حين نشر الكاتب الأمريكي توماس فريدمان كتابه الأخير حار ومسطّح ومكتظ: لماذا نحتاج إلى ثورة خضراء وكيف يمكن لهذه الثورة أن تجدد أمريكا، ظنّ أنه اكتشف بارود النهضة الكبرى الجديدة لبلاده.
وهو ظن تلقى حقنة دعم قوية حين أعلن الرئيس أوباما أنه يريد أن يجعل الولايات المتحدة المصدّر الأول للطاقة المتجددة، وحين رصدت وزارتا الطاقة والخزانة الأمريكيتان 3،2 مليار دولار لتشجيع صناعة الطاقة الشمسية.
منطق فريدمان سار على النحو التالي:
كما أن إطلاق الاتحاد السوفييتي لسبوتنيك كأول سفينة فضاء العام 1957 حفّز أمريكا على حشد كل طاقاتها العلمية والتكنولوجية والمالية لكسب سباق الفضاء، يتعيّن عليها الآن تعبئة كل قدراتها لكسب السباق نحو الشمس.
هذه الثورة الخضراء الجديدة لن تُنقذ أمريكا والعالم من التلوث واحترار الكوكب، بل ستكون هي التكنولوجيا الجديدة التي ستمكّنها من الحفاظ على زعامتها الاقتصادية في العالم.
التكنولوجيا والعلوم الأمريكية المتطورة، قادرة على كسب السبق في هذه المنافسة الجديدة، لكن المطلوب قرار سياسي سريع لوضع ثورة الطاقة النظيفة موضع التطبيق، تماماً كذلك القرار الذي اتخذ بعد إطلاق سبوتنيك.
منطق مقنع. لكنه ورغم قوته الإقناعية يبدو صعباً (إن لم يكن مستحيل) التحقق.
لماذا؟ لثلاثة أسباب:
الأول، أن شركات الطاقة الأمريكية العملاقة اعتادت إلى حد الإدمان استخدام الوقود الأحفوري الذي لايزال أرخص بما لا يقاس من الطاقة الشمسية، أو طاقة الريح، أو الوقود البيولوجي. وبما أن هذه الشركات هي التي تسيطر على جُل القرار السياسي الأمريكي، لا تبدو ثورة الطاقة الجديدة هذه واردة. ففي النهاية لا ثورة من دون ثوار.
الثاني، أنه حتى لو فكّر حيتان شركات الطاقة بتقليص انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون وبقية غازات الدفيئة، فإنهم لن ينتقلوا على الأرجح من الوقود الأحفوري إلى الطاقة الشمسية، بل إلى الطاقة النووية أو حتى إلى طاقة الفحم. وهذا سيكون بمثابة الوقاية من الرمضاء بالنار، لأن الملوثات النووية تحتاج إلى عشرات آلاف السنين كي تتحلل.
أما السبب الثالث (والأهم) فهو أن ما تخوّف منه فريدمان من احتمال كسب الصين السباق نحو الشمس مستقبلاً، بدأ يتحقق اليوم بالفعل.
فقد اتخذت الصين قراراً على أعلى المستويات بتحويل نفسها إلى القوة الأولى المهيمنة في العالم في مجال الطاقة الخضراء، ورصدت عشرات مليارات الدولارات لذلك. لا بل تستعد العديد من الشركات الصينية لبناء مصانع ألواح شمسية في الولايات المتحدة نفسها، لتجاوز الإجراءات الحمائية التي اتخذتها واشنطن. وهذا سيعني، باعتراف توماس زاريلا المدير التنفيذي لشركة جي تي سولار الدولية، أن كلاً من أمريكا وأوروبا ستتحوّل في خاتمة المطاف إلى مجرد مستهلك للمنتوجات الشمسية.
ثورة توماس فريدمان، إذاً، تبدو كحلم ليلة صيف. وهذا سيكون دافعاً إضافياً لتحقق نبوءة المتنبئين بأن شمس الشرق هي التي ستسطع على العالم في القرن الحادي والعشرين. وهذا ليس بالمعنى المجازي بل بالمعنى الحرفي، حيث قد تصبح تكنولوجيا الطاقة الشمسية الصينية هي المحرك الجديد للتاريخ.