عبدالحسين شعبان
يحتاج المراقب لمعرفة منبع التكفير الإرهابي، الوقوف عند بعض منطلقاته النظرية، ليستطيع فهم تطوّره، لا سيّما بربط حلقاته التاريخية، إضافة إلى متابعة بعض شخصياته مثل أسامة بن لادن الذي تأثّر بمؤسس تنظيم القاعدة عبد الله عزام والذي كان معلّمه الأول في أفغانستان، حيث التقيا في قاعدة بيشاور التي انطلقت منها تنظيمات القاعدة، والتي كان فيها أكبر معسكرات التدريب أيام الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، وكانت قد حظيت بدعم أمريكي.
فما إن تأسّس تنظيم القاعدة حتى أخذ يتربّع على عرش التنظيمات الإرهابية، لا سيّما بعد أن لمع اسم أسامة بن لادن، حيث عمل الأخير جاهداً لإيصال المساعدات إلى «المجاهدين» في أفغانستان، وحسبما يقول أيمن الظواهري في أحد تسجيلاته الصوتية، إنه كان على صلة بجماعة «الإخوان المسلمين» في جزيرة العرب، كما يسمّونها، وكانت التوجيهات التي صدرت له هي الاتصال بالجماعة الإسلامية في لاهور، لكن ابن لادن تجاوز ذلك ووجد الطريق إلى «المجاهدين» في أفغانستان، الأمر الذي أدّى إلى فصله، وهو ما يذكره الظواهري.
الجدير بالذكر أن المرجعية الفكرية الأولى لأسامة بن لادن كان أبو علي المودودي وسيد قطب بالدرجة الأساس، وهو ما يتّضح من لغته، فقد كان يستخدم مصطلح «جاهلية المجتمع» و«ردّة المجتمع»، التي كثيراً ما تردّدت في كتاباتهما، وهو الأمر الذي أدّى به إلى استباحة دماء المسلمين، وتبرير قتلهم بزعم إقامته «المجتمع المسلم».
وإذا كان المودودي وسيد قطب مرجعين أساسيين لأسامة بن لادن، فإن هناك شخصية مثيرة للجدل، ساهمت في تأطير الجانب النظري للفكر التكفيري ونعني بها سيد إمام الشريف المعروف بإسم الدكتور فضل أو الدكتور عبدالقادر عبدالعزيز، وقد وضع «الشريف» كتابين مرجعيين لتنظيم القاعدة ولأي تنظيم إسلاموي إرهابي، يمكن أن يستقي منهما أفكاره، وجلّ هذين الكتابين يقوم على تحديد أحكام الكفر من جهة، و«الجهاد» من جهة أخرى، ولعلّ اسمَي الكتابين يدلان عليهما، والمكتوب يُقرأ من عنوانه كما يُقال، فالكتاب الأول كان اسمه «الجامع في طلب العلم الشريف»، أما الكتاب الثاني فهو الموسوم «العمدة في إعداد العدّة».
في الكتابين تقع على أحكام مثيرة وخطرة في الآن، تمثّل اغتراب الجماعة الإرهابية عن الفكر السائد في مجتمعاتها، بل وعن مجتمعاتها، وخصوصاً عن التعامل الشعبي مع الإسلام من عموم المسلمين، وذلك بعيداً عن التأطير الأيديولوجي، حيث يحاول فيهما تأصيل التكفير، بجعل بلاد المسلمين «بلاد كفر» وجب الهجرة منها إلى حين يتم تطبيق «شرع الله»، ولعلّ ما قام به «داعش» من محاولة تأسيس «الدولة الإسلامية» بعد احتلال الموصل والتمدّد لنحو ثلث الأراضي العراقية، خصوصاً بربط ذلك باحتلال الرقة السورية، هي تطبيق عملي لفكر الشريف التدميري الإلغائي.
