منذ عصر العبودية المنبثق من المشاعية البدائية كمرحلة أولى في التطور الاقتصادي الاجتماعي للجنس البشري، تحولت الطبقة المستعبدة من طبقة بذاتها إلى طبقة لذاتها، أي أنها أدركت أن عليها أن تثور لحريتها وكرامتها الإنسانية، فكانت ثورة العبيد بقيادة سبارتاكوس ضد الجيش الروماني في القرن الواحد والسبعين قبل الميلاد . لم يكن ذلك الثائر الفطري ينتظر أوامر خارجية تفهمه أنه مستعبد يجري تدريبه في مدرسة خاصة بالمبارزة والمصارعة لكي يتم استخدامه وآخرين لأجل اللهو وتسلية جيش الرومان . كان ينقصه الوعي التنظيمي ومراكمة القوة من أجل جسر الهوة في موازين القوى مع الرومان، لكن ثورته شكلت الشرارة التي أسست لمسار حقق لاحقاً بالفعل انقلاب موازين القوى ومن ثم انعتاق العبيد وانهيار مرحلة العبودية وتحوّلها إلى الاقطاع، وبذلك ارتقى العبيد إلى درجة الأقنان، فأصبحوا يملكون أنفسهم فلا يباعون ولا يشترون .

لا يسمح المجال لاستعراض التطور التاريخي كله، لكن في العصر الإمبريالي الاستعماري عرفت شعوب كثيرة في هذا العالم، بما فيها شعوبنا العربية، طريقها نحو الحرية والاستقلال بعدما خاضت نضالاً ضارياً ضد المستعمرين . هكذا انتهى الاستعمار القديم لمعظم وطننا العربي الذي لم يغادره المستعمرون قبل أن يقسّموه ويزرعوا في عقول أبنائه قنابل فتنة موقوتة . وهكذا انتصر الكثير من شعوب العالم على القوى الاستعمارية من خلال استجماع شروط الثورة، وأساسها ذاتي، عبر التشكيلات التنظيمية المؤسسة وفق هياكل قيادية وقاعدية، وعبر تبني برنامج فكري وسياسي يكفي التفاف الجماهير حوله ومؤازرته من قوى التقدّم والحرية، وليس قوى الاستعمار القديم الجديد، لكي تنتصر إرادة الجماهير التي كانت عندما تثور تعرف جيداً البديل الذي ينتظرها بعد نجاحها .

في الذروة الراهنة للإمبريالية، وهي العولمة الشاملة للاقتصاد والسياسة والفن والثقافة والإعلام، بدأت تنشأ ظاهرة الثورة الامتصاصية الهادفة لقطع الطريق واستباق التغيير الجذري والحقيقي . ولأجل هذا الهدف تسخّر الدول الاستعمارية طاقات هائلة في تأهيل كوادر وتدريبها على الاستخدام المنهجي لوسائل الإعلام والإنترنت، ليس لتطوير الشعوب وإصلاح حالها، وإنما لتغيير الشكل والحفاظ على مضمون التبعية لهذه القوى .

من المعروف أن لكل شعب ظروفه ومسار تطوره التاريخي، وكذا عاداته وتقاليده وتركيبته الاجتماعية، وفي هذه الحالة تكون الدولة انعكاساً لهذه العوامل والمقوّمات، وعندما يكون هناك تناقض أو خلل بين الدولة والمجتمع، إما أن تلجأ الدولة إلى تطوير نفسها، أو يصعد التغيير من تحت إلى فوق . لكن في عصر العولة وإعادة إنتاج الاستعمار، يجري تحطيم الدفع الذاتي عبر قوى محلية تبرم صفقات مع القوى الخارجية على حساب القضايا الوطنية . وإذا كانت قوى التغيير في عصر ثورات التحرر الوطني، تبني نفسها على أساس انبثاق القرار والفعل التغييري من الداخل، وتبحث عن دعم أممي لمشروعيتها، فإن عصر العولمة قلب العملية، وباتت قيادة التغيير وتوجيهاته تعمل وفقاً لأجندات خارجية، ثم البحث عن مشروعية داخلية، وبتنا نشهد أندية تنشأ منذ بداياتها مع ولاءات لجهات خارجية، متشدّقة بشعارات وطنية محلية، كما أن القوى التي أصبحت دولاً عظمى على حساب الشعوب ومن نهب خيراتها، باتت في عصر العولمة تحمل لواء الثورة وشعاراتها التحررية، مدجّجة بالسلاح ومشحونة باحتكار وسائل الإنتاج وآلة إعلام ضخمة ومتطوّرة وموجّهة على حساب المهنية وعقول الناس . عندما تنضج الظروف الذاتية والموضوعية للتغيير، فإن التغيير يفرض نفسه حسب منطق التاريخ، ومهما بلغت قوى القمع، فلن تشد التاريخ إلى الوراء، وفي هذه الحالة لا حاجة لقوى خارجية، لأن هذه القوى لا تفكّر ولا تعمل شيئاً إلا خدمة لمصالحها .

[email protected]