تأثير التطرف في المجتمعات

04:12 صباحا
قراءة 3 دقائق
سلطان حميد الجسمي

التطرف من أخطر الأمراض التي تفتك بالمجتمعات، وتقتل روح التسامح بين الناس، وتخلق أنماطاً من العقول المتعصبة الملأى بالكراهية والحقد نحو الآخر، وهو آفة اجتماعية وفكرية وأخلاقية تشير إلى الخروج عن القيم والأفكار والسلوكيات الإيجابية في مجتمع معين، وبالمقابل تبني قيماً ومعايير سلبية دخيلة على المجتمع، وقد يتحول من مجرد أفكار إلى أفعال ظاهرية قد يصل الدفاع عنها إلى حد اللجوء إلى العنف، بغرض فرض المبادئ التي يؤمن بها الفكر المتطرف بقوة على الآخرين، وقد تتفاقم المسألة لدرجة اللجوء للإرهاب.
التطرف ينشأ وتنبت جذوره في المجتمعات التي تنعدم فيها كل أنواع التسامح، حيث يستمد قوته من نوعية الأفكار السلبية، وما يقترن بذلك من إقصاء الآخر وتهميشه. والمتطرف يكون على استعداد دائم لمواجهة الاختلاف في المعتقد أو الرأي بالعنف، ويسعى دائماً إلى فرض هذا المعتقد بالقوة على الآخرين. وقد يأخذ التطرف أشكالاً متعددة، نذكر منها التطرف الديني الذي يعني الخروج عن المسلك المعتدل في فهم الدين وفي العمل به، والتطرف الفكري الذي يتمثل في الخروج عن القواعد الفكرية والثقافية المعتدلة التي تسود المجتمع في أي جانب من جوانب الحياة.
لذلك أصبحت عملية التعاطي مع هذه المعضلة الاجتماعية العالمية ضرورة ملحة، حيث لا يجب الاقتصار فقط على الجهود الأمنية المبذولة من الدول للحد من خطورتها وانتشارها، بل أصبح من الضروري نشر وتعزيز قيم التسامح بين كافة شرائح وفئات المجتمع في جميع النواحي.
فالتسامح لا يترك وسط المجتمعات مكاناً للغلو والتطرف، إضافة إلى أنه يجنب أفرادها مخاطر الانزلاق في الجهل والانغلاق والتبعية، ويبعدهم عن التطرف، ليس فقط داخل المجتمع الواحد، بل حتى في علاقة المجتمعات بعضها مع بعض على اختلافها وتنوعها اللغوي والثقافي والديني.
التسامح يحقق أرضية للحوار والتفاهم بين الديانات والثقافات المختلفة، ويسعى لتحقيق الاستقرار والأمن الاجتماعي وحتى الاقتصادي، فهو يشكل حاجزاً قوياً ضد كل نزعات العنصرية والتمييز والتفرقة، لأنه يلامس المجتمع بكل أطيافه الدينية. لذا بات واضحاً أن التسامح الديني مطلب إنساني جليل، اقتضته الفطرة الإنسانية، واستوجبته النشأة الاجتماعية، حيث دعت إليه الأديان كافة، بصرف النظر عن الإشكالات التي تتصدر الوضع الراهن، فهي ليست في الأديان نفسها، وإنما هي نتاج عقم إدراك بعض القائمين عليها، فإن ما يجب تسليط الضوء عليه هو أن أهمية التسامح الديني تتمثل في كونه يعزز القيم الوسطية، ويضع أسساً رشيدة للاختلاف والتنوع، ويحترم ما يميز الأفراد، ويقدر ما يتميز به كل شعب من مكونات ثقافية تمثل هويته ومصدر اعتزازه.
لذا فالتسامح الديني يستوجب الاحترام المتبادل، ويستلزم التقدير المشترك، ويفرض التخلي عن الأساليب الإقصائية، ويدعو إلى الارتقاء بالأفكار والسلوكيات وتنقيتها، بما يحقق التعايش المشترك والتعاون الحضاري والثقافي بين الشعوب، وهو بذلك يجعل المجتمع أرضاً خصبة لزرع الأخلاقيات الحميدة بين الناس، من خلال نشر ثقافة التسامح بين أفراد المجتمع، التي تكسب الشخص خصوصاً الناشئة مهارات الحياة التي تمكنهم من العيش معاً في سلام ووئام، وتكسبهم مهارات حياتية تمكنهم أيضاً من نبذ العنف حال الخلافات ورفض التسلط والانفراد بالرأي وفرضه على الآخر.
ودولة الإمارات العربية المتحدة تضرب مثالاً جلياً للمجتمع المتسامح الرافض لكافة أشكال التطرف، حيث فطنت لخطورة هذه الآفة منذ سنوات، فعملت على إنشاء مراكز لمحاربة التطرف، نذكر منها المعهد الدولي للتسامح، ومركز «هداية» لمكافحة التطرف العنيف، ومركز صواب.
هذا هو نهج دولة الإمارات.. ويتضح ذلك من خلال البرنامج الوطني للتسامح الذي يعمل على مجموعة من المحاور والأهداف من بينها «تعزيز التسامح لدى الشباب ووقايتهم من التعصب والتطرف».

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب في المجال السياسي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"