسيان للحياة المتكاملة والآمنة والسعيدة.
التعايش بين الأديان والمذاهب له صلة كبيرة بمفهوم التسامح، فالتسامح يزرع التعايش بين أتباع الأديان والمذاهب، فلهذا لا ينظر الإنسان إلى إنسان آخر في نفس المجتمع أو مجتمع آخر بازدراء أو عدم قبول للآخر، بل ينظر إليه كفرد مكرم يجمعه به سقف الأخوة الإنسانية، في عالم متعدد الأديان والثقافات والحضارات، وفي عصر أصبح فيه هذا العالم الكبير قرية صغيرة، وأصبح الانفتاح وتقبل الآخر من أبجديات التعامل المتحضر بين البشر.
قال الفيلسوف جون كومينيوس: «نحن أبناء عالم واحد، يجري في عروقنا دم واحد، وإنه لمن أشد الحماقة أن نضمر الكراهية لإنسان لأنه ولد في قطر آخر، أو لأنه يتحدث بلغة مختلفة، أو لأن له رأياً مخالفاً لنا، فإننا بشر متساوون في الإنسانية، فليكن لنا جميعاً هدف واحد، هو خير الإنسانية جمعاء».
ومن باب أولى أبناء الوطن الواحد، الذين تجمعهم رابطة المواطنة، على طاولة واحدة، متساوين في الحقوق والواجبات دون تمييز ديني أو عرقي، فالمجتمع واحد، والوطن واحد، والكل شريك فيه.
اليوم يعاني الشرق الأوسط من المفاهيم الخاطئة سواء في الخطاب الديني أو الخطاب السياسي، فكلاهما في كثير من الأحيان يسيء لمفاهيم التسامح والتعايش، فيضع الشعوب على حافة النار والقتال، ويزرع الموت والحزن والخوف.
يتعرض التسامح للتهديد في أنحاء العالم، ففي أوروبا تتصاعد ظاهرة الشعبوية وتتصاعد تياراتها السياسية المتطرفة، وعندما جرت الانتخابات الفرنسية لاختيار الرئيس الجديد، بين المرشحَين إيمانويل ماكرون الذي فاز بالرئاسة و‌مارين لوبان مرشحة حزب الجبهة الوطنية الشعبوي، تابعها العالم بشغف وتخوف، لأن هذه الانتخابات أتاحت المجال لاقتراب اليمين المتطرف إلى قصر الإليزيه في فرنسا، وهو بمثابة جرس إنذار لأوروبا، كما أن هناك ازدياداً في جرائم الكراهية. فقد كشف مجلس العلاقات الأمريكية أن جرائم الكراهية ضد المسلمين بالولايات المتحدة زادت في عام 2016 بنسبة 44% مقارنة بالعام السابق له، والشرق الأوسط اليوم تحت نيران الحروب والصراعات، والميليشيات الطائفية والتنظيمات الإرهابية.
دائماً في بداية تحطيم الدول فإن العدو يطمس التسامح والتعايش في المجتمع، ليخلق ما يسمى «الكراهية»، ليوقع المجتمع في دمار وحروب طائفية ودينية، فإذا بني المجتمع على التسامح والتعايش فإن العدو يصعب عليه غزو الدول حتى بالجيوش الكبيرة.
التسامح وصفة سحرية لعلاج الكثير من المشكلات التي تواجه المجتمع الإنساني، فالتسامح وسيلة للتفاهم وحل الخلافات بين البشر وإزالة الكراهية من النفوس، وتحسين العلاقات حتى بين الدول، ويحرص الإسلام دائماً على ربط المسلم بالتسامح، ليكون التسامح رفيقه في جميع الحالات، وينادي الإسلام بالتسامح بتكرر الشهور والمناسبات كل عام، ومنذ أيام مرت على المسلمين ليلة النصف من شعبان، وهي من المناسبات التي تزرع التسامح في نفوسهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن».
التسامح والتعايش نهج راسخ في دولة الإمارات، يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «علمتنا السنوات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط الجديد بأننا نحتاج أن نتعلم التسامح ونعلمه ونمارسه، أن نرضعه لأطفالنا فكراً وقيماً وتعليماً وسلوكاً، أن نضع له قوانين وسياسات ومنظومة كاملة من البرامج والمبادرات»، من هنا أتى حرص دولة الإمارات العربية المتحدة وبقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، على إنشاء أول منصب في العالم باسم وزير دولة للتسامح، والتي تنشر اليوم رسائل السلام من دولة الإمارات إلى العالم بمفهوم حضاري يليق بالبشرية جمعاء.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب في المجال السياسي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"