ويعتبر سيد إمام الشريف أن جميع البلدان الإسلامية كافرة وخارجة عن الملّة، ولذلك وجب الخروج عليها، واستوجب الأمر الجهاد ضدها، وهذا «فرض عين وليس فرض كفاية» كما يُقال، وهو واجب على المسلمين، لأن الحكم بغير ما أنزل الله من قوانين هو كفر، والمقصود بذلك جميع القوانين الوضعية.
وبهذا المعنى يضع الشريف والفكر التكفيري الجميع في خانة الخروج عن شرع الله، طالما ارتضوا بوجود قوانين تحكمهم هي من صنع البشر، لأن ذلك سيكون خروجاً على الإسلام، الأمر الذي يقتضي مواجهته وتحريمه وإبطال ما يتّخذ بخصوصه من أحكام، وصولاً إلى خلع الحكام وإقامة حكم الإسلام.
ويضع الفكر التكفيري أسبقية «الجهاد» على الاستحقاقات الأخرى، ويقدّم محاربة العدوّ القريب على العدوّ البعيد، أي يضع المسلمين قبل المسيحيين والنصارى واليهود وغيرهم، أي إن مثال المرتدين هو الذي يحظى بالأفضلية من الكفار والوثنيين وأتباع الديانات الأخرى. ويعتبر الفكر التكفيري أن مجتمعاتنا تسبح في «جاهلية مطبقة» و«كفر سافر»، الأمر الذي اقتضى تقويمهما بالسيف.
وإذا كانت «غزوة» 11 سبتمبر /أيلول عام 2001 كما يسمونها وقبلها تفجيرات نيروبي ودار السلام وبالي وتفجيرات أوروبا، ولا سيّما أنفاق إسبانيا ولندن وعدد من تفجيرات باريس وفرنسا عموماً وتفجيرات ألمانيا وغيرها، هي ضرب تكتيكي في الأطراف، فإن استراتيجية التنظيم، على الرغم من استخدامها الإرهاب الخارجي، فإن مهماتها الأساسية ظلّت داخلية عربية وإسلامية بامتياز، أي تقديم مواجهة العدوّ القريب على العدوّ البعيد، مع الاستمرار في مشاغلة البعيد، لتنفيذ استراتيجية التصدي للقريب.
ولذلك لا يمكن النظر إلى قانون جاستا الصادر عن الكونجرس والذي أعطى الحق لعائلات ضحايا 11 سبتمبر في مساءلة البلدان التي ينتمي إليها الإرهابيون أو يحملون جنسيتها، والذين قاموا بتفجير برجَي التجارة العالمية في نيويورك، وهجمات واشنطن، إلاّ من زاوية التوظيف السياسي الذي يستهدف الابتزاز وإملاء الإرادة، بغض النظر عن السياسات ذات الطبيعة الازدواجية والانتقائية، ومثل هذا الأمر حاول الرئيس أوباما التنبيه لمخاطره على صعيد العلاقات الدولية، مشيراً إلى إمكانية ملاحقة دبلوماسيين عسكريين أمريكان، لكن موجة العداء وقصر النظر هي التي تدفع إلى مثل هذه الإجراءات ذات الطبيعة العدائية.
ثمَّ من سيعوّض الضحايا من الفلسطينيين الذين احتلّ وطنهم وهجّروا منه؟ ومن سيعوّض الأمة العربية، ومنها دول مثل مصر وسوريا والأردن ولبنان والعراق، التي عانت من انتهاكات «إسرائيل» السافرة لحقوقها وارتكابات متواصلة، بل وعدوان مستمر عليها، ناهيك عن تعطّل التنمية وتبديد الأموال بسبب حروب «إسرائيل»، وما زال العراق وأفغانستان يعانيان من وطأة الاحتلال الأمريكي لهما؟
الإرهاب بالأصل أو بالفرع، واحد، ولا دين له ولا جنسية له ولا وطن ولا لغة ولا منطقة جغرافية، إنه فكر التعصّب والتطرّف والإلغاء.
