القضاء المستقل والممارسة الديمقراطية

03:28 صباحا
قراءة 4 دقائق
يقصد باستقلالية القضاء عدم وجود أي تأثير مادي أو معنوي أو تدخل مباشر أو غير مباشر، وبأية وسيلة في عمل السلطة القضائية، بالشكل الذي يمكن أن يؤثر في عملها المرتبط بتحقيق العدالة، كما يعني أيضاً رفض القضاة أنفسهم لهذه التأثيرات والحرص على استقلاليتهم ونزاهتهم.

إن استقلالية القضاء هي تجسيد للعدالة وعماد دولة القانون، وهي أحد المرتكزات التي يتأسس عليها مبدأ الفصل بين السلطات، ولا تخفى أهميتها في ضمان الاستقرار داخل المجتمع وسير عمل المؤسسات بشكل سليم، وترسيخ ثقة المواطنين بها (المؤسسات).
كما لا تخفى أهمية إرساء المبدأ (استقلالية القضاء) في حماية الديمقراطية نفسها من كل انحراف أو زيغ، وفي دعم احترام حقوق الإنسان من حيث ضمان المحاكمة العادلة التي هي حق من حقوق الإنسان وحماية مختلف الحقوق والحريات.
وينطوي مبدأ فصل السلطات بدوره على أهمية كبرى، فهو يشكل أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها الممارسة الديمقراطية، على اعتبار أنه يحدّد مجال تدخل كل سلطة على حدة ويمنع تجاوزها، غير أن هذا المبدأ لا يعني الفصل الصارم والمطلق بين السلطات الثلاث (السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية)، ذلك أن القاضي يظل بحاجة إلى سلطة تنفيذية تسمح بأجرأة الأحكام والقرارات، كما يظل بحاجة أيضاً إلى قوانين ملائمة تصدرها السلطة التشريعية، ويظل المشرع بدوره بحاجة إلى السلطة التنفيذية والقضائية، والسلطة التشريعية بحاجة إلى السلطتين القضائية والتنفيذية.
ومن هذا المنطلق، فالعلاقة التي يفترض أن تسود بين هذه السلطات، ينبغي أن تكون مؤطرة بالقانون، حيث يستأثر القضاء الدستوري بالبت في مدى دستورية القوانين، فيما يختص القضاء الإداري بفحص شرعية أعمال الإدارة والنظر في إمكانية إلغاء قراراتها في حال وجود تعسف في استعمال السلطة.

إن السلطة التنفيذية لا يجوز أن تتطاول على المهام القضائية بالضغط أو التأثير، أو الامتناع عن تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة في حقها من قبل مختلف المحاكم، أو تعطيل تنفيذها أو توجيه النقد إليها، مع ضرورة الحرص على توفير الشروط التقنية والمادية الكفيلة بضمان حسن سير العدالة.

وعلى السلطة التشريعية أيضاً، ألا تتدخل في أي منازعة تندرج ضمن الاختصاص المخول للقضاء، أو منح جزء من صلاحياته إلى جهات أخرى.
توجد علاقة قوية ومتبادلة بين سلطة القضاء والممارسة الديمقراطية؛ فالديمقراطية تظل بحاجة ماسة إلى قضاء مستقل قادر على التعاطي مع مختلف القضايا والملفات بجرأة ونزاهة وموضوعية، بعيداً عن أي تدخل قد تباشره السلطات الأخرى، مثلما يظل القضاء من جانبه بحاجة إلى شروط موضوعية وبيئة سليمة مبنية على الممارسة الديمقراطية تعزز من مكانته وتسمح له بتحقيق العدالة المنشودة، بعيداً عن أي استهتار أو انحراف بالقوانين.
كما أن الانتخابات التي تفرز نخبة يفترض أن تتولى تدبير الشأن العام والسهر على قضايا المواطنين الحيوية، تتطلب وجود قضاء فعال ومستقل قادر على ضمان نزاهتها ومرورها في جو سليم وبناء؛ من خلال معاقبة المفسدين وتكريس تكافؤ الفرص واحترام إرادة الجماهير.
ولذلك ذهب عدد من الباحثين إلى أن وجود قضاء مستقل يؤكده ويحميه الدستور هو شرط أساسي للديمقراطية يتجاوز في أهميته إجراء الانتخابات ذاتها.
تنامت التقارير التي تنتقد وضعية القضاء في الدول العربية، نتيجة لعوامل موضوعية وأخرى ذاتية، الأمر الذي كرّس الإفلات من العقاب.
ومن المؤكد أن امتناع أغلبية الدول العربية عن المصادقة على نظام المحكمة الجنائية الدولية لروما، يبرز عدم استقلالية القضاء بهذه البلدان، ويجعل من إمكانية الإفلات من العقاب، في ما يتعلق بجرائم ضد الإنسانية أمراً وارداً في كل حين.

