سأعود إلى كتاب الصديق الدكتور عبدالحسين شعبان عن شاعر العراق والعرب محمد مهدي الجواهري الذي أهداني منه نسخة أمس الأول، في طبعته الثانية المنقحة، ولكن الكتاب أعاد الى ذهني ذكرى تخص الجواهري وإقامته لسبع سنوات متواصلة في مدينة براغ الجميلة، عاصمة جمهورية التشيك اليوم، وتشيكوسلوفاكيا في تلك السنوات .

في عام 1994 قصدتُ براغ سائحاً لأيام . صديقي منذ أيام الأنشطة الطلابية والشبابية رواء الجصاني ابن شقيقة الجواهري، المقيم في براغ أخذني إلى مقهى في قلبها . قال لي إنه من المقاهي المفضلة للجواهري في المدينة، فطالما قصده، ولعل فيه لمعت في خياله الخصب مطالع قصيدة أو أكثر من روائعه التي خلدها الزمن .

حين عدت إلى الإمارات، وكنت حينها مقيماً فيها، كتبت انطباعاتي عن براغ وعن الجواهري في هذه الزاوية بالذات من الخليج .

ومنذ أسابيع، وربما شهور قليلة كانت الشاعرة الإماراتية خلود المعلا تعد الرحال للسفر في مهمة إلى براغ، فسألتني: هي المرة الأولى التي أزور فيها هذه المدينة، فهل تستحق أن ترى؟ أجبتها: يكفي براغ مجداً أن الجواهري أحبها .

يتذكر دارسو الأدب التشيكيون بفخر ما قاله الجواهري عن مدينتهم الجميلة، التي تكاد تكون مدينة مطلية عن آخرها بماء الذهب، لذلك سمّوها مدينة الذهب، وهي من المدن الأوروبية القليلة التي نجت من الدمار فترة الجنون النازي، لأن هتلر باغتها بالاحتلال في بدايات الحرب قبل أن تستعد للمقاومة .

بُهر الجواهري ببراغ، وحياها في العديد من قصائده، بينها تلك التي يقول مطلعها: أطلت الشوط من عمري/ أطال الله من عمرك/ وما بُلغت بالسر/ ولا بالسوء من خبرك/ وغنتني صوادحك النشاوى/ من ندى سحرك/ ولم يبرح على الظل/ بعد الظل من شجرك .

لكن كما السياب في غربته ظل يهتف:الشمس أجمل في بلادي من سواها والظلام/ حتى الظلام أجمل وهو يحتضن العراق، فإن عشق الجواهري لبراغ، لم ينسه دجلة الخير، التي ظلت توق الروح ومقصدها .

ومن براغ بالذات خاطب أبو فرات دجلة: حييتُ سفحك عن بعد فحييني/ يا دجلة الخير يا أم البساتين/ حييت سفحك ظمآناً ألوذ به/ لوذ الحمائم بين الماء والطين/ يا دجلة الخير يا نبعاً أفارقه/ على الكراهة بين الحين والحين / إني وردت عيون الماء صافية/ نبعاً فنبعاً فما كانت لترويني .

drhmadan@hotmail .com