يحتاج المراقب لمعرفة منبع التكفير الإرهابي، الوقوف عند بعض منطلقاته النظرية، ليستطيع فهم تطوّره، لا سيّما بربط حلقاته التاريخية، إضافة إلى متابعة بعض شخصياته مثل أسامة بن لادن الذي تأثّر بمؤسس تنظيم القاعدة عبد الله عزام والذي كان معلّمه الأول في أفغانستان، حيث التقيا في قاعدة بيشاور التي انطلقت منها تنظيمات القاعدة، والتي كان فيها أكبر معسكرات التدريب أيام الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، وكانت قد حظيت بدعم أمريكي.
فما إن تأسّس تنظيم القاعدة حتى أخذ يتربّع على عرش التنظيمات الإرهابية، لا سيّما بعد أن لمع اسم أسامة بن لادن، حيث عمل الأخير جاهداً لإيصال المساعدات إلى «المجاهدين» في أفغانستان، وحسبما يقول أيمن الظواهري في أحد تسجيلاته الصوتية، إنه كان على صلة بجماعة «الإخوان المسلمين» في جزيرة العرب، كما يسمّونها، وكانت التوجيهات التي صدرت له هي الاتصال بالجماعة الإسلامية في لاهور، لكن ابن لادن تجاوز ذلك ووجد الطريق إلى «المجاهدين» في أفغانستان، الأمر الذي أدّى إلى فصله، وهو ما يذكره الظواهري.
الجدير بالذكر أن المرجعية الفكرية الأولى لأسامة بن لادن كان أبو علي المودودي وسيد قطب بالدرجة الأساس، وهو ما يتّضح من لغته، فقد كان يستخدم مصطلح «جاهلية المجتمع» و«ردّة المجتمع»، التي كثيراً ما تردّدت في كتاباتهما، وهو الأمر الذي أدّى به إلى استباحة دماء المسلمين، وتبرير قتلهم بزعم إقامته «المجتمع المسلم».
وإذا كان المودودي وسيد قطب مرجعين أساسيين لأسامة بن لادن، فإن هناك شخصية مثيرة للجدل، ساهمت في تأطير الجانب النظري للفكر التكفيري ونعني بها سيد إمام الشريف المعروف بإسم الدكتور فضل أو الدكتور عبدالقادر عبدالعزيز، وقد وضع «الشريف» كتابين مرجعيين لتنظيم القاعدة ولأي تنظيم إسلاموي إرهابي، يمكن أن يستقي منهما أفكاره، وجلّ هذين الكتابين يقوم على تحديد أحكام الكفر من جهة، و«الجهاد» من جهة أخرى، ولعلّ اسمَي الكتابين يدلان عليهما، والمكتوب يُقرأ من عنوانه كما يُقال، فالكتاب الأول كان اسمه «الجامع في طلب العلم الشريف»، أما الكتاب الثاني فهو الموسوم «العمدة في إعداد العدّة».
في الكتابين تقع على أحكام مثيرة وخطرة في الآن، تمثّل اغتراب الجماعة الإرهابية عن الفكر السائد في مجتمعاتها، بل وعن مجتمعاتها، وخصوصاً عن التعامل الشعبي مع الإسلام من عموم المسلمين، وذلك بعيداً عن التأطير الأيديولوجي، حيث يحاول فيهما تأصيل التكفير، بجعل بلاد المسلمين «بلاد كفر» وجب الهجرة منها إلى حين يتم تطبيق «شرع الله»، ولعلّ ما قام به «داعش» من محاولة تأسيس «الدولة الإسلامية» بعد احتلال الموصل والتمدّد لنحو ثلث الأراضي العراقية، خصوصاً بربط ذلك باحتلال الرقة السورية، هي تطبيق عملي لفكر الشريف التدميري الإلغائي.