إن الكثير من الجرائم والانتهاكات المرتكبة في الماضي بالمنطقة، لم تكن لتحدث بالحدة نفسها في حال وجود قضاء نزيه ومستقل، بل غالباً ما تورطت أجهزته في تكريس هذه الانتهاكات عبر إعمال محاكمات صورية، أو اعتماد عدالة التعليمات التي تباشرها السلطة السياسية الحاكمة.
إذا كان تحقيق العدل يشكل مدخلاً لتحقيق استقرار المجتمع وحماية الأفراد فهو بلا شك وسيلة حيوية لدعم التنمية بكل أشكالها ومظاهرها، ذلك أن جلب الاستثمارات وترسيخ استقرار المعاملات المالية والاقتصادية وضمان تطورها بشكل سليم وبناء، يتطلب وجود قضاء قوي ونزيه يضمن حماية المعاملات التعاقدية وشفافية الصفقات، وفي غياب ذلك ينتعش الفساد المالي والاعتداء على الحقوق والاستهتار بالقوانين.

لقد أفرزت الصراعات والإشكالات الأمنية المطروحة في عدد من دول المنطقة، حالة من عدم الثقة بالمؤسسات، وهو ما يجعل من الحرص على استقلالية وهيبة القضاء مطلباً ملحاً في هذه المرحلة المفصلية، كسبيل لمواجهة كل الخروقات والانحرافات الواردة عليه، بما يجعل منه ملاذاً حقيقياً بالنسبة إلى المتقاضين.
إن المبادرات والإجراءات التي تتخذها الدول على طريق التحول نحو الديمقراطية أو تحقيق التنمية مهما بلغت أهميتها تبقى غير كافية، ما لم يتم إصلاح القضاء ودعم استقلاليته، باعتباره يشكل الركيزة الأساسية التي تدعم حماية الديمقراطية وتقويها وتوفر فضاء مناسباً يدعم احترام حقوق الإنسان وإرساء تنمية محورها الإنسان.
تظل دول الكثير من دول المنطقة بحاجة إلى قضاء قوي ومستقل، قادر على فرض احترام القانون وضمان هيبة الدولة وفعالية المؤسسات، وبخاصة أن هناك الكثير من مظاهر الانفلات الأمني وتجاوز القانون، تظهر بين الفينة والأخرى بالموازاة مع الاحتجاجات والانتفاضات التي تشهدها المجتمعات.

ويعتبر إصلاح القضاء وترسيخ استقلاليته أمراً مهماً وحيوياً في هذه المرحلة التي غالباً ما تشوبها مظاهر من العنف أو الانحراف بالقوانين، بالنظر لدوره في فرض هيبة الدولة واحترام القوانين وضمان احترام الحقوق والممتلكات.

إن إصلاح القضاء وضمان استقلاليته ليس بالأمر الهين كما يعتقد البعض، وإنما هو عملية مركبة تفترض تجنيد عدد من الجهات وتوافر إرادة سياسية حقيقية، إضافة إلى شروط قانونية وتقنية مختلفة.

د.إدريس لكريني

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"