سقطت في حرب السادس من أكتوبر/ تشرين الأول 1973 رزمة أساطير إسرائيلية وعربية في آن معاً . فالجيش الإسرائيلي لم يعد قوة لا تقهر . وحرب الشعب طويلة الأمد أو الحرب الخاطفة المنشودة عربياً وفلسطينياً تنحت لصالح الحل السياسي بصيغته الكيسنجرية ومعادلة الخطوة-خطوة . والأهم من ذلك أن الجماهير العربية التي رفضت تنحي جمال عبد الناصر بعد حرب 1967 مطلقة شعار حنحارب خاضت جيوشها وجنرالاتها حرب ،1973 وخرجت على أثرها مرحبة بالرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في شوارع القاهرة ودمشق .
أما في إسرائيل وبعد 40 عاماً على تلك الحرب، ما زالت الرقابة العسكرية الإسرائيلية في كل عام تقريباً تفرج عن مزيد من المحاضر والوثائق المتعلقة بحرب ،1973 التي تداعت فيها الخطة الدفاعية الإسرائيلية المسماة شوفاخ يونيم أي برج الحمام، وتداعت تحصينات خط بارليف، وهذا ما دفع وزير المالية الإسرائيلي آنذاك إلى القول: لم تكن هناك سوى خطوة واحدة، ثم تنهار إسرائيل تماماً، كما اندفع الإسرائيليون نحو البحث عن أسباب ما حدث في الحرب، فتم تشكيل لجنة أغرانات التي خلصت إلى الاستنتاج بعد تحقيقات مطولة مع النخب العسكرية والأمنية - الاستخباراتية والسياسية الإسرائيلية - إلى أن ثمة تقصيراً محدال كبيراً أفضى إلى حدوث ما حدث في الأيام الأربعة الأولى من حرب العام 1973 من: اختراق الجيش السوري لما يعرف ب الخط الأرجواني، أي خط وقف إطلاق النار في عدوان العام ،1967 والاستيلاء على مرصد جبل الشيخ، وعبور الجيش المصري قناة السويس نحو الضفة الشرقية للقناة وتدمير خط بارليف .
وقد سمح في نهاية شهر سبتمبر/ أيلول 2006 بنشر أغلبية تقرير لجنة اغرانات التي توصلت إلى رزمة اتهامات للقيادتين السياسية والعسكرية، بأنهما لم تقدّرا حتى ساعات الصباح الباكر من يوم الحرب، بأن حرباً شاملة على وشك الوقوع، وأنه عندما أعلن رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية، أن مصر وسوريا تزمعان شنّ حرب على الجبهتين الشمالية والجنوبية، لم يمكن ذلك الإنذار القصير المدى أجهزة التعبئة الإسرائيلية من حشد قوات الاحتياط على نحو منظم، وحددت اللجنة ثلاثة أسباب جوهرية لما عدّته فشلاً إسرائيلياً جسيماً، تكمن في عدم الاستعداد للحرب وفي التقديرات بأن مصر لن تشن حرباً على إسرائيل، إلا بعد أن تضمن لنفسها القدرة الجوية على مهاجمتها، وأن سوريا لن تشن هجوماً شاملاً على إسرائيل إلا في وقت واحد مع مصر، والثقة المفرطة لدى جهاز المخابرات بقدرته على إعطاء إنذار مسبق يمكّن الجيش من التعبئة في الوقت المناسب .
وكشف كتاب إسرائيلي بعنوان حرب يوم الغفران، اللحظة الحقيقية لمؤلفيه رونين برغمان وجيل مالتسر عن وثائق سرية من بروتوكولات هيئة الأركان العامة والحكومة الإسرائيلية اتضح خلالها الاستهتار الإسرائيلي بالقوة العربية .
وتتضمن الوثائق الإسرائيلية اعترافات كثيرة وشهادات، ففي كتاب أصدره عشية الذكرى ال 36 للحرب، الجنرال اسحق حوفي قائد اللواء الشمالي السابق في الجيش الإسرائيلي كشف عن توصل وزير الحرب وقتها موشيه دايان تحت ضغط مفاجأة الضربة العربية إلى خيار الهرب والفرار من هضبة الجولان السورية في ثاني أيام الحرب، قبل أن يستعيد الزمام، ويأمر بضرب دمشق .
وجاء في الكتاب أن دايان أصدر بالفعل أمراً في 7 أكتوبر/ تشرين الأول بالانسحاب من الجولان وبإقامة خطوط دفاعية على الخطوط القديمة (خط الهدنة) عند مجرى نهر الأردن، والاستعداد لتدمير الجسور حتى لا يجتازها الجيش السوري نحو إسرائيل وفي الوقت نفسه أمر بإعداد خطة هجوم مضاد . وعندما مرت ثلاث إلى أربع ساعات على هذا الموقف شعر دايان بأن وضع قواته بدأ يتحسن، فأحدث انعطافاً حاداً في موقفه، وأمر عندها بقصف العاصمة السورية دمشق .
ومؤخراً، قرر أرشيف وزارة الدفاع الإسرائيلية نشر جزء من إفادة غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل، التي بررت عدم إقدامها على تجنيد الاحتياط، بالرغم من تكاثر المؤشرات على الاستعدادات المصرية والسورية لشنّ حرب بقولها: كانوا سيعتقدون أنني غبية . . لم أستطع أن أصمد في مواجهة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية ورئيس الأركان . وأضافت: الحقيقة أنه لم يشر أحد من أعضاء الحكومة إلى أنه قد ينبغي مع كل ذلك أن نعلن التجنيد . . أنا أعيش عقدة ذنب، لأنني لم أقترح ذلك .
كما كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت، للمرة الأولى، عن وثيقة تثبت ما تردد في حرب العام 1973 عن تفكير إسرائيل في اللجوء إلى خيار شمشون أي استخدام السلاح النووي جراء شعورها بقرب نهاية البيت اليهودي الثالث .
ومما لا بد من ذكره أن الرئيس نيكسون أراد من حرب 1973 التوصل إلى تسوية في الشرق الأوسط، وبعدما عرض عليه وزير خارجيته الوضع الميداني، أجابه باختصار إن النقطة الأساسية هي من يفوز بهذه المعركة . المسألة ليست مسألة أرض، وهذا ما تعلمناه من الحربين العالميتين الأولى والثانية، بل إنها مسألة هل تفوز على العدو .
كما تشير الوثائق الأمريكية إلى أن نيكسون كان يبحث عن التوصل إلى التسوية نتيجة تلك الحرب، لذلك أكد لوزير خارجيته على ضرورة الإشارة إلى أن الدعم العسكري المقدم إلى إسرائيل ليس هدفه استمرار الحرب، وإنما العكس الحفاظ على التوازن . . لأنه فقط من خلال التوازن من الممكن التوصل إلى تسوية .