ويعتبر سيد إمام الشريف أن جميع البلدان الإسلامية كافرة وخارجة عن الملّة، ولذلك وجب الخروج عليها، واستوجب الأمر الجهاد ضدها، وهذا «فرض عين وليس فرض كفاية» كما يُقال، وهو واجب على المسلمين، لأن الحكم بغير ما أنزل الله من قوانين هو كفر، والمقصود بذلك جميع القوانين الوضعية.
وبهذا المعنى يضع الشريف والفكر التكفيري الجميع في خانة الخروج عن شرع الله، طالما ارتضوا بوجود قوانين تحكمهم هي من صنع البشر، لأن ذلك سيكون خروجاً على الإسلام، الأمر الذي يقتضي مواجهته وتحريمه وإبطال ما يتّخذ بخصوصه من أحكام، وصولاً إلى خلع الحكام وإقامة حكم الإسلام.
ويضع الفكر التكفيري أسبقية «الجهاد» على الاستحقاقات الأخرى، ويقدّم محاربة العدوّ القريب على العدوّ البعيد، أي يضع المسلمين قبل المسيحيين والنصارى واليهود وغيرهم، أي إن مثال المرتدين هو الذي يحظى بالأفضلية من الكفار والوثنيين وأتباع الديانات الأخرى. ويعتبر الفكر التكفيري أن مجتمعاتنا تسبح في «جاهلية مطبقة» و«كفر سافر»، الأمر الذي اقتضى تقويمهما بالسيف.
وإذا كانت «غزوة» 11 سبتمبر /أيلول عام 2001 كما يسمونها وقبلها تفجيرات نيروبي ودار السلام وبالي وتفجيرات أوروبا، ولا سيّما أنفاق إسبانيا ولندن وعدد من تفجيرات باريس وفرنسا عموماً وتفجيرات ألمانيا وغيرها، هي ضرب تكتيكي في الأطراف، فإن استراتيجية التنظيم، على الرغم من استخدامها الإرهاب الخارجي، فإن مهماتها الأساسية ظلّت داخلية عربية وإسلامية بامتياز، أي تقديم مواجهة العدوّ القريب على العدوّ البعيد، مع الاستمرار في مشاغلة البعيد، لتنفيذ استراتيجية التصدي للقريب.
ولذلك لا يمكن النظر إلى قانون جاستا الصادر عن الكونجرس والذي أعطى الحق لعائلات ضحايا 11 سبتمبر في مساءلة البلدان التي ينتمي إليها الإرهابيون أو يحملون جنسيتها، والذين قاموا بتفجير برجَي التجارة العالمية في نيويورك، وهجمات واشنطن، إلاّ من زاوية التوظيف السياسي الذي يستهدف الابتزاز وإملاء الإرادة، بغض النظر عن السياسات ذات الطبيعة الازدواجية والانتقائية، ومثل هذا الأمر حاول الرئيس أوباما التنبيه لمخاطره على صعيد العلاقات الدولية، مشيراً إلى إمكانية ملاحقة دبلوماسيين عسكريين أمريكان، لكن موجة العداء وقصر النظر هي التي تدفع إلى مثل هذه الإجراءات ذات الطبيعة العدائية.
ثمَّ من سيعوّض الضحايا من الفلسطينيين الذين احتلّ وطنهم وهجّروا منه؟ ومن سيعوّض الأمة العربية، ومنها دول مثل مصر وسوريا والأردن ولبنان والعراق، التي عانت من انتهاكات «إسرائيل» السافرة لحقوقها وارتكابات متواصلة، بل وعدوان مستمر عليها، ناهيك عن تعطّل التنمية وتبديد الأموال بسبب حروب «إسرائيل»، وما زال العراق وأفغانستان يعانيان من وطأة الاحتلال الأمريكي لهما؟
الإرهاب بالأصل أو بالفرع، واحد، ولا دين له ولا جنسية له ولا وطن ولا لغة ولا منطقة جغرافية، إنه فكر التعصّب والتطرّف والإلغاء.